متى سنطالب الغرب بالاعتراف بجرائم حقبة الاستعمار؟

حجم الخط
10

صادق البرلمان الألماني منذ أيام على قرار يعتبر مجازر الأرمن إبان الدولة العثمانية جرائم ضد الإنسانية والإبادة، وانتفض الرئيس التركي طيب رجب أردوغان، لكن التساؤل يبقى هو لماذا لا تصادق برلمانات العالم العربي على قرارات تعتبر فيها الاستعمار الأوروبي الذي عانت منه وما رافقه من جرائم بمثابة جرائم ضد الإنسانية، وفي بعض الأحيان بالإبادة؟
ولا يعتبر البرلمان الألماني الأول من نوعه الذي يتبنى قرارا حول إبادة الأرمن والمجازر التي تعرض لها الأرمنيون سنتي 1915 و1916 بل سبقه عدد من البرلمانات، وبطبيعة الحال كلها من الغرب مثل فرنسا والولايات المتحدة وبلجيكا، بل حتى من أمريكا اللاتينية مثل حالة الأوروغواي. وهناك اختلاف حول عدد القتلى وتسمية هذا النوع من الجرائم، لكن هناك معطى لا يمكن للتاريخ القفز عليه وهو تعرض مئات الآلاف من الأرمن لعمليات قتل جماعية خلال ترحيلهم من شرق الأناضول إلى مناطق أخرى ومنها نحو سوريا. وتعترف تركيا بوقوع هذه الجريمة ومقتل 300 ألف أرميني، ولكنها في المقابل ترفض إعطاءها وصف إبادة متعمدة والقتل الممنهج، بل تدعي أن مسلمين لقوا حتفهم إبان عملية الترحيل وليس فقط المسيحيين الأرمن. في الوقت ذاته، تتحدث عن الإنصاف التاريخي من خلال محاكمة المسؤولين عن هذه الجريمة في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين.
ولا يمكن الاختلاف بأن ما تعرض له الأرمن يعتبر من أكبر الجرائم في التاريخ الحديث، ولا يمكن لأي قانون تركي إخفاء الحقيقة، وهو القانون 301 من العقوبات الخاصة «إهانة القومية التركية». لكن التساؤل الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لا تأخذ الدول العربية أو بالأحرى شعوبها وكذلك الأفريقية المبادرة لمطالبة الدول الاستعمارية الغربية بالاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها. وهذا التساؤل لا يصدر عن رد فعل، بل عن إنصاف تاريخي لما تعرض له العالم العربي وكذلك باقي الشعوب، ويجب أن يكون نتيجة حوار هادئ ولكنه حازم. وابتداء من القرن الثامن عشر، تعرض عدد من مناطق العالم إلى استعمار غربي، وأساسا الفرنسي والبريطاني وثانويا مثل البلجيكي والهولندي والإيطالي. والحديث عن الاستعمار هو الحديث عن عمليات الغزو والقتل والتشريد، ومحاولة تغيير هويات الآخرين. ويعتبر ما أقدم عليه البريطانيون في الهند جريمة بكل المقاييس في مواجهة حركات التحرر، كما أن ما أقدمت عليه فرنسا من غزو لشمال أفريقيا يعتبر جريمة ضد الإنسانية تصل في بعض الأحيان الى مستوى الإبادة، على الأقل المعنوية والهوياتية، من خلال رغبتها في جعل الجزائر امتدادا حقيقيا لفرنسا. في الوقت ذاته، ما اقترفته إيطاليا في ليبيا، وما اقترفته إسبانيا في شمال المغرب من استعمال الغازات السامة ضد الثوار، يعتبر جريمة ضد الإنسان. ويمكن العثور على عشرات الأمثلة من الدول الأفريقية والآسيوية التي تبرهن على وحشية الاستعمار. ومن أبشع جرائم التاريخ ما حدث وسط القارة السمراء ما بين سنتي 1885 و1908 عندما استولى ملك بلجيكا ليوبولد الثاني على مناطق من الكونغو واستغل خيراتها وتسبب في قتل قرابة عشرة ملايين أفريقي بشكل مباشر أو غير مباشر. الرقم غير مبالغ فيه، فهو الرقم الذي يجمع عليه الكثير من المؤرخين.
ونأخذ مثالا من كتاب المؤرخ مصطفى المرون حول الغازات السامة التي استعملتها إسبانيا في شمال المغرب «التاريخ السري للحرب الكيماوية في المغرب»، يقول في مقدمة الكتاب، المؤرخ البريطاني سيباستيان بالفور، عن دور سياسي يعتبر مقدسا في الغرب وهو ونستون تشرتشل، حيث لم يتردد سنة 1920عندما كان يشغل منصب سكرتير الدولة للدفاع والجو في الحكومة البريطانية بالقول حول استعمال الغازات السامة: «أنا موافق تماما على استعمال الغازات السامة ضد القبائل غير المتحضرة»، وذلك في قصف الجيش البريطاني لبعض المناطق الأفريقية والعربية وأفغانستان. كيف يجب أن نحاكم تشرتشل من زاوية الشعوب التي تعرضت للقصف؟
والأخطر أنه أمام جرائم الاستعمار، نجد من يدافع عن دور الاستعمار في التاريخ ومن هؤلاء رئيس فرنسا السابق نيكولا ساركوزي الذي أراد إصدار قانون يجرم كل من يتحدث بالسوء عن مجازر الاستعمار الفرنسي.
وحاولت بعض الأنظمة التحرك للمطالبة بالاعتراف بهذه الجرائم، ومن ضمن المبادرين الرئيس الليبي معمر القذافي، الذي طالب إيطاليا بالاعتراف بجرائمها والتعويض. وتصر الجزائر على بلورة خطاب سياسي يطالب فرنسا بالاعتراف بجرائمها. ويوجد هذا التحرك في المغرب على مستوى المجتمع المدني وليس النظام المغربي الذي يتجنب الحديث عن جرائم فرنسا وإسبانيا.
لكن التجربة أبانت عن أن كل مطالبة بالتعويض عن الاستعمار تخضع للتوظيف السياسي من طرف أنظمة فاقدة للديمقراطية، لن تنتهي الى نتيجة مرضية، بل فقط الى تعقيد المشكل أكثر. المطالبة بالتعويض عن الاستعمار ومطالبة الدول الغربية الاعتراف بجرائمها إبان حقبة الكولونيالية يجب أن يكون مبادرة أنظمة ديمقراطية وشعوب حرة.
وهذا ما يتبلور الآن في أمريكا اللاتينية، فرغم مرور قرنين على جلاء الاستعمار الإسباني والبرتغالي، يبلور المفكرون وسياسيون ديمقراطيون مطالب التعويض عن فترات استغلال خيرات المنطقة. مطالب جنينية لكنها تأخذ بعدا مهما، بينما العالم العربي والأفريقي الذي تخلص من الاستعمار منذ عقود قليلة غير قادر على بلورة خطاب ينص على الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الغربي.

٭ كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

متى سنطالب الغرب بالاعتراف بجرائم حقبة الاستعمار؟

د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية