«متسمعوش لغيري».. كيف ساهم النظام في إطلاق وحش التطرف

حجم الخط
0

في أعقاب حركة 30 تموز/يوليو وما تلاها من رحيل لنظام الإخوان المسلمين والرئيس المعزول محمد مرسي، رفع الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي شعار «الحرب على الإرهاب» واعتبرها أحد أهم الأهداف المنوط به تحقيقها خلال فترة رئاسته وحظي بدعم عالمي على هذا الأساس، خاصة في ظل وضع إقليمي متأجج وتصاعد غير مسبوق للحركات الإسلامية المسلحة في المنطقة، وامتدادها للغرب عبر عدد من العمليات النوعية هناك. إلا أن أحداثاً لاحقة دللت على تفاقم الوضع في القاهرة وسيناء وتصاعد أعمال العنف جعل العديد من دول العالم تخفض من تقييم جمهورية مصر العربية على المستوى الأمني، بل وتنصح بعدم زيارتها. وأخيراً جاء حادث الكنيسة البطرسية في العباسية ليدق ناقوس الخطر ويطرح العديد من التساؤلات التي بدأت بتــقـــيــيم جــدوى الحرب التي ســبـق وأعلـنهــا النــظـام على الحركات الإسلامية المسلحة، مروراً بتـــســاؤل يدور حول إمكانية أن يكون للنظام دوراً في صناعة هذا الإرهاب.
ربما تستوجب الإجابة على هذه الأسئلة الرجوع بالتاريخ قليلا، فأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وهجماته تمثل التاريخ الذهبي للتزاوج بين الأنظمة الاستبدادية ووحش التطرف وبمباركة الأنظمة الغربية، حيث سعت أنظمة عربية عديدة ومنها النظام المصري إلى وصم الحركات المطالبة بـ (التغيير) بـ (الإرهاب)، واستغلال الإرهاب الحقيقي في مواجهة التحولات الديمقراطية إلى الحد الذي وصلت معه في بعض الأحيان إلى التحالف مع تلك الجماعات المتطرفة عبر التوظيف السياسي لها في أوقات أو غض الطرف عن تحركاتها في أوقات أخرى، إلى جانب ابتزاز العالم الحديث بخطر تلك الجماعات الهمجية على حياتهم المدنية المتطورة، وهو ما أشار اليه الباحث الفرنسي جان بيير فيليو في كتابه «من الدولة العميقة إلى الدولة اﻹسلامية» وهو التكتيك الذي ما زالت تتبعه الدولة المصرية في أغلب فترات حكمها.
وكان العام 2011 كان إيذانا ببزوغ جديد لحركات التحرر في وجه الثورات المضادة، وقد بدا وقتها أن المنطقة تحظى بفرصة جديدة وتغيير ديمقراطي فارق، إلا أن سياسات تلت ذلك كانت تصب في مصلحة الثورة المضادة ووحش الإرهاب الطليق، فظهر الاستقطاب الديني على أشده خلال فترة حكم المجلس العسكري الأول وحتى في وجود برلمان شعبي، وبدأت بذور التطرف والتعصب في النمو من جديد بل إن أغلب الجهاديين والمتطرفين المعتقلين تم الإفراج عنهم في تلك الفترة، كما أن تصريحاتهم خلقت وقتها مناخاً ساعد على تأجيج الوضع وخلق عدو لم يكن جديداً، لكنه خفت وتوارى خلال الأيام الأولى للثورة. وهو وضع يشابه ما عبّر عنه السياسي مايكل ريفير في كتابه «تزييف الإرهاب سبيل إلى الديكتاتورية» عندما قال «إن الحكومات المشتبه باشتراكها في اعتداءات سبتمبر، قد أنشأت تقليداً ساخراً ومهيباً، وأبعد من أن يكون فكرة لا مثيل لها هي أقدم خدعة في كتاب يعود إلى العصر الروماني، إذ تنشئ الأعداء التي تحتاج إليهم، وأقرب مثال حديث على ذلك هو مشروع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن لمكافحة وحش الإرهاب».
ظل شبح «العدو» يحوم على القاهرة خلال فترة حكم الرئيس مرسي وبالتوازي كان تجييش الإعلام وصدامات القوى المدنية والإخوان تؤسس نحو المزيد من الانقسام وتؤمّن البيئة المناسبة لنمو العدو وتسمينه أيضاً، وفي أعقاب الإطاحة بالنظام الإخواني تداعت الكثير من القوى المصرية للحشد خلف المجلس العسكري وعلى رأسها وزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي، وظهرت القوى الإسلامية وقتها كجهة واحدة لا تفريق بينها، وذلك على الرغم من الاختلافات الأيديولوجية في ما بينهم وذلك في مقابل القوى المدنية، بدا الأمر وقتها كحرب بين الطرفين واتُخذت العديد من القرارات وقتها والتي بدت استثنائية وإن كان للقضاء حكم فيها، فتلوث القضاء بالسياسة وتداولت الألسن اسماء بعينها مثل قاضي الإعدامات وغيره، بعد أن كانت للقضاء مكانة مستقلة إلى حد ما أسبغتها عليه بعض معاركه السابقة مع النظام، وربما كان الحكم بالإعدام على أكثر من 600 شخص بقضية واحدة وما شابهها من أحكام صادمة دورا في مراجعة البعض وتشكيك البعض الآخر في نزاهة مؤسسات الدولة حتى من غير الإسلاميين.
وبدأ افتقاد الثقة في مؤسسات الدولة يتسرب إلى روح الشباب وتعالت نبرة اللجوء إلى العنف بينهم للدفاع عن استحقاقتهم حسب ما رأوا، وهي الرؤية التي ربما ساهم فيها أيضاً مشهد فض اعتصام رابعة والنهضة ومقتل آلاف المدنيين هناك خلال ساعات قليلة، ثم محاكمة مَن تبقى منهم إلى جانب موجة من المكارثية الخطيرة التي وصمت كل مَن يخالف النظام والهوى الشعبي وقتها بتهمة الإنتماء إلى الإخوان، ومن ثم السعي لتخريب السلام المجتمعي السائد وقتها في اعتقاد النظام. وفي تلك الظروف تلقفت مجموعة من المثقفين دعوة الرئيس السيسي إلى تجديد الخطاب الديني، والذي رأت فيه جموع المتدينين إهانة وحرباً على الإسلام، كما أن الخطاب نفسه لم يتناسب البتة ومجموعة الإجراءات المحافظة التي اتخذها النظام نفسه تجاه مجموعة من الشخصيات والإنتاج الفني والسينمائي، وهو الحال الذي وثق الأمر كثيراً لتوغل الحركات الجهادية المترقبة والمتلهفة لمزيد من المنضمين للوائها، خاصة مع تزايد رصيد الحنق والكره تجاه النظام وتراجع البعض عن التأييد المطلق له كما كان في السابق.
وبين هذا وذاك آلاف من معتقلي «العزا» و«السحور» و«الصدفة» البحتة التي ترميك في طريق أحدهم، فتجعل منك إرهابيا مُحمّلا بمجموعة من التهم التي تصل إلى حد اعتراضك لطريق دبابة أو سرقة مدرعة، والتي قد ترميك في غياهب السجون لسنوات، إن لم يكن بحكم قضائي فبتقنية السجن الاحتياطي، والذي قد يصل إلى سنوات أو ربما محاكمة عسكرية لا رجوع عن أحكامها ولا استئناف عليها حتى وصلت أعداد المعتقلين إلى الستين ألفا أو يزيد، في ظروف غير آدمية وقصص للتعذيب موثقة من جهات دولية وسجون مؤهلة لقتل ساكنيها تشهد عليها استغاثات أهالي المعتقلين وموت بعضهم بانتظار مقابلة ذويهم، خلافاً لقصص الاختفاء القسري التي لم يُبت فيها بعد. وفي موضع آخر على الخريطة المصرية تدخل الحرب على الإرهاب عامها الثالث في منطقة شبه جزيرة سيناء حيث ضربات الطيران لا تفرق بين مدني وإرهابي وحيث التهجير اليومي وقطع للماء والكهرباء شبه دائم، بل وتعتيم تام على كل أخبار المنطقة واعتبارها من الأسرار العسكرية، فيما تتفاخر الجماعات المتطرفة بضرباتها المتتالية للجيش هناك، وفي ظل تنكيل بأهل سيناء وتعسف في منحهم حقوقهم في التملك أو توفير فرص العمل ورفض النظام لسبل التنمية والتعمير تجد تلك الجماعات بيئة خصبة للنمو وأذنا تسمع لترهاتها الأيديولوجية.
ويُكمل الوضع الاقتصادي المتدهور التسلسل المنطقي للأحداث ويزيدها تعقيداً، فالفقراء يزدادون فقراً وقطاع كبير من الطبقة المتوسطة يقاوم الانهيار، ونبرة التذمر والتمرد لا تنفك أن تتعالى. وحيث يعد ضعف الاقتصاد مؤشراً على نمو العنف في المجتمع، وهو ما يؤكده هارولد لاسكي في كتابه «الحرية في الدول الحديثة» في قوله: «حين يبدأ اقتصاد المجتمع في الانكماش، حينئذ تكون الحرية في خطر، فالتقلصات الاقتصادية دائماً تعني الخوف، والخوف يولد الشك باستمرار، وهو ما يجعل أفراد المجتمع أكثر استعداداً للاستماع إلى الأصوات الجديدة، وأنهم في الغالب يطالبون بتغييرات جديدة، وفي هذه الحالة لا تستطيع الدولة الاحتفاظ بسلطتها لذلك تلجا اما إلى القمع الداخلي أو الحرب مع الدول الأخرى». وهو ما لجأت إليه السلطات المصرية عبر غلقها للمجال العام والنهي عن الاستماع لغيرها، كما جاء على لسان الرئيس المصري نفسه حين قال في أحد خطاباته «متسمعوش كلام حد غيري». وهي المقولة التي انعكست على كامل المشهد السياسي حيث تتعالى إجراءات القمع والتنكيل بالمعارضين في ظل سقوط مريع للعملة المحلية، في ما يكتسب التطرف أرضاً جديدة وخطوة نحو تحقيق أهدافه، وليس هناك من مثال خير من الأحداث الأخيرة والتي تشير إلى احتمالية كون الفاعل في جريمة الكنيسة أحد القُصّر المعتقلين سابقاً بتهمة حيازة سلاح، قام القضاء بتبرئته منها لاحقاً، ولكن بعد أن قضى من عمره عامين خلف الأسوار بحجة الحبس الاحتياطي وتعرّضه للتعذيب والتنكيل بالمخالفة لحقوقه القانونية والدستورية.

«متسمعوش لغيري».. كيف ساهم النظام في إطلاق وحش التطرف

أسماء زيدان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية