«متروبوليس» في عيدها العاشر صارت معلماً سينمائياً لبيروت

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: «حاجة الإنسان للسينما لا تقل أهمية عن حاجته للخبز». قول يشبع الفضول الثقافي والمعرفي الذي لا يتعب العقل من طلبه. أما القول أن «السينما هي الحيلة الأكثر جمالاً في العالم» فهذا تعبير فني صرف يمكنه أن يعطي لهذا الفن بعضاً من القدرات الخارقة التي يتمتع بها. في بيروت، وفي خضم حياة لا تتسم بالاستقرار على المستويات كافة منذ سنة 2005 كان للسينما الجميلة وغير التجارية أن تسلك طريقها للناس عبر جمعية «متروبوليس». حقق المشروع نجاحه بمثابرة حثيثة من قبل مجموعة من المؤمنين به وصار له جمهوره، ليس هذا وحسب، بل وخرج من احتكار العاصمة للثقافة إلى الأطراف. «متروبوليس» في عيدها العاشر، بين 4 و13 تموز/يوليو برنامج واعد وجاذب لمحبي الفن السابع.
مع مؤسسة ومديرة «متروبوليس» هانيا مروة كان هذا الحوار حول الحلم الذي صار راسخاً:
○ هل صدفة عدوان تموز والاهتمام بالأطفال النازحين أدت إلى متروبوليس أم كان الحلم غير مرئي بهذا النوع من السينما المستقلة؟
• تزامنا معاً. الأحلام موجودة لدى كثيرين. أن تتحقق أحلام ثقافية في لبنان فهي بحاجة للجهد والصدفة كذلك. لا تتحقق الأحلام دون محاولات وقرع أبواب. وفي أحيان تكون اللحظة بمواجهتنا وعلينا الاستفادة منها لتحقيق مشروع ما. لا شك أنها ليست الصدفة منفردة، وليس طبيعياً أن تخلو بيروت من صالة سينما كما متروبوليس للفن والتجربة. أن تكون متروبوليس ليس حلمنا وحدنا بل كذلك للمخرجين، المنتجين وكافة العاملين في السينما. خطوتنا ليست من فراغ بل سبقتها تجارب لم تتواصل، منها محاولات ديما الجندي، وغيرها العديد من نوادي السينما. نحن بنينا على تجارب سابقة وبشكل خاص على المهرجانات التي لا تزال حاضرة، وهي مهدت طريقنا، من مهرجان أيام بيروت السينمائية إلى المهرجان الأوروبي، وكذلك مهرجان الفيلم اللبناني. كلها أوجدت جمهوراً وحاجة للاستمرارية تُعبر عنها صالة سينما.
○ عشر سنوات من عمركم كانت صعبة في مسارها اللبناني. هل الأحداث التي تخللت هذه السنوات غيرت في برامجكم؟
• أظننا في لبنان والوطن العربي عموماً ليست لنا قدرة خلق نشاط نعتبره نهائياً. يُخلق النشاط ومن ثم يتطور مع الجمهور والمحيط. من جهتنا أدت الأحداث لأن نغير برمجتنا، والأحداث نفسها جعلتنا نتشبث ببرامج أخرى. بالتكتيك نفسه تعاملنا مع المصاعب. بعضها فرض تبديلاً في المسار، وبعضها الآخر خلق تحدياً للمثابرة مهما كانت النتائج. في مرحلتنا هذه تغيرت البرمجة، ليس في جوهرها بل في أسلوب العرض. إنطلقنا وفي تخيلنا برمجة سينمائية راديكالية مخصصة فقط لما يُعرف بسينما المؤلف. لاحقاً انتبهنا إلى أن مفهوم سينما المؤلف صار أكثر مرونة. اكتشفنا أفلاماً مستقلة ليست في خانة سينما المؤلف، لكنها بعيدة عن المنطق التجاري ولها مكانها بين الجمهور. يمكنني الإشارة إلى أن مفهوم صالات الفن والتجربة في أوروبا دقيق جداً. وأن أفلاما كثيرة في أوروبا تقع تحت هذا العنوان. لكننا نختلف في بيروت ومروحة برامجنا أكثر اتساعاً، وهذا ما فرضه الوقت والتجربة.
○ قلت أن متروبوليس شكّل حاجة للمدينة أو لنقل للبنان كوننا بحجم مدينة فهل خذلكم الجمهور مرة؟
• صحيح، بيروت مدينة صغيرة جداً. نعم بداية توجهنا إلى جمهور المدينة، وسريعاً انتبهنا أن علينا التوجه لكل لبنان خاصة وأننا السينما الوحيدة التي تهتم بهذا النوع من الأفلام. لهذا نحن نعرض في جونية بالتعاون مع صالات أمبير، ننظم برامج سينما «اسباس» في عروض صباحية للأطفال وتلامذة المدارس. ونظمنا العديد من العروض مع مسرح اسطنبولي في صور، ومع جمعيات تقدم عروضاً سينمائية للاجئين الفلسطينيين والسوريين. وتعاونا في برمجة عروض للمدارس الرسمية في النبطية. نعم نستعمل مصطلح مدينة بيروت، إنما انت محقة ونحن نعمل على مستوى لبنان ككل. بخصوص الجمهور لن استعمل تعبير خذلنا، بل أقول هو جمهور يفاجئنا كثيراً. رهاننا كان على علاقة الثقة مع هذا الجمهور الذي نقدم له أفلاماً ليس بالضرورة أن يكون سمع عنها، أو هو في انتظارها. نعم شعر الجمهور أن متروبوليس هي صالته وتبناها، وفي أحيان يأتينا ملبياً دعواتنا دون أن يعرف عنوان الفيلم. وليس لنا سوى الفخر والتقدير لهذه العلاقة. في الأحداث الفظيعة التي شهدتها بيروت كنا نتشاور بيننا لإلغاء عرض ما. لكن المفاجأة أن الجمهور كان يُقبل. ليس لأنه غير معني بما حصل أو يحصل، بل هو نوع من التحدّي. حتى وإن لم يأت الجمهور في نشاط آخر فليس لي القول بأنهم خذلونا. للناس خياراتهم، ونحن ندرك أن برمجتنا مكثفة لحدود الإرهاق. أعتقد أن 90 في المئة من برامجنا تحقق النجاح، وأن يكون النجاح متفاوتاً فهذا طبيعي.
○ هل لمذاق وهوى الجمهور أن يوجه برامجكم؟
• أن تكون البرمجة بناء لهوى الجمهور فهذا تطبيق للمنطق التجاري «الجمهور عايز كده». وهذا المنطق الذي نتحاشاه. نقدم العرض المهم الذي لا ينال حقه في صالات أخرى. على سبيل المثال أهتم بوجود السينما العربية ليس فقط على صعيد المهرجانات، بل كذلك كعرض تجاري. لن نحيد عن تلك البرمجة حتى مع أو عدم تجاوب الجمهور. نراهن أن جمهور الأفلام العربية المميزة سيتكون مع الوقت. في الخطوط العريضة نحن لا نتأثر بهذه النظرية. نتواصل مع الجمهور، نتابع آراءهم عبر فيسبوك، ونسمع أفكارهم من خلال الاتصال.
○ في كافة مهرجاناتكم تولون اليافعين اهتماماً. هل تسعون لبناء جيل عاشق للسينما؟
• نعم. ليس سعياً وحسب، بل أن بعضاً من هؤلاء اليافعين ارتادوا صالتنا برفقة المدرسة قبل عشر سنوات، صاروا يأتون منفردين وصارت لهم اختياراتهم. وبسعادة أسمع بعض الحضور يرددون «يه هيدي صالة ابني». الجمهور ليس بغريب عنا وهو جزء من تجربتنا. ونحن نحتفل برمزية السنوات العشر فقط لأننا صمدنا في أوقات صعبة، وهذا في حد ذاته انجاز.
○ وكأنكم صرتم صالة السفارات التي ترغب بمهرجانات لبلدانها. فهل من شروط لهذه العروض؟
• مطلقاً. نجدها فرصة أن نستقبل سينما كافة البلدان ومن خلال السفارات، مما يتيح لنا الوصول لكافة البلدان. من النادر جداً وجود فيلم من المكسيك، البرازيل أو أي بلد آسيوي، أو حتى من أوروبا الشرقية في الصالات. التعرف إلى تلك السينما القيمة جداً مهم. تعرض السفارات ما تريده ونحن نختار دون أي شروط مطلقاً.
○ وهل من شروط لمن يدعمكم مادياً؟ وهل أنتم مشروع رابح؟
• استقلاليتنا في عدم الخضوع لشروط ممولين. نحن جمعية غير ربحية، والمطلوب أن لا ندخل في خسارة وأن نستمر. حتى اللحظة المعادلة تسير على ما يرام.
○ وماذا عن علاقتكم بالرقابة هل لديكم مشاكل معها؟
• القضية تكمن في أن الرقابة في حد ذاتها مشكلة على قطاع السينما. أفلامنا تمر، إنما فكرة الرقابة في حد ذاتها مشكلة.
○ الاحتفاء بالعشرية من 4 إلى 13 تموز/يوليو ما هو المميز في البرنامج؟
• افتتحنا مشروعنا قبل عشر سنوات في استعادة اسبوع النقاد التابع لمهرجان كان، وحالياً نحتفل بالعشرية ومع كان وبكافة برمجة اسبوع النقاد. من ضيوفنا مخرج فرنسي، ومنتج اسباني لفيلم تمّ تصويره من قبل مخرج اسباني في المغرب. وفي الخامس من الشهر الجاري لقاء حول كتاب ديما الحر، الذي صدر مؤخراً في فرنسا وعنوانه «Melancolie Libanaise» ويتناول السينما اللبنانية بعد الحرب الأهلية، ويشارك في اللقاء الناقد محمد سويد. وفي وقت سابق دعونا الطلاب والشباب كي يقدموا أفلاماً قصيرة أطولها ثلاث دقائق يقولون فيها رأيهم في صالة السينما. تلقينا مجموعة من تلك الأفلام وفي الثامن من تموز/يوليو سيتم عرضها. لجنة تحكيم دولية ستشاهد الأفلام، وتقدم جائزتين الأولى مادية بقيمة 1500 دولار أمريكي من قبل مؤسسة السينما اللبنانية، والثانية دعوة للمشاركة في مهرجان كان، قدمها المكتب السياحي اللبناني في باريس. المخرج الفرنسي جاك أوديار ضيفنا أيضاً بهدف تقديم فيلمه الأول الذي عُرض في اسبوع النقاد سنة 1994 في كان وشكل بداية التعرف إليه. أوديار اليوم نجم عالمي، وفيلمه الأخير ربح السعفة الذهبية في العام الماضي. إلى ضيوف كثر آخرين سيحتفلون معنا.

«متروبوليس» في عيدها العاشر صارت معلماً سينمائياً لبيروت

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية