متاجرة قادة الجمعيات الإسلامية الكبرى في فرنسا بالإسلام؟

حجم الخط
2

مثلما اضحت المظاهرات المليونية التي نظمتها السلطات الرسمية الفرنسية في 11 كانون الثاني /يناير تحت شعار انا شارلي رمزا لتعاضد النخب السياسية الفرنسية. امست اليوم تلك المظاهرات في الميزان وصنفها أحد المفكرين بالعنصرية ضد الإسلام والمسلمين أثر الموقف الجريء والشجاع للمفكر الفرنسي الشهير والمحلل المتخصص بالظواهر الدينية الاجتماعية السيد أمانويل تود في كتابه الموسوم من هو شارلي . في نفس الوقت عرى قادة الجمعيات الإسلامية الكبرى وكشف مساوماتهم امام عموم المسلمين وتبين لمسلمي فرنسا بأن هؤلاء القادة كانوا وما زالوا يتاجرون بالدين لمصالحهم الشخصية الفئوية الحزبية لأنهم لم يحركوا ساكنا ولم يعترضوا ولو إعلاميا على سباب دينهم ونبيهم طيلة الأربعة أشهر الماضية. لقد افرزت المظاهرات 11 كانون الثاني التي أعقبت الحوادث الإرهابية التي تعرضت لها باريس في بداية هذه السنة حقائق دامغة لا يمكن اغفالها ولعل أبرز امر فيها فضحها بأن عقلية السيد ـ والعبد او الذكي ـ والغبي او المتحضر ـ والهمجي. لا تزال هذه المعادلات سائدة لدى النخب السياسية الغربية رغم صدور قانون الغاء العبودية قبل أكثر من مئة عام. ولقد ظننا بأنها باتت وراءنا لأنها تنتمي إلى الحقبة الاستعمارية السوداء. لكن الموقف غير المسبوق للمفكر الاشتراكي الكبير أمانويل تود أحدث هزة كبيرة لدى اعلى هرم للسلطة السياسية بفرنسا إثر فضحه المبادئ غير المعلنة التي كانت تتعاطاها لتمرير تعصبها ضد المسلمين. فتح المفكر الجرح العميق الذي لم يندمل بعد وذكر اغلبية المسلمين بحزمة من الحقائق المغيبة إعلاميا والممارسة يوميا على ارض الواقع. انه يريد القول بأن الطبقة الحاكمة تريد فرض مفاهيم عنصرية قسرا على مسلمي فرنسا وعليهم الانصياع لها والموافقة عليها رغم انفهم. فمنذ اللحظات الاولى بدأ الكثير من المثقفين المنصفين الشعور بتداعياته على الإعلام الفرنسي والارباك الذي اعتراه والقلق العميق الذي رافق ردود الفعل المتشنجة لكل من الحكومة والمعارضة لصوت الحق الذي لم يستطيعوا اسكاته وخرج من حيث لا يحتسبون. ان طروحات المفكر الفرنسي من خلال كتابه السابق الذكر ذكر المسلمين انهم لا يزالون مستعمرين فعليا طالما لا تزال دولهم تعتمد على الدول التي كانت تستعمرهم سابقا باستثناءات قليلة كتركيا وإيران واندونيسيا وماليزيا. كما ان الاتكالية المفرطة لدى الكثير من المسلمين وعدم استعدادهم لتحمل مسؤولية بناء اوطانهم وجهلهم بأولويات دينهم زادت من الطين بلة وافقدتهم الثقة بأنفسهم وابعدتهم أكثر من أي وقت مضى للالتحاق في ركاب التقدم العلمي والرفاه الاجتماعي والتنمية الاقتصادية. لقد بعث إلى المسلمين رسالة غير مكتوبة كشف فيها خوف وجبن قادة الجالية الكلاسيكيين من جهة والى ضرورة تولي مسؤوليتها إلى قادة مسلمين جدد متنورين منفتحين لا يرضون الا بالمواطنة الكاملة غير المنقوصة من جهة اخرى. في وقت يسير عموم المسلمين باتجاه معاكس تماما لمبادئ دينهم الذي يجعل من العمل عبادة ومن البحوث والاستكشافات سياحة ومن التعاون الاجتماعي فريضة. فقد منحهم القرآن الكريم حرية البحث في التطور العلمي في جميع المجالات الأرضية والفلكية كقوله تعالى يا معشر الانس والجن ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان. تحاول السلطات الغربية الإيحاء زورا وبهتانا لشعوبها وللعالم اجمع على انها بمنأى من خلق النخب السياسية الحاكمة في البلدان الإسلامية وتتناسى بأنها هي التي أهلتها ونصبتها على الشعوب الإسلامية. وكانت قد رفضت وترفض أية محاولة لتطبيق الديمقراطية الحقيقية في تلك البلدان. والامثلة كثيرة العراق أفغانستان باكستان سوريا فلسطين مصر اليمن السعودية ليبيا الجزائر المغرب الخ. ففي العراق مثلا اجهضت بريطانيا ثورة العشرين التحررية عام 1920. بعد أكثر من ثمانين عاما غزت أمريكا العراق وجلبت معها تجربة تدميرية لتقسيم المقسم وتفتيت المفتت ولعل أحدث تجربة في مصر اليوم والتي تتفاعل تباعا من النماذج التي توضح موافقة الغرب الضمنية للانقلاب على نظام ديمقراطي منتخب. اما هنا في فرنسا فهناك سياسة رسمية غير معلنة لمنع الجالية من تولي مناصب عليا او ذات أهمية. في فرنسا ايضا يصرخ الإعلام ليل نهار بان حرية الرأي والتعبير مضمونة بدولة فولتير ومونتسكيو وهيكو. لكن الحقائق الملموسة هي غير ذلك. لكن الطامة الكبرى بان الإرهاب الفكري والتعصب الحكومي قد نشر الخوف والهلع لدى قادة المنظمات الإسلامية الكبرى كاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا ومسجد باريس والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. هذه التنظيمات الإسلامية التي تدعي تمثيل الجالية رفضت هي الاخرى بكل قوة نشر أي مقال ينتقد تلك المظاهرة العنصرية لأنها وبكل بساطة ساهمت مع الحكومة في انجاحها. لا أدرى ان استفاقت تلك المنظمات الإسلامية من نومها العميق إثر موقف المفكر تود. ام لا تزال ترى بان مدارات مصالحها اهم من الدفاع عن الإسلام حتى ضمن الدستور الفرنسي. ان المشكلة الثقافية التي يعاني منها قادة مسلمي فرنسا اليوم هي أنهم سليلو افكار الجيل الأول من العمال المسلمين البسطاء الذين كانوا يجهلون القراءة والكتابة والذين جلبتهم فرنسا من أعماق الأرياف المغاربية لسد الحاجات الملحة لبناء هذا البلد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ثم تزايدت وتيرة استيراد تلك القوى العاملة في مرحلة ستينات وسبعينات القرن الماضي. لقد كان أكبر هموم ذلك الجيل هو كسب الرزق الحلال والعودة إلى بلده الاصلي ولم يفكر يوما ما بأنه سيبقى في فرنسا. لم تخطر في باله آنذاك فكرة التعايش او الاندماج مع المجتمع الفرنسي. كان العمال آنذاك يجهلون اللغة الفرنسية ولا يريدون تعلمها بل لا يستطيعون ذلك لأنهم يجهلون حتى لغتهم العربية الام. اما نشر الدعوة الإسلامية في فرنسا فلا يفكر فيها أحد في تلك المرحلة. هذه الخلفية الفكرية قد تفسر مواقف قادة الجمعيات لأي قرار تصدره السلطات الفرنسية حتى لو كان ضد الإسلام وارتضوا لأنفسهم ان يكونوا لعبة بيد تلك السلطات. لكن الاغرب من هذا وذاك بأنهم تمكنوا من السيطرة على عموم مسلمي فرنسا وأخذهم كرهائن لقراراتهم التي غالبا ما تكون مصلحية حزبية انانية. مما يجعلهم أحيانا في نظر الكثيرين ملكيين أكثر من الملك نفسه. فعلى سبيل المثال لا الحصر كان مشروع القرار الذي قدمناه بمساندة فيدرالية مسلمي سيرجي والقاضي بإصدار قانون يعاقب وسائل الإعلام التي تستهزئ بالأديان السماوية من اجل قطع الطريق على الإرهابيين وتوطيد السلم الأهلي الاجتماعي في فرنسا يستحق الدراسة والتفعيل. لكن جهل وخوف هؤلاء القادة جعلهم يعتقدون بان هذا الاقتراح سيغضب السلطات السياسية وقد يشكل تهديدا لمصالحهم. في حين اعتبره الكثير من المتنورين المسلمين وغير المسلمين حلا لازمة استمرت منذ بداية الثمانينات مع الآيات الشيطانية لسلمان رشدي حتى هذه اللحظة. ان هذا المشروع هو ترجمة عملية وموائمة لما دعي اليه بابا الفاتيكان عشية العمل الإرهابي بباريس عندما صرح بان حرية التعبير لا تعني سب الأديان والمعتقدات. لقد أضحت تلك التنظيمات عائقا حقيقيا امام اية محاولة إصلاحية من قبل الجيل الجديد. كما ان فكر اغلبية اخلاف الجيل الأول من المهاجرين كانوا قد جلبوا معهم امراض حكامهم من الممارسات الديكتاتورية. لذا ظلت منظماتهم الإسلامية التي سيطروا عليها منذ أكثر من نصف قرن حكرا لهم ولأقربائهم واصدقائهم واحزابهم ومصالح دولهم التي يأتمرون بأمرها بعيدة عن الأساليب الديمقراطية الحديثة وأكثر بعدا عن مبدأ الشورى الإسلامي. لكن هناك والحمد لله جيل بدأ يفرض نفسه يمتلك ثقافة إسلامية اصيلة غير متعصبة وفكرا متنورا نهضويا إصلاحيا منهجيا منفتحا على الآخر من دون افراط او تفريط. يمتلك هذا الجيل أيضا ثقافة فرنسية عميقة ويعرف قوانين هذا البلد ويتعامل مع الغير معاملة الند للند. ٭ كاتب من العراق د. نصيف الجبوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية