ما وراء الجيد والسيء

حجم الخط
0

يصعب استيعاب موجة المقالات من النوع الذي كتبته كارولاينا ليندسمان. هناك قدر كبير من عدم الاستقامة في القاء مسؤولية فشل هيلاري كلينتون في الانتخابات على التصريحات الاشكالية. والذي عبر عن شيء من الانغلاق تجاه الواقع الأمريكي، ومع ذلك استنكرت من الناحية الجوهرية وبحق العنصريين الذين رفعوا رؤوسهم ورفعوا حملة ترامب الانتخابية.
الاسوأ من ذلك، لو كانت كلينتون ستفوز بفارق صغير مثلما خسرت بفارق صغير، لما كانت كتبت هذه المقالات. وهذا هو المقام للتذكير بأن كلينتون حصلت على اغلبية اصوات الناخبين، وفشلت فقط في الحصول على عدد المقاعد المطلوب. معظم المصوتين الأمريكيين كانوا شركاء ومتحفظين من العنصرية والقومية المتطرفة والعداء، تلك الامور التي تجندت حولها الطبقات المتوسطة والدنيا لأمريكا البيضاء.
يمكن ويجب اتهام كلينتون وعالم المال والسلطة الديمقراطي الذي تمثله بأمور أكثر خطورة من فشلها في منافسة «الضبابية» الوهمية، الفظة والمملوءة بالمواقف المسبقة لدى ترامب. في لحظة اكتشافه كشخص معادي للنساء والمهاجرين والمسلمين بدأت تتحدث مباشرة إلى مصوتيه غير المتوقعين ـ وهو ايضا بدأ يمدح بشكل مفاجيء مصوتيه غير المثقفين رغم أن ترامب يتملص منهم. كان يمكن متابعة العملية اثناء تشكلها. يبدو أن ترامب نفسه قد فوجيء في كل مرة من جديد عند اكتشاف سم الهجوم اللفظي وقوة ثقافة التحريض والهجوم على الآخر والديماغوجيا التي تضرب من تحت الحزام.
إن انغلاق السلطة في واشنطن، في المقابل، والوقوع في فخ الليبرالية الجديدة الذي أبقى الكثيرين بدون حيلة من الناحية الاقتصادية والطبقية والاجتماعية، لعب في صالح ترامب. شعور ثقيل بعدم وجود مخرج دفع الكثيرين إلى الضرب في كل صوب واستخدام ترامب مثل زجاجة حارقة ضد واشنطن، لكن ذلك أظهر تقيح العنصرية لدى البيض من جميع الطبقات، بما في ذلك النساء. الطبقة الوسطى البيضاء تصرفت اثناء هذه الانتخابات كأقلية وكضحية بكل معنى الكلمة، ومحت كل ما وجد في طريقها واستخدمت علنا العنصرية والقومية بدل القوة.
المثقفون يخطئون عندما يتعالون على غير المتعلمين. أمريكا منقسمة بين الاثرياء وبين من يطرقون الابواب المغلقة. ولكن الضائقة لا تعفي الانسان من الاختيار الشخصي والمسؤولية الإنسانية، ولا تعفيه من الاخلاق أو تأييد العنصرية والشوفينية.
إن الميل إلى التحليل الاجتماعي دفع ليندسمان إلى الاستنتاج أن ترامب ربما تحدث ككاره للنساء، لكنه لا يكره النساء، بل يكره كلينتون، ربما أنه أهان المهاجرين، لكنه لا يكره الانسان بل كلينتون. الحديث هنا ليس عن بلبلة. هذه هي النظرة الضيقة والكاذبة لسياسة الاقليات التي تهزم نفسها، السياسة التي يمكن أن تكون الاغلبية فيها أقلية ويتحول الملاحِق إلى ملاحَق، ويمكن أن يكون العنصري هو الضحية إذا اعتبر نفسه كذلك، إنها سياسة ما وراء الجيد والسيء (وليس حسب منطق نيتشه).

عيده أوشبيز
هآرتس 15/11/2016

ما وراء الجيد والسيء

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية