أنا لم اقتحم مكانا ممنوعا يا سيدي القاضي.. لا جوا ولا بحرا كما يدعي متهمي. كل ما فعلته هو أنني أشفقت على بربوط مسكين مثلي وحاولت إعادته إلى الماء.. تسألني من أين جاءني هذا البربوط؟ الآن، الآن، بعد قليل سأخبرك.. تأكد يا سيدي أنني لم أصطده صحيح أنني لا أعرف أن صيد البرابيط في بحيرة طبرية ممنوع.. غير أنني أريد أن اقول لك أنني لا أتقن فن الصيد وأنه لا توجد لدي لا صنارة ولا شبكة صيد.. بإمكانك أن ترسل مفتشا إلى بيتي ليتأكد من صدق ما أقوله لك.. والله على ما أقوله أمام حضرتك شهيد.
ترفق بي يا سيدي ترفق.. فأنا إنسان بسيط حملت عاصفة النكبة أهلي من قريتهم سيرين ليتشردوا في طول البلاد وعرضها ولأولد لهم في الناصرة البلدة التي أحبها حبي لأمي وأبي.. لا تتأفف يا سيدي إسمعني حتى النهاية فقد تقتنع وتحكم لي بالبراءة. والله العظيم أنني أستحقها، تريدني أن اكون واضحا ومباشرا؟ طيب.. طيب سأكون كما تريد.. وسوف أجيب عن أسئلتك كلها.. ابتدأت حكايتي مع هذا البربوط التعيس عندما كنت ذات يوم صاف أستلقي على رمال شاطئ البحيرة. لا أخفي عليك أنني كنت لحظتها أسترق النظر إلى صياد بدا لي أنه من أبناء عمنا، إخواننا أبناء سارة. أذكر لحظتها أنني حاولت إخفاء استراقي النظر إليه، خشية أن يُلبسني تهمة أدخل إليها ولا أطلع منها أبد الآبدين.. غير أن ما حدث أشعرني بأنه هو أيضا كان يسترق النظر إليّ.. فقد قال توجهه نحوي واقترابه مني وتقديمه بربوطه إنه فعل مثلما فعلت واسترق النظر مثلما استرقت. تناولت البربوط الحافل بالحياة من يده وأنا أرقب ابتسامته الماكرة. ليتني تمعنت في تلك النظرة، نظرة شايلوك، جيدا، لما كان أصابني ما أصابني ولما كنت وقفت هنا في هذه القاعة المتكهربة أنتظر عدلك في قضية كان الأحرى بي أن أقف فيها متهما، بالكسر، لا متهما، بالفتح، علامة النصب بلغتنا العربية. لا أطيل عليك يا سيدي أعرف أن وقتك يختلف عن وقتي كثيرا، فأنت مشغول على طول وأنا لا شغلة ولا عملة يفتح الله. صدقني لولا هذه القضية لكنت الآن مسترخيا على الشاطئ ذاته. بلا طول سيرة حملت البربوط واندفعت فيه باتجاه سيارتي المهشمة، أردت أن أفر به تجاه بلدتي قبل أن يتراجع الخواجا عن إهدائه لي. لم اكن أعرف لماذا فعلت ما فعلته ربما لأنه كان أول بربوط يقع بيدي الجائعتين. تريد أن اختصر يا سيدي؟ طيب أمرك سأختصر.
نظرت في عيني البربوط إلى جانبي في السيارة فرأيت فيهما خوفا ووجلا لا يعرفهما أحد مثلما أعرفهما أنا ابن النكبة التائه في مسالكها. مددت إليه يدي أريد أن أطمئنه إلى أنني سأكون صديقا له لما بيننا من أوجه تشابه.. عندها حرك المسكين زعانفه متألما.. قلت له لا تقلق يا صغيري لا تقلق. الآن سأحل لك مشكلتك فقد يرأف بي العالم ويعيدني إلى قريتي. بدا الكائن المسكين كمن لم يفهم شيئا وإن كنت أحسست في أعماقي بأنه فهمني.. تفهمه هذا دفعني لأن أرسل النظر في ذلك الخلاء البحري. رأيت هناك تنكة كاد يأكلها الصدأ فاندفعت من سيارتي باتجاهها عبأتها بالماء فبقي الماء فيها لم تكن مثقوبة.. الحمد لله حملت التنكة وعدت راكضا إلى بربوطي الخائف. نظرت في عينيه كان خوفه يكبر.. طمأنته بإشارة من يدي فالمسكين لا يظلم أخاه المسكين. ورفعته من موقعه على الكرسي الأمامي القريب مني.. رفعته برقة نشدتها طوال أيام حياتي، لا سيما بعد أن طردتني زوجتي شر طردة من بيتي، لأعيش وحيدا، في مكان قصي عن بيتي. ووضعته في الماء.. آخ يا سيدي لو كنت معي في تلك اللحظة.. والله العظيم أني شعرت كأني عدت إلى قرية الأهل سيرين.. صحيح إنها التنكة المصدية كانت ضيقة لكن المسكين فتح عينيه وأرسل نظرة غامضة إليّ كأنما هو يريد أن يشكرني.. نعم يا سيدي أراد أن يشكرني.. مثلما أرجو أن أشكرك بعد أن تحكم ببراءتي.. تريدني أن أركز أكثر يا سيدي؟ سأركز بتأمر أمر.. أمرك على راسي.
عندما وصلت إلى بيتي في الناصرة كانت تتقاذفني المشاعر، فماذا أفعل بهذا الزائر العزيز في بيتي؟ بعد عجزي عن إيجاد الإجابة عن هذا السؤال الصعب المحير اتصلت بزوجتي.. آه اتصلت بها صحيح إنها لم تكن تتحمل سماع صوتي إلا انني لم أجد سواها من استشيره في امر بربوطي.. رفعت سماعة التلفون ورويت لها ما حدث من قصقص للسلام عليكم.. وهي تتأفف وتهمس لنفسها الله يطوِّلك يا روح.. وجاء في النهاية وقت السؤال فسألتها عماذا يمكنني أن أفعل بضيفي الحائر الخائف، فنفرت بي كعادتها وقالت لي شو خصني فيك وفي بربوطك إكسر راسه بالشاكوش وكله.. وإذا كنت لا تريده أعطني إياه أنا أكسر رأسه والتهمه.
عندما طرقت زوجتي سماعة التلفون وأغلقته في وجهي، تصورت يدي تهوي بالشاكوش على راس ذلك الكائن المسكين وكأنما هي تهوي على دماغي.. واتخذت قرارا قد لا يتوقعه أحد في عالمنا التعيس هذا، لا سيما من مُهجر ابن مُهجر مثلي. تريد أن تعرف قراري يا سيدي؟ صبرا صبرا سأطلعك عليه في الوقت المناسب.
اتخذت قراري العتيد. وأخذت أفكر في كيفية تنفيذه. بإمكان سيارتي الترنتا أن تحملني من الناصرة إلى طبريا. لكن هل أذهب إلى هناك وحيدا؟ لا سيما وأن الليل ابتدأ بالهبوط مرخيا سدوله. ومضى الوقت ثقيلا بطيئا كما مر على شاعر عربي قديم يدعى النابغة الذبياني. هل تعرف النابغة الذبياني يا سيدي؟ أغمضت عيني قليلا فخطرت لي خاطرة جهنمية. لأتصل بزوجتي فهي تحب البحر وعلى استعداد أن تقتل أباها مقابل أن ترى ضوء القمر وهو يتراقص على سطح مياه البحيرة. عندها قتلت كل تردد، ما أقسى كلمة قتلت هذه، وطلبت منها بأدب جم أن ترافقني لنعيد البربوط المسكين إلى مياهه هناك في بحيرته.
لم تمض سوى دقائق وسمعتها، زوجتي، تناديني من الشارع فهي لا تدخل بيتي لتراكم القاذورات فيه. حملت نفسي وانطلقت باتجاهها. ركبنا سيارتنا بعد أن وضعنا ضيفنا المغادر في تنكته على المقعد الخلفي لسيارتنا، وانطلقنا باتجاه طبريا.
اوقفنا سيارتنا هناك على الشاطئ. تمعنت في كل الاتجاهات كان الجو صافيا ومغريا بالتقدم. تجاهلت لافتة منصوبة هناك على سياج بِلمعْ لمعْ. تقول إن الدخول إلى هذا الشاطئ ممنوع. لفتت تلك اللافتة نظر زوجتي فسارعت إلى تحذيري من الدخول إلى الشاطئ. إلا انني لم انصع لطلبها. اعتقدت أن الأمر لا يحتاج إلا للحظات معدودات. غير أن ما حدث كان مخالفا لكل توقعاتي. فما أن دفعت البربوط إلى الماء حتى ظهرت سيارة لا أعرف من أين طلعت ونزل منها رجلان يشهران السلاح بوجهي.. بلا طول سيرة التقط الاثنان العشرات من الصور لي ولسيارتي. وسجلا تفاصيلي كاملة، وأخبراني أنني خالفت أمرين هما الدخول إلى شاطئ ممنوع الدخول اليه واصطياد بربوط.. وأوضحا لي قائلين إنني سأدفع مقابل مخالفتي هاتين في المحكمة.. وها أنذا أمثل أمام حضرتكم متوقعا الحكم لي بالبراءة.. فأنا لم اصطد ذلك البربوط وكل ما أردته هو أن أعيده إلى مائه لعل الله يرأف بي ويعيدني إلى قريتي.
ماذا؟..ماذا تقول يا سيدي القاضي.. مذنب؟ أنا مذنب؟ تقول هذا رغم كل ما قلته لك؟ صدقني يا سيدي.. الخواجا هو من اصطاد ذلك البربوط وليس أنا.. هو من اصطاده ولست أنا.. كل ما أردته هو أن أعيد البربوط إلى مائه بعد أن اصطاده الخواجا.
٭ كاتب فلسطيني
ناجي ظاهر