بيروت ـ «القدس العربي»: تحتفي لوحة الفنان حسن جوني بالحياة لوناً وموضوعاً. ناس لوحاته ناطقون. في لوحة قطاف الزيتون يشّعون حيوية، ورائحة التراب تكاد تلامسنا. لذاكرته البيروتية سجل خاص بألوان زاهية. المدينة بطقسها الحميم، بيوتها القرميد، مقاهيها الهادئة، باعتها المتجولين وصيادي السمك.. هي الأمكنة المعششة في حنايا جوني، خاصة زقاق البلاط. صلته «بالأوضة» التي ولد فيها تشبه حبل سرّة يمده بدفء واطمئنان.
حصان جامح يلتهب بدءاً من رأسه، لوحة تستدعي السؤال. هو الوطن العربي يحترق. تاريخ يعود لـ2011. وكأنه استشراف لحالنا. هو مزج بين الانطباعي والتجريدي، حرفة تميز جوني كريشة، فكرة ولون. في محترفه حب ينبعث من زوايا المكان. بيت يستكين برضى قرب المنارة العتيقة لبيروت، وما يحيطه من شواهق المعمار. مكان يشغله منذ سنة 1979، كتمت سؤالاً راودني «ماذا لو هجم الرأسمال العقاري مستكملاً شطب الذاكرة»؟ خشيت أذية لمشاعر مستضيفي، فليس بسيطاً اقتلاع الأمكنة ومعها الروح.
غنية السيرة الذاتية لحسن جوني. حائز دبلوم الرسم والتصوير من الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة. حائز دبلوم الرسم والتصوير من أكاديمية FUSTER للفنون الجميلة ـ فالنسيا ـ إسبانيا. حائز دكتوراه برتبة شرف في الفنون الجميلة من جامعة مدريد ـ إسبانيا. أقام داخل لبنان 30 معرضاً فردياً، وخارجه 12 معرضاً. ورد اسمه في BENEZIT القاموس العالمي للفنانين التشكيليين.
للحوار مع حسن جوني بحضرة المئات من لوحاته نكهة تمتزج بالشعر، باحتفالية اللون وبالمدى المفتوح على المتوسط. هنا التفاصيل:
■ مؤخراً كنت في معرض جماعي مع الفنانين وجيه نحلة، سمير أبي راشد وريما فرّوخ. ألا يضير الشهرة الواسعة حضوراً جماعياً؟ وأين الأنا؟
□ تتجلّى الأنا مفردة وبوجود الآخرين. الأنا منفردة منتجة، ومع آخرين محرضة على الإنتاج.
■ كيف ترسم مشروعك مع كل صباح؟
□ أرسم مشروعي لأبقى حياً، ولأنتج ما أريد رسمه هذا النهار. أتوقع على الدوام أن يعطيني الله الحياة، لأرسم اليوم قبل بلوغ الليل. على المستوى الزمني دورة الحياة ليل نهار. هكذا يبدأ نهاري بتمني إلهي «ربي اعطني الحياة لهذا النهار لأتمكن من إنجاز ما أحلم به».
■ كيف تتكون لوحتك.. ومضة متكاملة تدخلها تعديلات؟
□ أنا رسّام أهتم بالإنسان وأعتبره محور الكون. فهو من يملك الوعي الشامل لحقيقة حقيقته، وما حوله من حقائق. وأعتبر هذا الكائن لافتاً لنظري دائماً، بدءاً من نفسي، وانطلاقاً منها وعودة إليها. أنظر وأتأمل ما يدور حولي، يمر وقت ولا تعني لي تلك المرئيات شيئاً. أحياناً يمر حدث ما فينبه فيّ إحساساً مبيتاً بداخلي بدون معرفتي. يوقظ هذا الإحساس الذي يصبح وكأنه نجمة في سديم. يكبر ضوؤها بالتدريج حتى تصبح حلماً يمر بمنطقة الوعي، أي إعطاء هذا الحلم مظهراً ـ إذا اعتبرنا أن الحلم جوهراً ـ وأبدأ العمل على هذا المظهر بكافة قدراتي الشعورية والعقلية، إلى أن يصبح إلى حد ما صاحب حياة. وصاحب قدرة على العيش. في المحترف تتم الولادة، وكأن المرسم Maternite. ما بين الرسم واللون تتكون عجينة حلم، وتظهر بالتدريج.
■ قد تصاب المرأة بعقم وتقهره فهل أصيبت ومضات حلمك بعقم في مرحلة ما؟
ـ لم تعرف ريشتي العقم، فأنا سيد مزاجي. لا أسمح بأن أكون عبداً أو خادماً لمزاجي. على الدتوام أتعاطى مع مزاجي بندية. وبما أنني مؤمن بأن العمر بدءاً من الثواني وانتهاء بالسنوات، فلا يمكن أن أرضى لنفسي أن تمر هباء، أو أن تخللها أماكن زمنية ضائعة بانتظار الإيحاء. أنا مُثقل وحامل اعداداً من الأجنة التشكيلية. فأنا ارى الحياة بوعي كامل. أصحاب الأمزجة المتصلبة يصابون بالعقم.. في أمزجتهم لا يمر الحلم ولا العمل، هم فنانو مناسبات.
■ بعد حرب لبنان المُنهكة المحيط العربي يشتعل بدون هوادة. كيف تنعكس تلك المشاهد الدموية على أفكارك، لونك وريشتك؟
□ إنني منهك بتاريخي كإنسان عربي مقيم في هذا المكان من العالم العربي. متعب بتاريخي ومثقل به. أتجرع مرارة وعيي بهذا التاريخ. سنة 1964 التقيت الشاعر نزار قباني في مدريد وكان قائماً بالأعمال في سفارة بلده، وطلب مني مشاهدة الأندلس، وقبل تخرجي بقليل زرتها. وماذا وجدت؟ لو تسأليني ماذا وجدت؟
■ ماذا وجدت؟
□ في خروجي من باب قصر الحمراء توقفت، فاستغربت زوجتي وسألتني ما حلّ بك؟ قلت: أني أتأمل بكيفية خروج العرب من التاريخ. فمن ذاك الباب خرج العرب من التاريخ.
■ في 2011 وبمفهومك واصلنا الخروج من التاريخ رسمت الحصان الجامح المحترق، هل هي وحدة الحال بين الخيل والعرب تاريخياً؟
□ رسمت الحصان لأنه كان رمزاً للفتوحات.. حصان خالد بن الوليد، حصان الإمام علي بن أبي طالب، حصان عمرو بن العاص، حصان عنترة بن شدّاد، حصان وحصان وحصان. وبقدر ما في تاريخ العرب من خيول هناك انكسارات وانتصارات. وكأن هذا الحصان كما أوصلهم للانتصار أوصلهم للانكسار. وبما أن الحصان هو رمز الفتوحات لدى العرب فالشاعر نزار قباني يقول في قصر الحمراء: «وأمية راياتها مرفوعة وجيادها موصولة بجيادي». لهذا اعتبرت هذا الحصان المحترق حصاناً محتجاً على جرّه للانكسار بعدما أوصل العرب للانتصار. أنا وهذا الحصان صنوان، هو محترق، وأنا محترق أكثر منه.
■ في لوحتك حميمية طاغية وتشع حناناً كمثل مباني بيروت قبل طوفان العقار الحديث. هل هي الذاكرة المشبعة بحب المكان؟
□ الأمانة الحقيقية التي حملتها في الحياة هي اعترافي بأنني عشت. وفي العادة يتم العيش بين حدين.. بين الزمان والمكان. هذا زمني، وأمكنتي هي العالم العربي. أعيش على صفيح ساخن بين المتاهات القاتلة. هذه هي جغرافيتي الأرضية والداخلية النفسية كذلك. وهذا لم يؤد لإحباطي، فقد حاولت إنبات وردة في هذه الصحراء، اسمها لوحة.
■ في محترفك لوحات تتلاصق فيها أبنية لبيروت ما قبل السبعينيات وبحب.. هل هو مكانك الأول زقاق البلاط محفور في حناياك؟
□ أؤمن بالتطور العمراني ولا أؤمن بالإلغاء العمراني. شاهدت في باريس، روما ومدريد تهديماً لخلفية البناء القديم ومن ثمّ تقطيعه بالمفهوم الحديث، ويحتفظون بالواجهة. أظنه سلوك كافة المتحضرين في العالم، بتحديث الداخل والحفاظ على ذاكرة الخارج. بلد لا يحتفظ بذاكرة عمرانية، لا يحتفظ بذاكرة بشرية، حضارية، مدنية، ولا حتى ثقافية. ولدت في زقاق البلاط، ولا أنكر أبداً أنني بعد 73 سنة من الحياة، وكلما اشتدّ الألم الداخلي بي، أطلب من سائقي إيصالي إلى هناك، وأن يتركني لأعود بمفردي. أقصد زقاق البلاط لأسترجع ليس ماضيا مضى فقط، بل لأن ما تبقى من عمران يذكرني بزمن جميل عشته. أعود للمكان لأستنهض ذاكرتي في الزمن الجميل الذي عشته وفقدته.
■ هل محا العمران كل ذاكرة المكان؟
□ الغرفة التي ولدت فيها تحولت إلى مصنع لصيانة الثريات. إنما الزوال يأخذها حجراً بعد حجر.
■ كنت جاراً لفيروز في طفولتك ومراهقتك.. ماذا تذكر عن جارتك؟
□ ما بين غرفة ولادتي وتلك التي ولدت فيها السيدة فيروز «زاروب» بعرض متر ونصف المتر. وكلا المكانين آيلين للهدم رغم متانة البناء.
■ أليس حرياً بالدولة اللبنانية تحويل منزل بدايات فيروز لمتحف؟
□ من شدة تعبي من تلك الأحلام المرتدّة، أسأل ماذا سيبقى طالما الضمير زال؟
■ هل كنت تلتقي فيروز في الحي؟
□ كنت ألمحها وقد كنت طفلاً. حين ركبت في سيارة العروس إلى جانب عاصي الرحباني كنت بعمر العشر سنوات. قال الناس حينها إنها فيروز التي تغني. وجود فيروز في حينا كان أكبر من وعيي كطفل. لكنني أذكر أطيافاً لها. في ذاك الزمن شكل السطح متنفساً لمن تحته. يلتقون على القهوة ويجلسون على كراسي منخفضة، وكانت فيروز تنضم احياناً للجمع. أتعجب من كيفية غناء تلك الكائنة الصامتة؟ وكيف تذهل المتلقين؟
■ صمتها العتيق ترك صوراً في ذاكرتك؟
□ فيروز كائنة عاقلة وهادئة. لسيكولوجيا الموهبة اتجاهين: إما إنسان متمرد، وإما إنسان هادئ ومنعزل لشدة إحساسه.
■ ما هي أول أغنية لفيروز تأثرت بها؟
□ «قودي القطيع إلى المراعي»، واسمعها باستمرار. لي مع فيروز موعد صباحي، وترافقني على مدى ساعة. في استحمامي، حلاقة ذقني وفطوري. ارتقب سماعها بشغف. هي تعمل لرش مسكن على الجراح وليس ملحاً.
■ نعود للمحترف لماذا تغلب اللوحات الكبيرة على موجوداته؟
□ أرتاح بالعمل مع اللوحات الكبيرة. وبما أن بابي محترفي متناقضين من حيث السعة. فالمدخل التحتي ضيق لدرجة السماح فقط بلوحة من مترين طول وعرض. في حين أن الباب الثاني يسمح بثلاثة أمتار طولا وعرضاً. اللوحات الكبيرة تتسع لي. كأنني أرغب الإقامة في اللوحة.
■ هل من مزاج أو مشاعر خاصة تأخذك للإنطباعي أو للتجريدي؟
□ هو الانبعاث النفسي في هذه اللحظة أو تلك، أحياناً يتمرد الحلم بعدم الخروج بشكله الظاهري، فيكون بتلك المشهدية التجريدية. أرسم الحلم بتجريديته. اللوحة كائن مؤنث وليست رجلاً. تاء التأنيث رحمة للأرض، شكلها محير، ولا بد منها، والمرأة تشبه التاء المربوطة، يمكنها أن تُفتح لكنها دائماً تنتظر الكائن الذي يخرجها من رمزيتها.
■ كم تحتاج للتاء المربوطة برمزيتها في إبداعك؟
□ تقدم اللوحة نفسها كامرأة. هي كائن قابل للولادة والحوار. وبما أنني كائن مرتبط بالأنثى من والدتي، إلى جدتي الأولى، شقيقتي، زوجتي وابنتي، وهكذا وجدت نفسي مغموراً بالعديد من تاءات التأنيث. وكل منهن ترجمت حنانها بطريقة مختلفة. أعرف تاءات تأنيث تشترك في الشكل، وتختلف في الجوهر.
■ كيف تتعامل مع الحنين الذي يشغل البشر في عمرهم الثالث؟
□ مساء أمس أوصلت لابني الانطباع الذي عشته في الحياة، ومفاده أن العمر برمته صحراء لولا بقع الحنين التي فيه. بقع الحنين هي عبارة عن واحة في صحراء. تمتد منطقة الحنين في حياتي من اليوم الأول الذي دخلت فيه الأكاديمية اللبنانية، انتهاء ببداية الحرب الأهلية سنة 1975. من بيروت استلمتني مدريد كائناً يحسّ ويشعر، ولا يعرف ترجمة احساسه. لا أكتم عنك بأن الحنين اللافح والجميل يسكن بين زقاق البلاط كمنشأ، وبين مدريد كحاضنة لوعي الروحي. بالتفاتة إلى سنوات العمر التي مرّت، فالواحة الجميلة في حياتي تمتد من المنشأ وصولاً لآخر يوم في مدريد. وكلما زرتها أسعى لإقناعها بعدم تغيير الميك أب»، ولأن تبقى أمي الروحية وحبيبتي. مدريد أعطتني الكثير، وفائي لها باستمرار حبي. لكنني غير موافق على التغيرات التي طرأت عليها.
■ هل لا زالت الدهشة تراودك؟
□ إن لم تكن موجودة يجب إيجادها لأقدمها كضيافة لكل كائن يحل عليَ، بشرياً كان أم مكاناً. أحاول أن أدخل معه أو به من باب الدهشة. الدهشة هي مفتاح الفهم البسيكولوجي للآخر. أحتاج جداً للسحر والدهشة. أن توصلني الدهشة لحالة السحر، فأشكرها لأيام. فمن عادة الدهشة أن توصلنا للملكوت، أو إلى أدنى درجات الهاوية. الدهشة هي مفتاح الإبداع.
■ تكتب على باب محترفك من الداخل «تذكر الحياة برق.. الزمن لحظة..العمر لوحة»، ربما هكذا تنتظم الحياة عندك. وما هي شروط عملك؟
□ الانضباط الزمني. أنا في سباق مع عدة حالات، وهذا ما يدعني أرسم قبل وصول الطوفان، أنتظر طوفاناً مغرقاً وحارقاً. هذا الطوفان يأتي إما من الموت المجاني، أو المرضي الذي اتخوف من أن يقعدني عن الفن بشل وعيي أو يدي. أحتاج للفن وهو يحتاجني. هي حاجات ملحة وذات صلات لا تنفصم. أترك عائلتي اثنتي عشرة ساعة يومياً وأبقى لصيقاً بالفن. أبعد من كل ذلك هو الموت، هو ضرب من القتل.
■ هل يشغلك الموت؟
□ بصدق، اللوحة ذات قدرة سحرية، بحيث لا اتذكر اسمي بمواجهتها. فكيف سأذكر الموت؟
■ أنت لصيق بعمق في هذا المكان؟
□ وفيه تتم اعترافاتي. كل بلاطة منه اسميها كرسي اعتراف. هنا أعترف للحياة بما أضمره لها. وهنا استقبل من هو جزء من حياتي في المكان. وهنا أسمع ما يجعلني أغيب داخل نفسي، وبعودتي آتي بهداياه. هو مكان شاهد على أحزاني المتواصلة في بعض الأحيان.
■ من يرافقك خلال الرسم؟
□ الموسيقى. يبدأ يومي العملاني في المرسم مع القرآن الكريم بأصوات الشيخ محمد رفعت، الطبلاوي، مصطفى اسماعيل وعبد الباسط عبد الصمد. أسمع صورة الرحمن، آل عمران ومريم. أسمعها أحياناً لقارئين على التوالي، وأقارن متعة بين القراءتين. بعدها أسمع الاوبرا، ومن ثم السيمفوني.
زهرة مرعي