عمان ـ «القدس العربي»: تقام الندوات الأدبية والمحاضرات الثقافية لمناقشة إحدى الأطروحات الأدبية والقضايا المعاصرة التي تختص بعالم الكتابة الأدبية، وأحيانا تقام لتكريم أعلام الأدب والثقافة الراحلين، إلا أنها في الغالب لا تحقق النتائج المرجوة، حيث تتم دعوة العديد من المفكرين والكتاب للمشاركة وتتاح لهم بضع دقائق ليدلوا ما في جعبتهم، ضمن سيطرة مدير الندوة الذي لا يعدو كونه منظما للوقت.
ومن ناحية أخرى، لا تشهد هذه الظاهرة إقبالا من الإعلام أو الجمهور، لطغيان سحابة الملل عليها، إذ يلتزم المحاضر بأسلوب التلقين والقراءة من الورقة، ويخوض في غمار مادة جامدة لا تثير الانتباه.
التقت «القدس العربي» عددا من الأدباء والمثقفين العرب وسألتهم عن أسباب فشل هذه الندوات، وما هي عوامل نجاحها؟
يشير الشاعر المصري السيد بخيت إلى أن الندوات الثقافية لا تحظى باهتمام الكثيرين لأسباب عديدة من بينها أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة في الوطن العربي لا تشجع على الاهتمام بالموضوعات العامة، فالظروف الاقتصادية طاحنة وتجعل من البحث عن لقمة العيش أهم من حضور ندوة، وتهميش دور المواطن سياسيا يجعل له من الأجدى أن يبحث عن هم خاص وليس شأنا ثقافيا ينشغل به».
ويضيف: «ثمة ظروف متعلقة بالمناخ الثقافي العام الذي لا يتوافر لديه شيء جدي وحقيقي ونابع من هموم واهتمامات وتراث وثقافة العرب، ومن ثم فهو تقليدي ومقلد ومقتد بالآخرين، ناهيك عن أن الثقافة أصبحت وظيفة وليس موهبة أو تطوعا أو مساهمة خاصة تجعل المعنيين بها يأدونها من قبيل المهمة الثقيلة وليس من قبيل نشر المعرفة وخلق مجتمع معرفي عربي، مما لا يجعل لندواتهم صدى».
بينما يذهب القاص الأردني ناصر الريماوي إلى أن المسألة أكثر عمقاً ولا تتعلق فقط بأسلوب المحاضر وقابلية المتلقي كتشكيل ثنائي يحلق بمعزل عن الحركة الثقافية، فالحركة الثقافية بالمجمل تشكو من كسل عام، والمشهد الثقافي أيضاً غدا معها شبه باهت وغير مشجع بعد أن راح يفقد بريقه مع الوقت، لتأتي الندوات والمحاضرات هنا كمحاولات مهمة وإيجابية للتغلب على حالتي الكسل والتكلس المستشرية في المفاصل الأدبية المختلفة، لكن وبالنظر إلى الحضور كماً ونوعاً، فإن المراقب يصاب بخيبة، فالحضور قليل ويعاني تشتتاً ذهنيا، ما يؤكد وجود إشكالية حقيقية يمكن تلخيصها بعدة نقاط أساسية.
ويوضح: «في حالات معينة نلمس أسباباً مباشرة تساهم في تسرب الملل للمتلقي كسوء التخطيط لمثل تلك الندوات، نتيجة ضلوع أناس غير أكفاء في العملية التنظيمية، وأحيانا يتم طرح موضوعات لا تهم أحدا وليست ذات قيمة لا على الصعيد الفكري ولا على الصعيد الإبداعي، دعوة بعض المدّعين للثقافة والإبداع ممن يعانون شعوراً عميقاً بالاضطهاد والإقصاء ليمارسوا دوراً استعراضيا منفراً أمام المتلقي».
أما التشكيلية الكويتية نادية الدريهم، فتذهب إلى أن الأوساط الثقافية في الوطن العربي بشكل عام تعاني من عدم اهتمام الجمهور العربي بأي نشاطات ثقافية أو علمية، ولا يقتصر الأمر على المحاضرات والندوات، بل يمتد إلى معارض الفنون التشكيلية والأمسيات الموسيقية التي تقيمها فرق عالمية.
وتفسر ذلك: «لو قمنا بالمقارنة بين الوطن العربي والعالم الخارجي نجد أن الجمهور الأوروبي -على سبيل المثال ـ يقوم بدفع مبلغ مالي لدخول صالات العرض الفنية أو لمشاهدة استعراض شعبي أو لحضور ندوة ثقافية، بينما لا يستغل الشعب العربي حضور مثل تلك الأنشطة الثقافية التي غالبا ما تكون مجانية وعامة».
وحول سبب عدم اهتمام الجمهور العربي بالأنشطة الثقافية، تبين دريهم: «ربما يعود لعدة أسباب منها الشعور الكبير بالإحباط الذي يعاني منه الشارع العربي، سواء من ناحية ظروفه السياسية المتقلبة أو تطلعاته لمستوى اقتصادي أفضل، والسعي الدائم لتوفير قوت العيش في ظل تلك الأزمات المتلاحقة، فالإنسان العربي اعتاد الانشغال الدائم بما يحيط به من مشكلات سياسية واقتصادية متأزمة جعلت منه أداة مجردة من الاهتمام بكل ما هو حسي وروحي في زمن غلبت فيه الماديات.
من جهة أخرى نجد تقصيرا واضحا من وسائل الإعلام بالاهتمام بطبقة المثقفين وأنشطتهم المتنوعة ـ بحسب دريهم – على سبيل المثال نجد أن الإعلان عن ندوة ثقافية ينشر بحجم صغير يكاد لا يلاحظ بينما تحتل صفحات الجرائد مواضيع لا تغني ولا تسمن من جوع».
وترى دريهم أن أغلب الندوات تقام بغير الاهتمام عن الإعلان الواضح عن موعد إقامتها أو مكانها، وهناك اعتقاد سائد بين الناس أن تلك الندوات وجدت لطبقة معينة في المجتمع هي خليط من المثقفين والطبقة الراقية وهو اعتقاد لا يشجع على حضور تلك الندوات.
وفي الغالب يغيب عامل الجذب الجماهيري عن تلك الأنشطة والندوات التي يفتقر القائمون عليها إلى الاهتمام بعوامل الجذب والإعلان، وكأن لسان حالهم يقول نحن لا نهتم بحضور العامة وهم بذلك يساهمون بتوسعة الفجوة بين الجمهور وتلك الأنشطة الثقافية.
وحول قضية توقيت الندوة ومساهمتها لجذب الحضور، يقول رئيس نادي القصة اليمنية محمد الغربي عمران:» التوقيت ليس العامل الوحيد في إنجاح أي فعلية ثقافية، إنما الموضوع نفسه والإعلام، فمتى ما كان الموضوع جديداً ويهم الناس ويثير اهتمامهم كان الحضور جيداً، بينما لا يبرز الإعلام بالإعلان عن مكان وزمان إقامة الفعاليات أو نشر ما جاء فيها بعد تنفيذها بطريقة أقرب إلى التحليل».
ويتابع عمران حديثه: «ومن أسباب ملل هذه الندوات، غياب التحديث في أسلوب الإلقاء، وبالتالي يجب على كتاب السرد ابتكار أساليب جديدة في فن الإلقاء وما يصاحبه حتى يكسب ثقة المتلقي وجذبه».
ويضيف: «أضعف تعدد وسائط التواصل نسبة الحضور، فالمتابع تصله المعلومة في يسر عبر الإنترنت القنوات الفضائية والصحف، وبذلك يكون ذلك التطورقد حدث على حساب جمهور الندوات الذين كانوا في الماضي يذهبون إلى مواقع إقامة الندوات».
آيه الخوالدة