ان تصاعد وتيرة الإضطرابات في المحافظات العربية المنتفضة كان متوقعا، ولكن انهيار القوات المسلحة العراقية في تلك المحافظات بالطريقة والسرعة التي تمت فيهما كانت المفاجأة.
وربما نحتاج لمزيد من الوقت لمعرفة حقيقة هذا الإنهيار واسبابه، فهناك من يتحدث عن مؤامرة وآخر عن خيانة، الا ان هناك حقيقة واضحة هي ان العراق انتقل الى حالة جديدة وليس من السهل عودة الامور الى ما كانت عليه سابقا. فالسؤال: أي مستقبل ينتظر العراق؟
مسؤولية المالكي
ان النهج الطائفي واحتكار السلطة من قبل المالكي كان وراء حالة الإستياء الشعبي الواسعة بين أبناء المحافظات المنتفضة، فالمالكي الذي تولى الحكم مجددا عام 2010 كان يحظى بدعم شيعي كما استجاب له الكثير من قادة الاكراد والعرب السنة، ولكن خلال السنوات الاربع الماضية خسر ثقة الكرد والعرب السنة وحتى اطراف شيعية تخلت عنه كالمجلس الإسلامي الاعلى والصدريين وآخرين.
ان سياسة المالكي في الإنفراد بالحكم واستخدامه للشحن الطائفي والإثني من اجل مكاسب انتخابية، واعتماد سياسة فرق تسد في التعامل مع شركائه في الحكم، واللجوء الى الاقصاء والتهميش والإضطهاد، اضافة للفشل الاقتصادي والإجتماعي وتفشي الفساد، وأخيرا استخدام الآلة العسكرية، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، بافراط لفرض سيطرته على ابناء المحافظات العربية السنية بينما حول جيشه الى قوات إحتلال في تلك المناطق. كل ذلك دفع تلك المحافظات للإنتفاض فتحولت عمليا حاضنة ومساندة للعنف. لقد كانت القوى العربية السنية المعتدلة اول ضحايا نهج المالكي، علما بان تقويتها هو الضمان لوقف التطرف المذهبي الاسلامي.
ان تمتع إقليم كردستان بحالة من الإستقلال وفر لهم الحماية، الأمر الذي جعل من ابناء المحافظات العربية السنية ضحية المالكي الأساسية.
ولم يصغِ المالكي حتى لنصائح واشنطن بضرورة تعديل سياساته تجاه شركائه خاصة العرب السنة والكرد، وزاد الطين بلة بان عزل العراق عربيا واقليميا ليصبح عمليا أسير القرار الايراني، الذي له الفضل في الحيلولة دون نزع الثقة عنه برلمانيا عام 2012.
المبادرة المطلوبة:
تصحيح العملية السياسية
لن يكون سهلا تجاوز الأزمة عراقيا الا بتضافر جهود اطراف لم تحسن التنسيق سابقا، بدء بالتحالف الإسلامي الشيعي والقوى العربية السنية البرلمانية والأكراد.
لقد انطلقت العملية السياسية باعتماد تحالف الأحزاب الإسلامية الشيعية مع الأحزاب الكردية وصاغت هذه القوى الدستور والإنتخابات حسب مقاييسها وتم تغييب العرب السنة باجراءات حل الجيش واجتثاث البعث وغيرهما، ولكن سرعان ما وجدت الأحزاب الاسلامية الشيعية والكردية نفسها تهمش لصالح انفراد المالكي بالسلطة.
ان المطلوب هو مبادرة لتصحيح العملية السياسية ووضع ميثاق يكرس المصالحة الوطنية بمشاركة ممثلي كافة المحافظات والقوى السياسية تلك هي الخطوة الاولى في هذا الاتجاه، خاصة وان البرلمان انتهت ولايته وبالتالي تعتبر الحكومة مستقيلة، اذن الوقت مناسب لحكومة انقاذ وطني يشكلها اقطاب سياسيون لهم حضورهم واحترامهم في مناطقهم الشعبية برئاسة شخصية معتدلة تعمل من اجل تسوية سياسية.
من أهم مسؤوليات مثل هذه الحكومة فتح باب الحوار مع قوى المعارضة المسلحة العراقية بعيدا عن القوى ذات الأجندات الإقليمية والدولية باسم الخلافة الإسلامية وغيرها.
ثم ان هناك شخصيات عراقية من مختلف المشارب الأثنية والدينية التي يمكن ان تمد الجسور مع ابناء المحافظات المنتفضة.
المطلوب إعطاء ابناء تلك المحافظات خيارا حقيقيا في الإصلاح والمشاركة بعيدا عن العنف، وهذا ليس بالسهل بعد اتساع شقة الخلاف الطائفي والأثني. ومن هنا الحاجة لمساعدة دولية وبالذات من الأمم المتحدة والولايات المتحدة ومساعدة اقليمية من كافة دول الجوار واعتقد ان التعاون التركي ـ الايراني قد يصب في هذا الاتجاه، كما على الدول العربية وخاصة الخليجية ان لا تترك الامر للآخرين في انتظار ما سينجلي عليه. ان دعوة البعض لتدخل عسكري أمريكي او غيره لم تعد مناسبة، فليس هناك طرف مستعد للتورط باحتلال العراق مجددا او تحمل مسؤولية حسم الخلافات الطائفية فيه، كما ان اي تدخل عسكري اجنبي منفرد (التايمز اللندنية 12 حزيران/يونيو 2014/دخول 150 عنصرا من قوات القدس واخرى من «الصابرين» الايرانية للعراق لدعم المالكي)، لصالح طرف عراقي ضد اخر يتحول الى دعوة لحرب اهلية، كما ليس من مصلحة العراقيين ان يتحولوا الى حطب في صراع طائفي اقليمي.
ان المصالحة الوطنية العراقية ودرء العنف والتطرف لم تعد حاجة عراقية فحسب بل حاجة اقليمية ودولية، وما خشية العالم من انقطاع النفط العراقي الا أحد أوجه الأزمة.
وان الخطوات التي قد تضطر اليها الاحزاب الاسلامية الشيعية والتي سوف يعتبرها البعض تنازلات، يقابلها نجاح في الحفاظ على العراق ووحدته، فالحرب الأهلية لم تعد فزاعة بل هي حقيقة يجب تجنبها، كما ان التقسيم يمثل طريقا للهروب للأمام لا يتحقق الا بمزيد من القتل والخراب بما يجعل من الكل خاسرا، فالمطلوب تسوية سياسية يشعر كل طرف ان ربحه اكثر من خسارته ان كانت هناك خسارة بالنسبة للبعض.
مسؤولية القوى
الشعبية المنتفضة
ان حمل السلاح ليس هدفا بحد ذاته، بل يجب ان يكون وسيلة لغرض سياسي، من هنا الحاجة لبلورة اهداف واقعية وواضحة تخدم أبناء تلك المناطق التي سبق ان نزفت دما ومالا، بما يؤدي في المحصلة الى استرجاع العراق لعافيته واستقلاله.
فالحكمة السياسية لا تقل اليوم أهمية عن شجاعة حمل السلاح، والخوف كل الخوف ان تنقسم هذه القوى المسلحة كما حصل في سوريا وتترك المجال واسعا لمزيد من الأذى لابناء المحافظات المنتفضة لتصبح هدفا للبراميل المتفجرة والعقوبات الجماعية تماما كما حصل للفلوجة وما النزوح الجماعي عن الموصل الا خوفا من هذا الاحتمال، علما بان ما صدر في الموصل عن تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام من (وثيقة المدينة) التي تفرض اسلوب حياة متشددة على المواطنين يثير رعب الناس هناك.
لقد حان الوقت لان تخرج قيادات الفصائل المسلحة من الظل لتطل على الناس باسماء وشخصيات وبرنامج عمل قادر على تمثيل ابناء تلك المناطق بعيدا عن الغلو الطائفي او الديني والاستعداد لمد الجسور مع القوى العراقية في الوسط والجنوب وكردستان بهدف التوصل الى تسوية سياسية. ان آخر سلاح من الممكن ان يلجأ له الحاكم في بغداد هو اشعال الحرب الطــائفية مستغلا سلوكا خاطئا من بعض القوى العربية السنية لحشد العرب الشيعة باسم الدفاع عن الطائفية كما يحصل في سوريا.
ان الفرصة مواتية لإعادة لحمة وحدة عرب العراق، وهذه ليست دعوة لمواجهة الكرد أو غيرهم، ولكن ما يمكن ان يعيد للعراق عافيته هو تعافي العمود الفقري الذي يوحد العراق الا وهو عرب العراق، لأن إنقسام العراق مذهبيا يؤدي الى سقوطه وإنتهاء دوره وطنيا وإقليميا.
غسان العطية