ما يكتب في خضم الحرب

حجم الخط
0

أصبحت سوريا ساحة حرب وميدانا للصراعات الدولية وخلال خمس سنوات من الصراع الدموي والاقتتال الطاحن بين الفصائل المسلحة والنظام السوري من جهة واقتتال تلك الفصائل بين بعضها البعض من جهة ثانية لأسباب دينية وايديولوجية أتت على البنيتين التحتية والفوقية في البلاد وخلف في النسيج الاجتماعي والثقافي السوريين جراحا غائرة لا تندمل بسهولة.
لا توجد فترة زمنية في تاريخ البشرية بدون الصراعات والحروب والإبداعات في فنون الكتابة لا تتوقف بسبب الحروب بل على العكس تماما قد تكون الحرب محرضا في تدوين ظهور أعمال خالدة
يقول الشاعر السوري حازم العظمة المقيم في فرنسا «متى لم تكن ثمة حروب»، في الحروب همنغواي كتب: «لمن تقرع الأجراس»، وشولوخوف «الدون الهادئ»، ومحمود درويش « أحمد الزعتر»، وغير ذلك كثير. لا أعرف، ولا يستطيع أحد أن يعرف كم مبدعاً قتلتهم الحروب قبل أن نراهم أو نقرأهم أو نسمع بهم ولا نعرف أيضاً كم من الأعمال الإبداعية دفنتها أنقاض البيوت التي نُسفت أو التهمتها الحرائق وضاعت إلى الأبد. ما أعرفه أن الإبداع في مجمله كان دائما ضد الاستبداد والحرب في آن معاً وأن كليهما، الإستبداد والحرب، يشبهان دمى «الماتريوشكا « الروسية لا يولد أحدهما إلا من قشرة قرينه.
ربما علينا أن ننتظر عالماً بلا حروب لنعرف هل كانت الحروب محرضاً للإبداع أم عائقاً.
أعطونا عالماً بلا حروب وسنعتبر أن الإبداع كان ترفاً لا غير، أو لنلمس بأيدينا كيف أن كل أحد وكل شيء في عالم كهذا وكل تفصيل فيه إبداع.
كل ما يكتب في خضم الحرب، هو جزء منها، حتى حين يكتب البعض ضمن حيز الإنساني، لا يمكن لكتابتهم أن تنجو من براثن الموت، والدمار، والزمن المهدور المطرز بالقلق حيال المصائر.
يقول الشاعر والإعلامي السوري علي سفر المقيم في تركيا «إن أهم ما كتب عن الحرب جاء من أشخاص عايشوها واستغرقوا فيها ولكنهم أخذوا وقتاً طويلاً حتى استطاعوا أن يدونوها، لا من زاوية التوثيق الإجرائي الذي يبرع فيه الإعلاميون، بل من زاوية الواقع الذي تتم هندسته بأزاميل الرواية والقصة والشعر، ولهذا ومن زاوية شخصية، لم أفكر يوماً بأن ما أكتبه هو إبداعي، بقدر ما كنت أراه توثيقاً للحظة، أو محاولة لزجرها، والسيطرة عليها، كي لا أصبح أسيراً لها، لأنني أدرك حجم الفجيعة التي ستحل بي إن تحولت إلى فاعل في مشهدها، ورغم ذلك وفي محصلة لا فكاك منها، تدوين اللحظة كيوميات، لا يمكن أن يكون مجرداً، فهو يحدث ضمن زمن الحرب، وقلة هم الناجون من زمنها».
الحروب عادة تنتج آدابها. يمكن أن يكون في العالم باب إبداعي ضخم جداً تحت مسمى: آداب الحروب. الثورات أيضاً. كلا الأدبين، خاصة أدب الثورات، تتداخل فيه، لفترة زمنية طويلة نسبياً، عملية امتزاج مروعة بين الشعارات والمواقف العاطفية/ الانفعالية، وبين الأدب المتأمل
يقول الشاعر السوري خضر الآغا المقيم في ألمانيا «في سورية لم تنفك الثورة تنتج آدابها، لكننا، هنا، سنتوقف طويلاً وملياً أمام عدم استقرار المنتج الأدبي، ذلك أننا لم نزل عاجزين عن تسميته: منجز أدب الثورة مثلاً. فما يجري في سوريا منذ أكثر من خمس سنوات مروع ومأسوي إلى درجة غير مسبوقة في تاريخ العالم الحديث (وربما القديم أيضاً). نحن نعيش في طوفان حقيقي من الدم والدمار والتهجير، هذا الطوفان لم يتوقف ولا ساعة، ولا دقيقة، إنه طوفان مستمر ومتصاعد. كشف النظام السوري عن همجية وانحطاط غير مسبوقين في تاريخ الهمجية والانحطاط. من هنا نعرف السبب في عدم وجود منجز إبداعي مستقر يمكن دراسته، ثمة ما يمكن البناء عليه، أما الحديث والتفكير بأدب متأمل ومنجز مستقر فلا أعتقد أننا يمكننا التفكير فيه. أمام طوفان الدم الذي يغرقنا فعلياً، يبدو الحديث عن أدب ومنجز إبداعي نوعاً من الترف الذي لا يقوى عليه السوريون. نحتاج زمنا طويلا ربما للحديث عن ذلك».

دلدار فلمز – زيورخ

ما يكتب في خضم الحرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية