في وفرةٍ من الكوارث أقلها طبيعي كسقوط الطائرة الفاجع (حتى الآن على الأقل) وأكثرها يمثل نماذج صارخة من سوء الأداء والإدارة والاختيارات والرهانات، فقد ترسخ نمطٌ من تعامل الصحافة والرأي المدون مع الواقع وقرارات الحكومة وتحركاتها بالتحديد.
نمطٌ يمكن تلخيصه في الركض وراء الأحداث لإثبات وجهة النظر هذه أو تلك، نمطٌ ينحصر في خانة رد الفعل وإحصاء الأخطاء في عملية حسابية فتجدهم مثلاً يتحدثون عن اغتيال السياح المكسيكيين، ثم يعطفون عليه سقوط طائرة الركاب الروسية، ثم مقتل الإيطالي ريجيني وهكذا، ومع مرور الوقت تطول الجملة ويكثر حرف العطف «و»، وكثيرٌ ممن يتبنون هذا المسار في «الدعم النقدي» إنما يفعلون ذلك من منطلق ترشيد المسار بهدف الحفاظ على صنم الدولة، ذلك التجسيد للخير الأكبر والاستقرار، ينطلقون من الإصلاحية، وهم الأوهام، ذلك الذي أعيا من يداويه.
قلةٌ هم أولئك الذين ينتقدون الدولة بشكلٍ متكررٍ واستباقي في المجال العام، ربما بسبب العوائق في التعبير وحالة الحصار المفروضة على وسائلها المطبوعة بصورةٍ مشروعة علنية، وأقل منهم المعارضون الحقيقيون، أولئك الذين يرفضون تلك الدولة برمتها والنظام بشكل متسقٍ، منطلقين من أسبابٍ مبدئية وفق رؤية وتصورٍ متماسك لطبيعة الدولة ودورها، وأهدافهم التي تشمل ضمن ما تشمل إسقاط الدولة، وعلى رأس تلك القوى ربما الاشتراكيون الثوريون بصورة مطلقة والإخوان المسلمون الرافضون الآن لجملةٍ أخرى من الأسباب البديهية والمتصالحون لا محالة في مقبل الأيام.
أكتب ذلك وقد استمتعت في الأيام السابقة أيما متعة بمتابعة ردود الفعل على تهديدات رئيس مجلس الشعب المفترض لبعض النواب، بتحويلهم إلى لجنة القيم جراء انتقادهم لسياسة الدولة النقدية، وقد استنكر بعض الكتاب بدورهم تلك التهديدات، جلهم برفقٍ ناصحٍ حنون على منوال «ما هكذا تورد الإبل»، مذكرين جنابه بأنه «من المفترض» أن هذا مجلسٌ يمثل الشعب، وأن هؤلاء نواب «يفترض» أنهم منتخبون من قبل الشعب نفسه، وأنه مكانٌ «يفــترض» أن تناقــــش فيه هموم الناس ومشاكلهم وطلباتهم، وكل ما من شأنه أن يمس ذلك البلد الذي نعيــــش فيه جميعاً ونحمل جنسيته بحرية، وبالتالي فإنه من غير اللائق أن يصدر عن شخصٍ في مثل منصبه وهو أستاذ القانون، تهديدٌ كذلك، «شكلها وحش» كما نقول بالعامية المصرية، أي أن المنظر العام غير مقبول، مما يستدعي للذاكرة مساخر من تاريخ النظام المصري البائس من عينة «قانون العيب» والأقرب لنا وهي مقولة الرئيس السيسي التي كررها أكثر من مرة للتأكيد والتأثير «ما يصحش كده».
والحقيقة أن تلك الواقعة البسيطة بالمقارنة ببقية الأحداث الجسيمة التي سبقتها أو زامنتها، من عينة اقتحام نقابة الصحافيين وبيع صنافير وتيران وحبس المعترضين على تلك الصفقة، تلك الواقعة أو المناوشة التي لن تتمخض عن شيءٍ لأن النواب المهددين سينصاعون للأمر، إنما تكشف عن واقع الحال وتلخصه، فالبرلمان ومن فيه والديمقراطية وحرية الرأي وانتقاد الحكومة كلها أمور في نطاق الواقع الخيالي الافتراضي الموازي، تلك الصورة التي نضحك بها على أنفسنا؛ ومن ثم فإن الشخص الوحيد الذي تصرف بواقعية هو رئيس المجلس، فهو يدرك طبيعته ولم ينس قواعد اللعبة، ولعله يذكر النواب الذين استبد بهم الحماس وأخذتهم الجلالة بأن مجلسهم ذاك طبخ في أروقة المخابرات من بين أجهزة الأمن وما أكثرها، يذكرهم بأن الحكاية كلها لعبة للحفاظ على المظاهر وإضفاء الشرعية على سلطة ثورةٍ مضادة. أما الذين يعاتبون دكتور القانون رئيس المجلس عتباً رقيقاً أو يبدون دهشتهم من تهديده، فإما واهمون بإمكانية إصلاح ذلك النظام المنتهي تاريخ صلاحيته من قرابة الأربعين عاماً، أو وهو الأرجح، يتصنعون ذلك العجب التزاماً منهم بحدود النقد المسموح، أي أنهم إذ يتعجبون إنما يؤكدون التزامهم بقواعد اللعبة، بتلك التمثيلية السمجة، وقد لا يخلو الأمر أيضاً من نوعٍ من خداع الذات الملازم لحالة «الإصلاحية».
هي لعبة من دون أدنى شك، ومحاولة يائسة، ناهيك عن كونها عبثية لإخفاء الطابع الأمني المنفلت المنتقم وتحالفاته مع رأس المال، الذي ينحاز إليه وعلاقاته الإقليمية.
سوف نستمر في عد وإحصاء المآسي والإخفاقات إلى جانب المهازل، سوف نستمر نعيش في ذلك العالم الافتراضي المفروض علينا، وسوف يزداد ضيق النظام بأي انتقادات وسيتعاظم عنفه مع تزايد فشله، شيئاً فشيئاً سيزداد عريه وستصبح حججه وحكاياه لا تثير سوى السخرية والرثاء، ومن ثم الامتعاض فالقرف. يقيناً أن كل ما نراه ليس سوى البدايات، فالتحديات الكبيرة مازالت قائمةً كما هي لم تخف حدتها ولم ينجح النظام في اتخاذ أي إجراءات للتعامل معها، وليس هناك في مجمل إجراءاته ما يدفعنا لتصديقه بوجود خطة لإجراءاتٍ من تلك اللازمة.
لقد أصاب هؤلاء النواب في تناول السياسة النقدية وسعر الدولار، فتأثير ذلك كاسح على حياة الناس، فهاك سعر الدواء يرتفع وكذلك سائر السلع الحيوية، وسد النهضة لم يمتلئ بعد ولم يتبين أثره الكلي.
الأكيد أن الخروج من ذلك المأزق لن يكون على يد شخوص هذا النظـــــام فهــــم جزءٌ من المشكلة، ووضع النظام بائس تماماً وكذلك حالـــنا معه، يجمع بين الغرائبي والعبثي من ناحية ومن ناحيةٍ أخرى التراجيديا اليونانية في حتمية الأقدار الفاجعة.
للأسف، ما زال العرض في بدايته،على كل قبحه مازال في بدايته، فكثير من الناس في خوفٍ من نفض الأوهام ومواجهة الواقع المقفر، والنظام لن يقدم تنازلات أو يعترف بعجزه حتى مع خساراته، وما بين هذا وذاك فالطريق ممتدة نحو انهيارٍ محقق.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل