سبب ظهور التلفزيون ثورة ثقافية واجتماعية في جميع انحاء العالم وهي مشاهدة الألعاب الرياضية وبشكل خاص مباريات كرة القدم، وقد كان هذا دائما من الجوانب الممتعة في حياة الإنسان.
ولكن الموضوع أخذ بالتغير في السنوات الأخيرة، حيث تحول إلى نوع من الإدمان، فمباريات كرة القدم أصبحت مرضا نفسيا حولت المصاب به إلى مهووس غير قادر على التفكير بشيء آخر، فمباراة برشلونة أهم من أي حدث في العالم، أما ميسي فهو أهم شخص في التاريخ، وأصبحت كرة القدم العامل المشترك الوحيد في ثقافة العالم، فهي الشيء الذي يمكن أن يتحدث عنه شخص من النيبال مع شخص من المانيا يقابله للمرة الأولى، وهي الشيء الذي يفكر به الشخص حتى إن حلت به كارثة رهيبة، بل إنه من السخرية أن المواطن في الماضي كان يحاول إظهار ثقافته عن طريق عدد الكتب التي قد قرأها ليصبح اليوم يتكلم فقط عن ميسي وبرشلونة وكأنه في الثانية عشرة من عمره.
ويصاحب هذا ما هو أخطر من الجانب النفسي وهو الجانب الاقتصادي المتمثل بالمراهنات، ويدهشني عدم تكلم الإعلام عنه، فمعدل قيمة المراهنات على المباراة الواحدة من درجة الدوري الممتاز في انكلترا، مليار ومئة وثلاثون مليون دولار، مع العلم أن هناك عشر مباريات في كل مرحلة، ويتكون الموسم الواحد من ثماني وثلاثين مرحلة، أي أن القيمة الكلية للمراهنات على مباريات موسم واحد، حوالي خمسمئة مليار دولار، ونحن نتحدث هنا عن المراهنات الرسمية فقط، حيث أن الكثير من المراهنات تحدث عبر منظمات غير قانونية، حتى أن عصابات الجريمة العنيفة المنظمة اشتركت في هذا النوع من الإجرام، ومن المستحيل معرفة قيمتها، ولكن عندما يتم أحيانا القبض على منظمة غير قانونية من هذا النوع، يكتشف بأن حجم تعاملها يتجاوز المليار دولار، والأمر أسوأ في حالة مباريات كأس العالم وكأس الأتحاد الأوروبي وغيرهما من المنافسات الدولية الشهيرة. أما في الولايات المتحدة الأمريكية ففي عام 2014 بلغت قيمة المراهنات حوالي الثلاثمئة وثمانين مليار دولار. ولا يلاحظ مشاهدو البرامج الرياضية الدعاية المركزة للمراهنات، فإن ملابس سبعة من فرق الدوري الممتاز الإنكليزي تظهر بوضوح أسماء شركات مراهنات وأفضل عشرين فريقا من الدوري نفسه لديهم شراكة مع هذه الشركات فهم جميعا يريدون ما في جيب المشاهد وكل ما يحيطنا من ادعاءات ليست سوى قناع لتجارة بشعة.
وإذا كان هذا يعني إفلاس المواطن وخراب بيته ومجتمعه فليكن، ففي نهاية المطاف وما لا يعلمه المراهنون أن الأغلبية العظمى من الأموال التي يدفعونها في المراهنات ينتهي بها المطاف في خزائن شركات المراهنات. ويراهن المواطن بدون أن يعلم مدى صدق نتائج المباريات الرياضية فاحتمال التلاعب كبير والإشاعات أكبر حول رشوة اللاعبين والحكام والإداريين المسؤولين عن تنظيم المباريات والدورات على جميع المستويات وحتى تلك المنظمات الدولية ذات الأسماء الرنانة ومن الخطأ حصر كل هذا في كرة القدم لأنه يشمل كل أنواع الرياضة مثل التنس الذي أخذت الاتهامات تتكاثر ضده، وسباق الخيول والكلاب وكرة المنضدة، بل حتى المنافسات الرياضية بين المدارس الابتدائية ولدينا أيضا مشكلة تعاطي الرياضيين للمنشطات (وجميعها بالغة الخطورة) والمخاطر لا تنتهي وكمثال للمستوى الأدنى للمراهنات الرياضية فقد ذكرت الصحف البريطانية أن عدد المواطنين الذين يحضرون القداس في الكنائس في تناقص، ولذلك فإن بعض الكنائس تم إغلاقها لتصبح مبان مهجورة يتراكم عليها التراب، ولكن هذه ليست نهاية المشكلة فالعصابات الأجرامية تستغل كل فرصة لعمل غير قانوني، ولذلك قامت باستغلال هذه المباني المهجورة لأعمال غير قانونية ومنها إقامة مسابقات ما يسمى Bare Knuckle Fights وهي تنظيم معركة متوحشة خالية من القوانين والقيود بين رجلين والأسم مأخوذ من كون أيدي المتصارعين بدون كفوف الملاكمة وتكون المعركة أحيانا بين كلب متوحش ورجل. وتحدث هذه المعركة الجنونية وسط حشد غفير من المشجعين، الذين لا يشجعون المتصارعين بحماس متوهج فحسب، بل يقومون بالمراهنة على من يعتقدون أنه سيفوز، وتزداد حماسة المشجعين أثناء القتال لتبدأ معارك بين المشجعين أنفسهم، وينتهي النزال بسقوط أحد المتصارعين أرضا، وفي حالة يرثى لها لينقل إلى المستشفى فورا، وإذا أثير أي تساؤل حول أسباب أصاباته البالغة فإن الجواب المعتاد أنه سقط من أعلى السلالم. وهذا مثال بسيط على المراهنات الرياضية.
واذا أعتقد القارئ أن هذه الفعالية محصورة ضمن العمل السري غير القانوني فليعلم أن هناك نسخة منمقة منها يشاهدها الجميع على شاشات التلفزيون وفي منازلهم، كما أن هناك نسخة نسائية من هذه الفعالية، وبالإضافة إلى الإضرار بالمصلحة العامة والتشجيع على العنف من قبل هذه الفعاليات، فإنه لا يتكلم أحد عن الأضرار الصحية التي يتعرض لها المشاركون فيها أو غيرها من أنواع الرياضة مع العلم أن أحد أشهر الأفلام الأمريكية هذه السنة هو عن الأضرار التي تسببها رياضة كرة القدم الأمريكية على المخ، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الأضرار الصحية للإرهاق الشديد لممارسة الرياضة، خاصة تلك التي تشمل الاصطدام الجسدي قد ثبتت علميا.
ويجب التنويه هنا أن الحكومات قد منعت صراع الديكة الذي يعتبر مضمارا نشيطا للمراهنات، ومن أسباب المنع هو الرفق بالحيوان المسكين، وهذا يدل على أن الديك أهم من البشر في عالمنا المعاصر، ويدل أيضا على أن البشر لم يتطور منذ أيام الرومان عندما كان المتفرجون يستمتعون وبحماسة متوحشة بمشاهدة المصارعين يقتلون بعضهم بعضا ويراهنون على من سيبقى حيا في النهاية.
وطبعا هناك السذج الذين يعتبرون أنفسهم محترفين في فن المراهنة وعالمين بخفايا الرياضة فهم يأخذون بنظر الاعتبار أسلوب المدرب وإحصاءات الفريق وماضي كل لاعب والأنواء الجوية أثناء المباراة ويحتقرون الهواة الذين دخلوا هذا الفن مؤخرا، إلا أن الدراسات العلمية أثبتت عدم وجود أي فرق بينهم، فحظ المحترف لا يختلف عن حظ الهاوي الجديد وكلاهما خاسر والرابح الحقيقي، شركة المراهنات وشركاؤها، على الرغم من أن المراهنين المحترفين يقضون أحيانا خمسين ساعة في الأسبوع في بحثهم عن أي معلومة قد تكون مفيدة لهم. ومن ميزات هؤلاء المراهنين أنهم مهما حاولوا تحديد المبلغ الذي سينفقونه في المراهنات فإن أغلبهم يراهن أكثر عندما يخسر الرهان الأول وهلم جرا. وقد ظهرت مهنة جديدة في هذا المضمار وهي «مستشار المراهنات الرياضية» الذي يسمي نفسه أحيانا «خدمات رياضية» وهو جهة تقوم بالأبحاث لاستنتاج من هو الفريق أو الرياضي الأوفر حظا في المباريات التي يتم الرهان عليها، وتقدم نتيجة البحث لمن يقوم بالمراهنة مقابل مبلغ من المال وعلى أساس أن يكون قرار المراهنة صادرا من المراهن نفسه وليس «الخدمات الرياضية» التي تكون في حل من أي مسؤولية والتي تستلم أجرها سواء ربح المراهن أم خسر.
ومع التطور التكنولوجي أصبحت المراهنات أسهل، خاصة مع ظهور الإنترنت، فقد أصبحت المراهنة عن طريق الإنترنت في توسع كبير وأحيانا بالاشتراك مع عصابات محلية، ومن الممكن أن يكون دفع مبلغ المراهنة عن طريق بطاقات الاعتماد بدون أن تظهر المراهنة في سجلات البطاقة، حيث تسجل كعملية شراء بضاعة من محل عادي، وبذلك يكون المراهن في منزله ليراهن ويخسر ماله وهو مسترخ على كرسيه المفضل، وأصبح هذا الأسلوب في المراهنة وسيلة مفضلة لتجاوز القوانين المحلية، فالمراهن في الولايات المتحدة يستطيع المراهنة عن طريق موقع إنترنت لشركة يقع مركزها في إحدى جزر البحر الكاريبي، متجاوزا القوانين الأمريكية التي وضعت أصلا لحمايته من التلاعب.
كاتب عراقي
زيد خلدون جميل