مبارك عمّان: أستأنس بتيمة «إنسان ما قبل التاريخ» لخلق رموز فنية خاصة

حجم الخط
0

*الفن حماية أولاً، ثم تعبيرعنها تالياً. وقد سبق الانجاز الفني اللغة المكتوبة، وشكّل مع الإشارات والتعبيرات العاطفية والجسدية، لغة، استعملها الإنسان البدئي لغة تفاهم اجتماعية، بل وقانونية حتى في اتفاقات بيع وشراء. إذن اللغة الأولى قبل اختراع الأبجدية هي لغة صورة، تتجلى رسومات على جدران الكهوف، معبّرة عن فكرة سوسيولوجية الفن. ثمة ميل دائم للوجدان البشري نحو التعبير التشكيلي.
يُحلل علماء السومريات لويحاً اسمه «كوشي» عام 3300 قبل الميلاد، في الجزء العلوي من اللويح تفاصيل صفقة تجارية وعقد بين طرفين: أحدهم قد أعار شخصاً ما، 135 الف لتر لمدة 37 شهراً من مادة الحنطة أو الشعير المرموز لها بصورة سنبلة. دونتْ تفاصيل العقد بالصورة، أي أن الكتابة المسمارية المقطعية الأولى، أعتمدت ما نسميه اليوم لغة السينما والتشكيل. يشتغل الفنان المغربي مبارك عمّان في معرضه «رواق محمد الفاسي- الرباط» من 12 – 30 من أيلول/ سبتمبر الحالي، على تيمة التعبير العاطفي مرسومة على جدران الكهوف. كل استعادة، لها بنياتها التشكيلية وعلاماتها النفسية: تستمّر لوحات المعرض في هذه الاستعادة من طريق اشاعة وبشكل طاغِ أشكال بشرية، حيوانات وأدوات موسيقية، أحياناً ثمة حضور للرمل في بعض المواضيع، وتعزيزاً لهذا كلّه، تسيطرالألون الترابية وتدرجاتها على العالم الفني، من الأصفر إلى البني والأصفر الهندي، من أجل الايحاء بتلك العودة. بعض اللوحات تحتوي لون النحاس، معاوناً ألوان العودة، مستثمراً التكنلوجيا الراهنة المعتمدة على المعادن. تسود العودة التاريخية فنياً اللوحات كلّها، من دون استثناء، ولكن ثمة استعمال قليل للونين الأزرق والأحمر الخفيف هنا وهناك، غير حاضر تماماً بسبب طريقة توظيف اللون أو نسبة كتلته إلى متن اللوحة. تتوزع الحركة الفيزيائية؛ حركة الأجساد والحيوانات والنبات متون اللوحات تماماً، يساراً ويميناً، من الأسفل والأعلى، وتحتاج حركة كهذه، توزيع اللون في كلّ الاتجاهات الآنفة، بمعنى وجود حركة أساسية فيزيائية تنشد حركة لونية، إضافة إلى تقنية الريليف والكولاج والرمل، التي هي حركة أيضا. هذا حاضر في سطح اللوحات، مع تشخيص جسداني متمثّل بقرون الحيوانات ودروب رملية.
ويقول الفنان مبارك عمّان لـ «القدس العربي» ان كان ثمة ضرورة فنية أن يجتمع هذا الاشتغال الإجمالي المعبّر عنه في حركة فيزيائية ولونية وتشخيصية في سطح اللوحة كاملاً، أم يُفضل تفريقه أو استعمال مفردات منه لا غير «اشتغل غالباً في «سكيتش»، يحفزني على استدعاء الأشكال والرموز لاحقاً، وعندما أنفذ اللوحة في تقنية تلقائية وهي غايتي، اترك مسوّدة العمل جانباً، «السكيتش» حيلة فنية تشحذ المخيلة فقط. أحاول مجتهداً تقديم لوحة مركبة. وباعتقادي، ان ذلك الاشتغال الحركي الذي تقصده، قد أفاد اللوحات كلّها من دون استثناء.. كما انني لا أنتمي إلى مدرسة معينة أو محددة، حاليا أستأنس بتيمة إنسان ما «قبل التاريخ»، في استلهام وخلق رموز لها علاقة بي، أكثر من انسان ما «قبل التأريخ».

٭ كاتب عراقي

علي البزّاز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية