مترجمون عرب: هكذا نختار العناوين… وهذه «وصْفَتُنا» لعلاج أمراض الترجمة

حجم الخط
1

القاهرة ـ من أحمد مجدي همام: من يتصوّر أن العصر الذهبي للترجمة عند العرب كان في القرن التاسع الميلادي؟ بالتحديد مع إنشاء دار الحكمة في بغداد، أول مؤسسة عربية تهتم بنقل العلوم والآداب والمعارف من اليونانية والفارسية والسنسكريتية والسريانية وغيرها من اللغات المنتشرة في الأقاليم المجاورة.
مئات السنين مرّت منذ ذلك التاريخ، وتدفّقت حركة الترجمة من اللغات المختلفة إلى العربية، بتباين، بعض الحقب شهدت طفرات، وسنوات أخرى شهدت خمولاً أو فوضى ورداءة.
وفي السنوات الأخيرة، برزت في المشهد الثقافي العربي مجموعة من المترجمين، وشهدت الساحة ما يشبه انتعاشة في الترجمة، خاصة مع دخول لغات بعيدة ومنسية إلى اهتمام المترجم العربي.
عن الترجمة، ومشكلاتها والصعوبات التي تواجهها، عن فنّياتها وكيفية اختيار المترجم للكتاب الذي سيترجمه.. «القدس العربي» تفرد المساحة التالية للحوار مع مجموعة مميزة من المترجمين العرب عن الترجمة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية.

صعوبات في طريق المترجم

معوّقات عديدة تقف في طريق الترجمة والمترجم، أغلبها معوّقات مادية. تقول المترجمة المصرية يارا المصري: « أبرز المعوقات التي يواجهها المترجم العربي، هي العائد المالي الذي قد لا يكافئ أحياناً جهدَ المترجم، أو تحميل المترجم عبء التواصل مع الجهات المعنية للحصول على حقوق الملكية، بالإضافة بالطبع إلى ما يعانيه سوق الكتاب العربي بشكل عام من ضعف التوزيع وسوء الطباعة، وغياب التسويق الجيد للكتاب».
يارا، التي تترجم عن الصينية، ليست الوحيدة من بين المترجمين ممن يشيرون إلى العائق المادي، فالمترجم المصري أحمد صلاح الدين، الذي ينقل عن الروسية، والإنكليزية، يضع خطّاً تحت النقطة نفسها: «هناك العديد من الأشياء التي لا يستطيع المترجم تقريرها بنفسه، منها مثلا تحديد سعر الكلمة، فهي من الأمور التي ربما تكون محددة سلفاً، خاصة في الجهات الرسمية. أما في التعامل مع القطاع الخاص فلا أفهم فعلا المعايير التي تقرر وفقها الجهة سعر الكلمة، أو الصفحة. وهناك بعض المواقف التي يجد فيها المترجم نفسه كأنه في مناقصة تجارية، متعرضاً لحرج بالغ، وكأنه يتسوّل بالمعنى الحرفي للكلمة. هل يؤخذ في الحسبان خبرة المترجم مثلا؟ هل يوضع في الاعتبار خصوصية اللغة المترجم منها وصعوبتها مقابل لغات أخرى، ربما تكون أقل صعوبة؟ من ناحية أخرى، هناك مشكلة طريقة الدفع، فالمترجم المتفرغ يعتمد على دخله من الترجمة في حياته، لكن عليه أن ينتظر حتى ينتهي من الترجمة حتى يحصل على مقابل، ولا توجد أي جهة تتبع طريقة دفع تراعي أن المترجم ربما لا يفعل شيئا يحقق له دخلا خلال فترة الترجمة التي ربما تمتد لشهور طويلة. أما على المستوى الفني والإداري، هناك أخطاء تكرار ترجمة بعض العناوين في أكثر من مكان، ويغيب أحيانا احترام مسألة الملكية الفكرية التي تتعرض للانتهاك كثيراً، إضافة إلى غياب معايير ضبط الجودة، في كل مراحل العمل».

«نوبل» تنقذ اللغات الشرقية

عانت المكتبة العربية لفترات طويلة، شحّاً في المنقول الثقافي من اللغات الشرقية، عوامل كثيرة قادت إلى هذه النتيجة. هل كانت الإمبريالية الغربية رأس الحربة في شيوع اللغات الأوروبية مقارنة باللغات الشرقية؟ يقول المترجم العراقي غسّان حمدان، الذي ينقل عن الفارسية والتركية: «الترجمة من اللغة الفارسية أو اللغات الشرقية تختلف عن اللغات الأوروبية. فإقبال القراء يصب في مصلحة الأدبين الغربي واللاتيني. مثلا معلوماتنا عن الأدب الكوري والإندونيسي ضئيلة جداً. ويبدو أن حل هذه المشكلة هو أن يفوز روائي شرقي بجائزة نوبل كي يهتم قراؤنا بهذه اللغات كما حصل مع التركي أورهان باموق».
المترجمة المصرية يارا المصري، تتفق مع ما ذهب إليه حمدان في تأثير نوبل للآداب، تقول المصري: «جاء فوز الكاتب الصيني مويان بجائزة نوبل للآداب عام 2012 لدفع حركة الترجمة للأمام، وكأي كاتب يفوز بجائزة، فإن القراء يهتمون بالتعرف أكثر على أعماله، وفي حالة مويان فقد أدى ذلك في اعتقادي إلى نوع من الاهتمام النسبي بالترجمة الإبداعية عن اللغة الصينية».
المترجمة الحائزة على عدة جوائز عن بعض ترجماتها من الصينية، تحفّظت على صيغة سؤالنا لها حول تقييمها لحركة الترجمة من الصينية للعربية: «دائماً ما يُوجه سؤال «كيف نرى حركة الترجمة» للمُترجم، ومع أنَّ معرفة هذه الحركة تاريخاً وإنجازاً يجب أن يكون المُترجم من لغة ما مطلعاً عليها بشكلٍ كافٍ، إلا أن السؤال يجب كذلك أن يكون المعني به وفي المقام الأول مؤسسات الترجمة والمؤسسات الثقافية وأقسام الثقافة في الصحف ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة.. فعلى الأقل، لدى المؤسسات الإمكانات والقدرات المادية والبشرية والتقنية للأرشفة والحصر وتوفير «قاعدة بيانات» يمكن الاعتماد عليها في بحث مجال وتاريخ الترجمة عن لغة أو عن عدة لغات. وعلى أي حال، فقد بدأت حركة الترجمة عن اللغة الصينية منذ فترة طويلة، سواء عن اللغة الصينية مباشرة، أو عبر لغات وسيطة، والآن يمكننا القول بثقة إن ثمة حركة ترجمة مُنجزة وظاهرة عن اللغة الصينية بدأها مترجمون أساتذة، كعبد العزيز حمدي، ومحسن فرجاني، وحسانين فهمي».

الإيطالية

اختلال الميزان في الترجمات بين اللغات الشرقية ونظيراتها الأوروبية، لا يعني أن اللغات الغربية تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام لدى الجانب العربي، فلا يمكن بأي حال الإشارة للإسبانية أو الإنكليزية والفرنسية، بالكيفية نفسها التي نشير بها للترجمات عن الإيطالية، وعن ذلك يقول المترجم السوري معاوية عبدالمجيد: «الترجمة من الإيطالية إلى العربية تعاني مصاعب عديدة بسبب عوامل معينة. أهمّ هذه العوامل هي أنّ العرب، إبان يقظتهم على أهمية الترجمة، لم يعيروا انتباها إلى اللغة الإيطالية. وتبرير هذا برأيي أنّ الترجمة لدينا ارتبطت بمفهوم المواكبة والحداثة، وهذا ما جعل الأبصار تتجه إلى لغات كالإنكليزية والفرنسية، إذ أنّ التطور التكنولوجيّ المعرفيّ الذي جاء به القرن العشرون كتبته أقلامٌ إنكليزية وفرنسية أو نشط في المجال الحيويّ لهاتين اللغتين: فرويد وأينشتاين مثلا لا حصرًا. في حين أنّ الطليان كانوا مشغولين بأمور أخرى ويوجهّون أبصارهم هم أيضا إلى الحداثة الآتية من أمريكا وإنكلترا وفرنسا. وهنا أقصد الحداثة بالمعنى المعرفي وليس التاريخي، ماركوني مثلا مخترع الإبراق اللاسلكي كان إيطاليا لكنه أنشأ شركته في بريطانيا. ومن جهة أخرى، لم يعمل الإيطاليون على نشر ثقافتهم في العالم العربي، كما فعل الفرنسيون والبريطانيون، وإذا افترضنا أنّ الاستعمار كان سببا أساسيا في التبشير، فإنّنا ندحض هذه الفرضية بالتذكير أنّ المركز الثقافي الألماني (غوته) ونظيره الإسباني (ثربانتس) يعملان الآن بجهود حثيثة على نشر ثقافة بلديهما عندنا، وترشح عن هذه الجهود نتائج إيجابية تُرفع لها القبّعة فيما يبقى أداء دانتي (المركز الثقافي الإيطالي) متواضعا حتى نكاد لا نسمع عن أخباره شيئا.
وهكذا فإنّ الطرفين، العربي والإيطالي، مسؤولان عن مصاعب التواصل بين هاتين الثقافتين. خصوصًا أنّ الأدب ليس له علاقة بالتطور: أن تقرأ آداب بريطانيا ليل نهار لا يعني أنك قادر على تشكيل برلمان محترم كالبرلمان البريطاني، أو صناعة سيارة مرموقة كالرولز رويز. كما أنّ الأدب الإيطالي لم يفجّر حالات أدبية خارقة كما فعلت أمريكا اللاتينية مؤخرًا وحازت اهتمام العالم بأسره مع أنّها قارّة متأخرة حداثيا مثلنا.
وهذا ما يعرّضنا كمترجمين إلى الحذر في ترجمة أي عبارة قد يجهل القارئ العربي معناها، وخصوصا في الشقّ الأدبي والتاريخيّ. مثلا: إذا وردت عبارة «الثورة الفرنسية» في رواية ما فلا مشكلة لأن الجميع يعرف شيئا عن تلك الثورة الشهيرة. أما إذا وردت كلمة «ألف» فهنا توجد مشكلة، لأنني أشكّ أنّ القارئ العربي يعرف أنّ غاريبالدي وحّد إيطاليا بـ«ألف» مقاتل فقط لا غير. لذا نحن مرغمون دومًا على الشرح وتسليط الضوء هنا وهناك. ناهيك عن ورود أسماء فلاسفة وأدباء إيطاليين قد لا يعرفهم أحد مثل كارلو ميكيلستدر وإيبوليتو نييفو، بينما لا يضطر المترجم عن الإنكليزية إلى التعريف بديكنز أو هربرت سبنسر. لكنّ هذه المصاعب قد تكون في طريقها إلى الحلّ، شيئًا فشيئًا، من خلال سهولة التواصل عبر الإنترنت. كما أنّ دار المتوسط، ومقرّها ميلانو، تعمل على تشكيل كتيبة من المترجمين عن اللغة الإيطالية وعلى نقل ما أمكنها عن التراث الإيطالي.

معايير الاختيار

كيف يختار المترجم العربي أن يشتغل على كتاب دون غيره، لماذا يرتضي أن يضع اسمه على عنوان دون آخر؟ يقول المترجم المغربي شكير نصر الدين، الذي يترجم عن الفرنسية: «هناك سياقان مختلفان، يرتبط كل منهما بالجنس الأدبي وبالإكراهات العملية المتعلقة بالنشر. من جهة أختار النصوص النقدية التي أعتبرها فارقة في النقد الأدبي الجمالي، والفكر الفلسفي، ومن جهة ثانية، أتقبل اقتراح الناشر بخصوص الأعمال الروائية. هناك ما يشبه التوازن، حرية اختيار النصوص الفكرية والتقيد بما يتم اقتراحه، الذي يصادف هواي، إذ حدث واعتذرت عن نصوص ضاربة في الكلاسيكية رغم المغريات المادية، ذلك أني لا أراها تشكل إضافة في مشهد التلقي الروائي». أما المصرية يارا المصري فتفضّل الاختيار وفقاً لذائقتها: «أعتمد في اختياراتي على ما يروق لذائقتي أولاً، وإن لم أتفاعل مع النص لا أترجمه، وأحياناً أتركه بعض الوقت ثم أعود لقراءته مرة أخرى وأترجمه، أمَّا المعيار الثاني فهو أهمية العمل وأهمية الكاتب، وبالطبع حصول الكاتب على جائزة كبيرة يزيد من إقبال المترجمين على ترجمة أعماله، ولكنني لا أترجم لمجرد أن هذا الكاتب حصل على جائزة، ما لم أتواصل نفسياً مع إبداعه وأرى فيه قيمة يجدرُ بنا التعرف عليها». بالنسبة للعراقي غسان حمدان، فإن النجاح النقدي هو المعيار الرئيسي لاختيار كتاب ما لترجمته: «بالتأكيد الكتب التي نالت استحسان النقاد تكون في أولوية خياراتي. لا يكفي أن يكون كتاباً ما وصل إلى عدة طبعات، فبعضها تجاري وضعيف المستوى حتى لو كان أدبياً، لأن هناك كتبا يقبل عليها المراهقون مثلاً وهي ليست فنية. كما أنني أختار الكتب التي تعود إلى رواد الأدب الفارسي والتركي».

الترجمة.. والخيانة

هي مقولة قديمة، ربما بات وجودها من قبيل الدوغما المتوارثة، وهذا ما يشير له المغربي شكير نصر الدين: أعتقد أن العبارة استنفدت مدلولها، تاريخيا، والحق أن الأصل الإيطالي للصيغة يقول إن المترجم خائن، وهي في كل الأحوال استعارة لا يمكن اعتبارها في حَرْفِيَّتِها، قد تكون خيانة إذا ما عمد المترجم عن إصرار وترصد إلى المس بالنص المترجَم، من حذف، وتحريف للمعنى، وغيرها من التصرفات التي تعبر عن نية مبيتة، أما أن ننظر إلى الفرق الموجود بين النص المصدر والنص الهدف باعتبار انتمائهما لثقافتين مختلفتين، فإن الخيانة هنا لا مفر منها بوصفها إقرارا بلا تماهي النصين حد التطابق».
قائمة من المثالب ونقاط الضعف، يوثّقها المترجمون العرب، لتوصيف ترجمة ما بأنها (ترجمة خائنة).. يقول العراقي غسان حمدان: «حين لا يكون المترجم ملماً بالمصطلحات. فأهم مشكلة يواجهها المترجمون الجدد، خاصة خريجي الآداب الأجنبية هي أنهم يعتقدون بقدرتهم على فهم واستنباط اللغة في حين أن الكثير من المفردات لها معان أخرى. المترجم الجيد هو المترجم الذي عاش فترة في البلاد التي يترجم عنها آدابها».
المصرية يارا المصري تعرف (الترجمة الخائنة) من وجهة نظرها: «بالنسبة لي هي التصرف في النص الأصلي والحذف والإضافة غير الضرورية، التي تغير من مغزى النص أو قصد الكاتب، لا بد من احترام أسلوب الكاتب وعمله، وترجمة ما يعنيه وللقارئ الحرية في قراءته وتقبله أو لا».

روشتة لعلاج أمراض الترجمة

يقول المترجم غسان حمدان: «أفضل حل لضبط حركة الترجمة هو تأسيس مركز ترجمة حيث يقوم المركز بترشيد المترجمين والإشراف على أعمالهم ودعمهم مادياً ومعنوياً عن طريق نشر أعمالهم؛ وكما لاحظت يقوم خريجو اللغات بترجمة مقتطفات شعرية لسرعة إنجازها بدلاً من التركيز على كتب مهمة في مجالات النقد والدراسات والفكر. ولكن المشكلة الأهم هي أن أغلب المترجمين الجدد ينساقون إلى سوق الإعلام ومراكز الدراسات وترجمة النصوص السياسية، لضعف السوق الثقافي وعدم وجود ميزانية تدعمه».
يارا المصري تتفق مع ما ذهب إليه حمدان حول ضرورة التنسيق بين جهات الترجمة المختلفة: «تتمثل بعض الحلول للترجمة في التنسيق بين الجهات المسؤولة عن الترجمة في العالم العربي والجهات المسؤولة عن الترجمة في البلدان التي يُترجم عن لغاتها، وتحفيز المترجمين الشباب وتقدير عملية الترجمة وأهميتها كجسور تاريخية تنتقل عليها المعارف والثقافات والعلوم وتجارب الشعوب والمجتمعات».
وفي الاتجاه ذاته يمضي المغربي شكير نصر الدين: «دعم الترجمة مؤسساتيا، بتوفير بنيات وتسطير برامج وتحديد مواعيد بلغة المشاريع: أي أن تكون لنا أهداف واضحة، في آجال محددة، كأن نقول مثلا ينبغي أن تضاهي كل دولة عربية ما تقوم به نظيراتها الغربية في هذا الباب، بالعقلنة ذاتها، والجدية عينها».
ويبدو ان مسألة التنسيق هي الحل الذي يتفق عليه أغلب المترجمين، يقول المصري أحمد صلاح الدين: ولعلاج مشاكل الترجمة، هناك ضرورة ملحة في وجود استراتيجية واضحة وصارمة على مستوى الدولة، بتنسيق كامل بين كل الجهات، بداية من الجامعات والمعاهد التي تعد المترجم، مرورا بالجهات التي تنتج الترجمة، على المستوى الخاص والعام، حتى خروج الكتاب للنور.

مترجمون عرب: هكذا نختار العناوين… وهذه «وصْفَتُنا» لعلاج أمراض الترجمة
بين اللغات الشرقية «المظلومة»… والدعم المادي المحدود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية