متى يشفى التونسيون من نفاق فلسطين؟

حجم الخط
16

لا أحد يشك أو يرتاب لحظة في حبهم لها وتفكيرهم فيها وفي محنها ومآسيها. لكن أليس الكثير مما يظهر في تونس من أشكال التأييد الظرفي لفلسطين هو استنساخ فاسد ومغشوش لطقوس تتكرر من دون حس ولا روح؟
انظروا ملياً إلى مواقف السلطة والأحزاب والمنظمات والهيئات المدنية من إضراب الاسرى مثلاً ألا ترون جفاءها وبرودها وفقدانها لأي مظهر أو علامة قد تدل على تخطيها حدود تلك الصيغ النمطية الجوفاء من إدانة واحتجاج وتأييد؟
وتأملوا جيداً ما قاله رئيس مجلس النواب في السابع عشر من الشهر الماضي اي في ذكرى يوم الاسير الفلسطيني عند افتتاح جلسة نيابية رسمية من «اننا نجدد بهذه المناسبة تضامننا مع الاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية ونؤكد مناصرتنا للشعب الفلسطيني الابي في دفاعه عن قضيته العادلة». وقارنوا ذلك بما كان يقوله الرئيس المخلوع بن علي حين كان يمسك يد الزعيم الراحل ياسر عرفات ويرفعها عالياً ويردد باسماً أمام الكاميرا بان فلسطين هي قضيته الشخصية. هل تجدون فرقاً بين المشهدين؟ وهل تبدو لكم لغة البيانات القليلة التي صدرت قبل أيام عن بعض الأحزاب وعن رابطة حقوق الإنسان واتحاد العمال بعيدة أو مختلفة في شيء من ألفاظها وتراكيبها عن تلك التي كانت تصدر زمن الاستبداد دعماً لفلسطين ونصرة لها؟
قطعاً لا . لا شيء يدل على أن هناك اختلافاً جذرياً ولا حتى سطحياً وشكلياً بينهما رغم كل التوسع الملحوظ لهامش التفكير والتعبير الحر في تونس خلال السنوات الست الاخيرة. قد يقول البعض وما المطلوب منهم أكثر من ذلك؟ وهل ان تونس الصغيرة والغارقة في مشاكل لا عد لها ولا حصر تملك شيئاً آخر عدا التعاطف الرمزي والمعنوي مع الفلسطينيين؟ وما الذي باستطاعتها أن تقدم لهم اكثر مما قدمت؟ هل ستحارب أو تفاوض بدلاً عنهم؟ وهل تملك القدرة على فعل شيء أقوى وأكبر؟
والجواب الفوري والقطعي هو ان تونس الصغيرة والمشغولة بهمومها تستطيع ان تفعل المزيد. لكن شرط ان تعتبر فلسطين قطعة اصيلة منها لا جسماً غريباً وهجيناً عنهاً وملفاً خارجياً كباقي الملفات لا قيمة له الا في بعده الرمزي والعاطفي المحدود. وهذا الامر يحتاج منها بالطبع ان تعدل بالاساس رؤيتها لطريقة التعامل مع مسألتين مهمتين وهما المفاضلة بين صوت المبادئ وضغط المصالح. ان عليها ان تحدد بوضوح إلى اي جهة تميل وما اذا كانت مستعدة للتضحية بمصالحها الحيوية والعاجلة حتى تظل منحازة لقيمها ومبادئها. وعليها ان تعرف قبل ذلك ما اذا كان التونسيون الذين يرددون الشعارات والهتافات الصاخبة والحماسية بحياة فلسطين على استعداد لان يتخلوا عن قليل من الاستقرار والرفاه الذي ينعمون به ويتحملوا تبعات اي ضغط قد يصدر عن اي جهة اجنبية تناصر الاسرائيليين وترى في مثل تلك المواقف الثورية تصعيداً غير مقبول ضدها.
لكن ألا يبدو الأمر قاسياً وعلى قدر من التشدد المبالغ به مع بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن فلسطين ويمر بظرف انتقالي صعب وليست له لا الثروة ولا الثقل الديمغرافي أو العسكري الذي يجعله قادراً على الحسم بوضوح وتعديل سياساته مئة وثمانين درجة من دون مراعاة علاقاته وارتباطاته الاقليمية والدولية وأخذ التقلبات الداخلية والخارجية التي تحدث من حوله بعين الاعتبار؟ لماذا نطلب من تونس بالذات ما لا نطلبه من باقي الدول العربية الاكثر وزناً ومالاً وقوةً وتأثيراً منها؟
ان السبب ليس فقط لأن تونس وقفت مع الفلسطينيين في واحدة من أشد محنهم في لبنان واستقبلتهم حين ضاقت بهم الارض مطلع الثمانينات ليختلط دمهم بالدم التونسي في بلدة حمام الشط بعد ان قصفها الطيران الاسرائيلي. وليس فقط لانها لم تتورط مثل معظم الدول العربية في التأثير على القرار الفلسطيني بل تركت لمنظمة التحرير نوعاً من الاستقلالية في ادارة شؤونها واختيار توجهاتها، بل لان الفلسطينيين انفسهم ظلوا يعيشون قصص حب حقيقية مع تونس لم يستطع من عاد منهم بعد اتفاقات اوسلو الى مناطق سيطرة السلطة ان ينساها أو يشطبها من ذاكرته بسهولة. ألم يقل محمود درويش يوماً: «كيف نشفى من حب تونس. لقد رأينا في تونس من الالفة والحنان والسند السمح ما لم نر في أي مكان آخر…». هل كان يبالغ مثل عادة الشعراء؟ ام كان يتحدث عن حقيقة وجدت في وقت وظرف معين قبل ان تنحسر وتتقلص؟
هل يمكن لمشاعر الالفة والحنان والسند التونسي لفلسطين ان تذوب أو ان تتكلس وتتحول في ظرف سنوات قليلة الى نوع من النفاق السياسي والاجتماعي الفج؟ وهل بعدت فلسطين عن التونسيين أم انهم هم الذين ابتعدوا عنها؟
لقد احتكر نظاما بن علي وبورقيبة لوقت طويل مهمة النطق والتعبير عن أي مشاعر نحوها ولم يكن بوسع احد ان يحس بأي انتماء لها خارج التمثلات والقوالب الشعبية والرسمية. اما من حاولوا فعل ذلك والخروج عن الخط (القوميون والاسلاميون) فقد بقيت أصواتهم شبه معزولة وبقوا لعقود يوصفون بالخارجين عن القانون والمناوئين للسلطة. ورغم كل ما أظهره النظامان من عداء شديد لهم ورفض لبرامجهم وافكارهم الا انهما لم يستطعا حتى حين قطعا خطوات مضادة للوجدان الشعبي من قبيل خطاب بورقيبة في أريحا أو فتح مكتب اتصال اسرائيلي في تونس واستقبال الوزير الاسرائيلي سيلفان شالوم في قمة المعلومات ان يفصلا التونسيين كلياً عما كانا يقولان باستمرار إنها قضية العرب والمسلمين الاولى. وما حصل بعد هروب بن علي هو ان فلسطين انحسرت وتقلصت ولم تعد تحضر بالقوة المطلوبة في عقول التونسيين. هل كان الانشغال بترتيب البيت الداخلي هو السبب المباشر ام ان تعمق الازمة في الجارة ليبيا ثم لاحقاً سوريا هو الذي جعل أنظار مئات وآلاف الشباب تتحول عنها لتوجه نحو ما رأته جهاداً مقدساً ضد كفار ومرتدين؟
في كل الاحوال قد يعكس ذلك جزءاً من الصورة ولكن الجزء الآخر هو ان قضية فلسطين ظلت بوجود الاستبداد أو بدونه على ارتباط بصراعات السلطة. والغريب ان تونس التي حاول الاستبداد فصلها عن محيطها الاقليمي عادت في مراحل انتقالها الديمقراطي لنوع من الانعزال المقنع وصار كل ما يشغلها هو الحفاظ على أمنها والبحث عن حل لازماتها المالية. اما ما يحصل في فلسطين وحتى في جوارها القريب فلم يعد يعنيها بشكل كبير ومباشر. والاغرب من ذلك هو انها صارت تنأى بنفسها حتى عن الافراد الذين حاولوا بجهد ذاتي ان يقدموا شكلاً مبتكراً من أشكال الدعم لفلسطين كالشهيد المهندس محمد الزواري.
لقد تلوث حب فلسطين بحسابات الربح والخسارة. ولم يعد ممكناً لاي طرف حاكم او معارض وهو يعلن حبه لفلسطين ان يغفل عن تلك العملية. وربما بدا ذلك للبعض تكتيكاً أو مناورة سياسية. ولكنه باختصار نفاق لفلسطين. شفى الله كل العرب والتونسيين منه!
كاتب وصحافي من تونس

متى يشفى التونسيون من نفاق فلسطين؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية