بغداد «القدس العربي»: لا يمكن الحديث عن تواصل دائم بين الثقافات المتنوعة في البلد الواحد، فعلى الرغم من سعي البعض لأن تتواصل المعارف بين الحقب الزمنية المتلاحقة، غير أن هناك قطيعة معرفية ما تحدث مع كل مرحلة، إن كانت بين أدباء الأجيال السابقة واللاحقة، أو بين مرحلة وعي وأخرى، أو بين فنون قديمة وأخرى حديثة.
الثقافة العراقية؛ من جانبها، مرَّت ببعض الفترات بمراحل من هذه القطيعة، على سبيل المثال سعى النظام العراقي الجمهوري؛ بقيادة عبد الكريم قاسم، إلى أن يحذف أو يهمش كل ما يخص الفنون والآداب في العصور الملكية، ومن ثمَّ سعت المرحلة الجمهورية التالية بقيادة حزب البعث أن تجرَّم أي صلة بزمن قاسم. استمر الفصل بين الحقب العراقية وصولاً إلى مرحلة التغيير واستيلاء أحزاب متعددة خلف حزب البعث المنحل، لتجرم أي انتماء لهذا الحزب أو المناداة به.
وعلى الرغم من هذه المراحل التي مثلت القطيعة المعرفية حسب الأزمنة التي مرَّت على العراق، غير أن هناك علاقة متأصلة لم تكن لتنتهك، وهي علاقة المثقف بالمؤسسة الأكاديمية العراقية، فأغلب التغييرات التي طرأت على الحياة الثقافية ومستجداتها كانت تنطلق من قلب الجامعة العراقية، وعن طريق أكاديميين حاولوا تأصيل مراحلهم الثقافية، فبرز علي الوردي وعلي جواد الطاهر وعناد غزوان وطه باقر وغيرهم الكثير، إلا أن التحولات الجديدة في البنية الثقافية والاجتماعية العراقية أضافت قطيعة جديدة، وهي بين المثقف والأكاديمي، ربما كان هذا بسبب التحولات التي طرأت على الأكاديمية العراقية، رافضة بسببها أي تطور من الممكن أن يطرأ عليها، لتتحول الأكاديمية إلى ما يشبه الغرف المغلقة التي لا يريد الأكاديمي الخروج منها، ولا يرغب المثقف بالاقتراب إليها.
ويمكننا هنا أن نقدم تساؤلاً غالباً ما يطرحه الكثير من المهتمين: هل هناك قطيعة حقيقية بين المثقف والأكاديمية العراقية؟ ما أسباب هذه القطيعة إن كانت موجودة؟ وما السبل لردم الهوة بين الأكاديمي والمثقف؟
أنساق إقطاعية
يحدد الناقد سعيد الجعفر العلاقة بين الأكاديمي والمثقف من خلال نسقين ثقافيين، كونه ينتمي إلى ثقافتين: شرقية وغربية، في النسق الثقافي الغربي ليس هنالك من قطيعة، بل أن كلا من المثقف والأكاديمي يعمل من موقعه وبلا عقد أو ثارات أو غزوات لاحتلال موقع الآخر، أو تعالٍ بسبب الموقع، فالمثقف والأكاديمي لديهم ليس له فضل أو ميزة، فهو إنسان يمارس مهنته، أو لربما هوايته فحسب، مثلما يمارس الكناس والفراش وصانع الأحذية مهنته… ليست الثقافة سلطة لديهم تمارس من خلالها النبوة، وربما الإلوهية، على بقية أفراد المجتمع.. ويطرح الجعفر قول تشومسكي: حين يجلس الفيلسوف أمام الإسكافي فهو لا ينبس ببنت شفة كل فيلسوف في ميدانه. وبناء على هذا نجد مصطلح المثقفين والانتلجنسيا وشغيلة الثقافة تحمل معاني دقيقة ليس كمفردة مثقف الملتبسة أو التي أُريد لها الالتباس لدينا، لتلحق بتحويل الثقافة إلى سلطة حال موضوع المصطلحات والمفهومات وترجمتها وموضوع النحو والانشغال به وموضوع المناهج والعلوم والدين والفلسفة، التي يحتكر البعض كنوزها لنفسه ليتحكم من خلالها بالآخرين.. وبناءً على ذلك فالعلاقة الملتبسة لدينا في الشرق العربي بالذات (الشرق العربي يتضمن بلاد شمال أفريقيا أيضاً) بين المثقف والأكاديمي، وبينهما وبين المجتمع، ترتبط بموضوع استخدام العلم والثقافة كسلطة، فهنا تبرز سلطة وفراعين وأكاسرة وأنبياء وآلهة يخلقها النسق الثقافي المتجذر في العبودية ومتلازمة ستوكهولم وتخلقها الغوغاء بالذات التي تجعل من الأكاديمي والمثقف صنمين، لذا يتعارك المثقف والأكاديمي لاحتلال هذا الموقع أو ذاك. ومن هنا يأتي العداء والقطيعة بينهما. و»أود أن أقول إن سؤالك لم يقصد فيه مصطلح المثقف الذي أعني به شغيلة الثقافة كالشاعر والمصور والموسيقي. بينما المثقف كمفهوم أوسع يشمل الأكاديمي ورجل الدين أيضاً. لذا أضيف أن الصراع هنا يقع بين ثلاثة أقطاب: رجل الدين وشغيلة الثقافة والأكاديميين».
مهيمنات الموروثة
الناقد والمترجم حسن سرحان يؤكد أننا نعيش سياقاً معرفياً يختلف جذرياً عن ذلك الذي أنتج مفهومَ المثقف في القرن التاسع عشر، وصاغ له دوره وحدد له مهامه ورسم له مسؤولياته. مبيناً أن علينا، كحد أدنى لا يثير حفيظة المثقفين، الاعتراف بحقيقة أن المثقف الشمولي الذي ينصّب نفسه مرشداً وينسب لنفسه رسالةً لم يعد له وجود كبير في عالم اليوم. الرقميات المعاصرة والجامعة المفتوحة حدّت كثيراً من هيمنة المثقفين على نسق الوعي الثقافي، الذي ينتمون إليه وقلّصت من حدود سلطتهم في توجيه الرأي العام وألغت (أو كادت) سطوتهم على العقول. مع ذلك، ما زال المثقف اليوم (مثقفنا العراقي، بالخصوص) حريصاً على الإخلاص لبعض قيم ثقافية وتقاليد معرفية تأريخية لا يريد مغادرتها، بل ويحرص على إدامتها وتعزيز حضورها في عقله وسلوكه، منها علاقته بالمؤسسة الأكاديمية.
ويشير سرحان إلى أن القطيعة بين المثقف والأكاديمية العراقية موجودة ولا سبيل لإنكارها وتجاوز حقيقة حضورها التي أكّدها التأريخ ورسَّختها التجربة وصاغت أشكالَها سياقاتٌ معينة حكمتْ (بعضها ما زال فاعلاً إلى اليوم) علاقة المثقف بالمؤسسة الأكاديمية. من وجهة نظر تقنية بحتة تتجاوز حدود السياسة وتتجنب الخوض في مدى ارتباط هذا الطرف أو ذاك بالدولة في العراق وتنفيذ إراداتها وصياغة آيديولوجياتها، فإن السبب الرئيس لهذه القطيعة مردود إلى عدم محاولة الطرفين فهم الاختلاف الوظيفي لكل منهما. ويحدد سرحان أن الجامعة؛ وظيفياً، منتِجةٌ للأفكار من دون أن يتضمن هذا النشاط شرطَ البحث عن الحقيقة، أولاً ومن غير أن يشتمل على إلزام بالتورط في المشهد العام، ثانياً لا بقصد التعالي عليه طبعاً، بل من باب التقيِّد بالحدود والاحترام للضوابط والفهم لمساحة السلطة التي تتمتع بها المؤسسة الأكاديمية. أما المثقف فإنه، وظيفياً، معنيٌ بالدرجة الأولى بتشكيل خطابٍ معرفي ذي أساس آيديولوجي مهمته البحث عن الحقيقة ومشاركتها مع المجموع الذي ينشط داخله. «لن تختفي القطيعة بين المثقف والمؤسسة الأكاديمية ما دام كل طرف يسعى إلى فرض المهيمنات الموروثة لحقل نشاطه على محدِّدات مجال حركة الطرف الآخر متجاهلاً تغيرَّ قواعد اللعبة واختلافَ منطق الزمن.
الارتباط بالسلطة
الأكاديمية العراقية ما هي إلا بناء فوقي، لم يتسن لها إلى الآن أن تكون منتجاً حاصلاً من تفاعل عناصر اجتماعية أو ثقافية؛ حسبما يرى الشاعر عمار المسعودي، مضيفاً أن هذا البناء هو ما أبعدها من أن توجِد مسافةً لفعلها التنويري الذي يُنظرَ منها. حتى مخرجاتها تتحول مع الوقت إلى كائنات وظيفية تنظر إلى الفعل المادي أكثر مما تنظر إلى الفعل الرسالي الذي أنشئتْ المؤسسة الأكاديمية من أجله.
ويبين المسعودي أنه في العراق لم توجد مؤسسة رصينة بمعنى الرصانة، وهذا يعود إلى الأرض المهتزَّة بفعل الاهتزاز السياسي المستمر، مما أفقدها هويتها وما ينسحب منها على غياب الهوية الوطنية التي توجه، المسارات ومنها الأكاديمية تجاه خلق رؤية واضحة متأتية من تراكم فعل مؤسساتي يمكن أن يبلور رؤاه باتجاه الوطن وهويته. ويظن المسعودي أن الحلول تكمن في إيجاد رصانة مؤسساتية وتنسيق عالٍ بين التخطيط السليم وما يترشح منه من أفكار ورؤى تكون قادرة على خلق مساحة انسجام بين المثقف الذي يحلق بأحلامه وسماء هذه المؤسسة التي تحتضن هذا الطيران.
شواهدنا المكررة
يؤكد الناقد صادق الطريحي وجود هذه القطيعة، أو ما يسميها أيضاً خصومة بين المثقف والأكاديمية العراقية، ولكنها قطيعة وخصومة غير معلنة، ولم يجرؤ أحد الطرفين بعد على أن يعلنها على أسماعنا جهاراً، لكنها مما يتداول في الأحاديث الجانبية، وربما تظهر لا شعورياً إلى الواجهة، عبر مزحة ما، أو في حوار ما عقب أمسية ثقافية، وهي قطيعة معاصرة لنا، و«بحسب علمي، إنها لم تكن موجودة خلال سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وذلك لوجود خصومات حول ظواهر أدبية معينة أو خصومات حزبية، ولست أعلم هل هذه القطيعة موجودة في دول عربية أخرى أم لا».
مبيناً أنه لعل من أسباب هذه القطيعة هو شعور المثقف بسعة معرفته، وتداوله للأدب المعاصر، وكثرة الكتب التي قرأها، أو كثرة الكتب التي تحفل بها مكتبته، وإنه يملك من الآراء النقدية أو الانطباعية بالأدباء المعاصرين وغير المعاصرين ما يتفوق به على الأكاديمي، ولكنه لسبب ما- ربما لانشغاله بنشر نصوصه الإبداعية- لا يقول هذه الآراء كتابة، بل يعلنها لنا شفاهاً.
أما الأكاديمي فيشعر بأنه مؤهل أكثر من المثقف بفضل ما درسه من الأدب وتأريخه وفلسفته الفنية والاجتماعية، وبحكم الدرجة العلمية التي حصل عليها، وأنه يمتلك من المناهج العلمية الحديثة، وأدواتها، ورصانتها ما يجعله يستطيع أن يسبر النص الإبداعي، ويجعله طوع الآلة الأكاديمية المتمكنة… وهو أمر لا يحسنه المثقف لإحساسه أن النقد مجرد ذوق يتمتع به من يفهم اللغة ويكثر من القراءة…
و»الحق أقول- كما لمسته بنفسي- إن الأكاديمي يكاد يكون بعيداً بعض البعد عن المثقف، ولنأخذ الشواهد العروضية كمثال على ذلك، فجل هذه الشواهد من الشعر القديم، في الوقت الذي برز في العراق جملة مبدعة من الشعراء الذين يكتبون بطريقة الشطرين أو التفعيلة، وما زلت أتذكر إنني تعرفت للمرة الأولى على الشاعر حافظ جميل من خلال كتاب العروض والقافية لأستاذنا صفاء خلوصي، ويمكننا أن نقول مثل ذلك على الشواهد النحوية أو الأمثلة الامتحانية، وقد حدثني مؤخراً الزميل سعد المرشدي مدرس مادة العروض بكلية الآداب/ جامعة بابل، إنه بصدد إعداد كتاب في العروض نماذجه من الشعر المعاصر فقط.. ولعل في مثل هذا المسعى نستطيع أن نردم الهوة بين المثقف والأكاديمي».
تفتيت الصخرة
أما الناقد جاسم الخالدي، فيشير إلى أن الحديث عن القطيعة بين المثقف والأكاديمية ليست وليدة اليوم، بل تمتد إلى عشرات السنين، ولعل وراءها أسباب كثيرة بعضها يعود إلى الأكاديمية نفسها، وبعضها الآخر يعود إلى المثقف نفسه. فمما يعود إلى الأولى أنها سورت نفسها بمجموعة مفاهيم ونظريات بعيدة عن المجتمع مما خلق قطيعة؛ ليس مع المثقف فحسب، بل مع الناس جميعاً، فضلاً عن ذلك تمترست حول نفسها وخلقت لها عالماً لا تسمح لغير الأكاديمي الولوج إليه. ويضرب الخالدي مثلاً لذلك، وهو المجلات الأكاديمية التي لا تفسح المجال للمثقف للنشر فيها مع وجود استثناءات قليلة مثل مجلة «الكوفة» التي أفسحت المجال أمام غير الأكاديميين للنشر فيها في سابقة جديدة.
فضلاً عن حضور المؤتمرات العلمية، إذ نجد غياباً تاماً للمثقفين فيها. ولعل هناك عاملاً آخر يتمثل بشعور غير مسوغ عند المثقف إزاء العلاقة مع الأكاديمي يعزوها إلى التعالي الذي يلف العلاقة بينهما… من جانبه، يرى المثقف أن الأكاديمية قد همشته وأبعدته عن فعالياتها، لذلك فهو يحاول أن يرد الصاع صاعين، محاولاً أن يوسع من الهوة بينهما، فضلاً عن اتهامه للأكاديمية بأنها لم تحاول الولوج إلى واقع المجتمع والبحث في قضاياه ومعالجة مشاكله، لذلك فهو يعيب على كثير من الرسائل والأطروحات لأنها بقيت حبيسة رفوف المكتبات ولم تحول إلى فعل معرفي يأخذ بيد المجتمع إلى طريق المعرفة والخلاص. وهكذا نجد أن بعضاً من هذه الدوافع هي من نسج المثقف وحده، فلم تضع الأكاديمية ذلك في حسبانها.
لكن ما يمكن أن يقال إن الأكاديمية اليوم أفضل حالاً من ذي قبل، فقد استطاعت بعض الأسماء الأكاديمية في العراق تفتيت تلك الصخرة الصلدة، وأن تصنع كوناً خاصاً بها في المشهد الثقافي في العراق. ولذلك نجد اليوم من المثقفين من استطاع أن يكون جسراً بين الأكاديمية والمثقف، فضلاً عن أن تلك المخاوف من الجانبين بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً. ولعل ذلك يمكن ملاحظته من خلال توجه الأكاديمية للنتاج المعاصر وصار الأدب الذي يكتب اليوم مدار عناية الأكاديمية، الأمر الذي رأب الصدع بينهما.
صفاء ذياب