طرابلس (شمال لبنان) – نهلا المنير: بدا محمود متوتراً، وهو يركض إلى المحطة، متأبطاً محفظة سوداء رثة كثيابه التي بدا عليها القدم. ليستقل باص الساعة السادسة صباحاً إلى بيروت. حين التقيته لفتني ما تمتم به وهو يشتري تذكرة الباص، قال: «لحقنا حالنا هالمرة، الله يفرجها علينا ونخلص من هالجامعة على خير».
ما إن صعدنا إلى الحافلة وجلسنا في مقعدين متقاربين وانطلقت الحافلة، حتى أخرج محمود كراساً وبدأ القراءة. أدركت حينها أنه طالب في إحدى جامعات بيروت، ودفعني فضولي، إلى معرفة أسباب توتره الشديد والإحباط الذي كان بادياً على وجهه، فبادرت إلى التعرف اليه وسؤاله «هل تدرس في بيروت؟».
وما أن طرحت السؤال حتى أفرغ محمود كل ما في صدره من هموم، التي تبدأ باضطراره إلى الذهاب يومياً إلى العاصمة، لمتابعة تحصيله الجامعي في كلية الزراعة (غير المتوفرة في الشمال)، وهو ابن مزارع فقير من عكار يستيقظ باكراً جداً ليحلب البقرة ويبيع حليبها ليستخدمه كمصروف يومي له في تنقلاته ودراسته. أضف إلى ذلك العذاب اليومي الذي يتكبده في ظل ما تشهده الطرقات من سوء أحوال وانقطاع في موسم الشتاء بسبب تراكم الثلوج في المحافظة البعيدة (شمال لبنان)، ما يضطره للتغيب عن دوامه. ناهيك عن زحمة السير الخانقة التي تعيشها بيروت، الأمر الذي يضطره للتأخر عن مواعيد المحاضرات ويُحرم من بعضها في معظم الأحيان.
لا يتعلق الأمر فقط بمحمود، بل بالآلاف من الشباب الشمالي ومن المناطق الواقعة خارج بيروت الراغبين في متابعة تحصيلهم العلمي في الجامعة اللبنانية، حيث لا توجد فروع للجامعة في تلك المناطق، وهي إن وجدت، ففي المدن الرئيسية في تلك الأقضية، مع نقص كبير في الاختصاصات المحصورة في مركزية بيروت.
وعكار، المنطقة الزراعية التي تفتقر إلى أدنى المقومات الأساسية من مواصلات وبنى تحتية وطرقات وجامعات ومدارس لائقة ومستشفيات وفرص عمل، لا يجد أبناؤها سوى الزواج بهدف الهجرة إلى استراليا أو الانخراط في صفوف الجيش أو العمل في مطاعم وفنادق خدماتية، كفرص لكسب أرزاقهم، لأن الزراعة كاسدة وتعاني التهميش والإهمال. أما الراغبون في العلم، فيكون حالهم كحال محمود، وهم كثر أيضاً.
الطالب محمود سينهي دراسته الجامعية بعد سنة ونصف السنة، أي في نهاية العام 2017، وقد عبر عن حلمه باستكمال دراسته شمالا سواء في البناء الموحد أو من خلال فرع للزراعة في العبدة عكار، يقول: «ان لم يتحقق هذا الحلم على أيامي، فهو امل محق عسى ان يصبح حقيقة لآلاف الشباب العكاري والشمالي من الأجيال القادمة».
والسؤال، للماذا لم يتم الإنتهاء من إنجاز البناء الجامعي الموحد في الشمال، والذي تم إقراره في العام 2001، والذي اعتبره أهل الشمال فسحة ضوء في ظل التهميش الذي تعانيه المنطقة في خطة الإنماء المتوازن؟. سؤال برسم المعنيين بهذا الملف الذي يعتبر أحد المرافق الحيوية المهمشة في لبنان الشمالي.