إسطنبول ـ «القدس العربي»: انطلاقاً من أن المصالح وليس المبادئ هي من تحكم العلاقات بين الدول في هذا العصر، وفي ظل انعدام ثقة تركيا بأمريكا وأوروبا، تبدو روسيا الخيار الأول لتركيا في هذه الفترة الحساسة التي تمر بها البلاد لتحقيق العديد من الأهداف الداخلية والخارجية خلال المرحلة المقبلة، يقول كاتب تركي.
هذه الكلمات تتوافق إلى حد كبير مع التصريحات الصادرة عن الجانبين الروسي والتركي، خلال الأيام الماضية التي شهدت لقاء هاماً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، وذلك تتويجاً لاتفاق إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين والتي تدهورت عقب إسقاط طائرات حربية تركية مقاتلة روسية نهاية العام الماضي الأمر الذي أدى إلى تراجع العلاقات بينهما إلى مستوى غير مسبوق.
المصالح المشتركة وعلى الرغم من كونها متعددة ومتشابكة يمكن تصنفيها إلى ثلاثة أقسام تتمثل في: «المشاريع الإستراتيجية» المتعلقة بالغاز الطبيعي والطاقة النووية، و»الأزمة السورية» ومحاولة التعاون لحماية مصالح البلدين، و»الضغط على الغرب» وهو القاسم المشترك الذي بات يجمع أنقرة وموسكو أكثر من أي وقت مضى.
المشاريع الإستراتيجية
تدهور العلاقات بين البلدين أدى إلى تراجع غير مسبوق في مستوى التبادل التجاري بينهما، وإلى إلحاق خسائر فادحة في اقتصاد البلدين، وبينما تلقى قطاع السياحة التركي ضربة قاتلة بعد وقف السياحة الروسية، عانت روسيا بشكل غير مسبوق من نقص الخضار والفواكه التي كانت تستوردها من تركيا.
وعلى الرغم من اتفاق الجانبين على إعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية إلى ما كانت عليه قبل تدهور العلاقات، والعمل على رفع مستوى التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار سنوياً، إلا أن المشاريع الإستراتيجية بين البلدين تبدو الأهم من ذلك، وهو ما أخذ حيزاً كبيراً من مباحثات الزعيمين في روسيا، الثلاثاء الماضي.
ففي ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الروسي نتيجة العقوبات الغربية وتراجع أسعار النفط، تولي موسكو أهمية بالغة لمشروع نقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر تركيا «مشروع السيل التركي»، وهو المشروع الذي توقف مع تدهور العلاقات مع أنقرة.
وقال أردوغان انه يريد الآن أن ينفذ مشروع تركستريم «بالسرعة الممكنة» بينما قال بوتين إن العمل في المشروع قد يبدأ «في المستقبل القريب»، ولاحقاً حدّدت الحكومة الروسية، النصف الثاني من عام 2019 موعدًا للبدء بالمشروع الذي جاءت فكرته عقب إلغاء مشروع خط أنابيب «السيل الجنوبي» أو «ساوث ستريم»، الذي كان ينبغي أن يمر تحت البحر الأسود وعبر بلغاريا لتوريد الغاز إلى جمهوريات البـــلقــان والمجر والنمسا وإيطاليا، وتم التــخــلي عن المشروع بسبب الخـــلاف الاتحاد الأوروبي.
وبالتزامن مع تصاعد التوتر بين روسيا وأوكرانيا، رأى ميشيل كاماردا، نائب مدير برنامج سياسات الطاقة في الجامعة الأوروبية في روسيا، أن «المشروع يحظى بأهمية بالغة من الجانب الروسي». مشيراً إلى أن روسيا تريد الحصول على بديل آخر عن أوكرانيا لنقل غازها إلى أوروبا من أجل احتكار السوق هناك»، وذلك في تصريحات نقلتها وكالة الأناضول.
الأزمة السورية
بعد مرور 5 سنوات على الأزمة السورية، وتجاهل أمريكا والدول الأوروبية لجميع مطالب ومصالح تركيا في هذا الملف، يبدو أن أنقرة قد وصلت إلى قناعة بأن أقصر الطرق للتوصل إلى حل في سوريا يمر من موسكو، لا سيما بعد تدخلها العسكري وتحكمها في مفاتيح الصراع هناك.
فالملف السوري أرهق تركيا الذي استقبلت 3 مليون لاجئ، بشكل كبير جداً، وتسبب للحكومة التركية بمشاكل سياسية داخلية وخارجية وتحديات أمنة عجزت عن مواجهتها في ظل تصاعد هجمات تنظيم الدولة داخل أراضيها وتواصل سقوط الصواريخ وتنقل المقاتلين الأجانب، كل ذلك إلى جانب تمدد مسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تعتبره أنقرة الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني الإرهابي، وترى في توسعه على حدودها «تهديداً لأمنها القومي».
وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قال إن بلاده متفقة مع روسيا بشأن وقف إطلاق النار، والمساعدات الإنسانية، والحل السياسي في سوريا، مؤكدًا على ضرورة بدء مفاوضات جنيف في أسرع وقت ممكن، وكشف أن حكومة بلاده تعمل على إنشاء آلية ثلاثية مع روسيا بخصوص موضوع سوريا.
وأضاف جاويش أوغلو: «فيما يتعلق بالحل السياسي، لابد أن تبدأ مفاوضات جنيف في أسرع وقت ممكن، وفيما يتعلق بوقف إطلاق النار، فإن روسيا لم يكن لها موقف مختلف خلال الاجتماعات السابقة للمجموعة الدولية لدعم سوريا، مؤكداً أن تركيا، مثل جميع دول العالم، تعتبر التطرف في سوريا أمرا خطيرا.
ولفت الوزير إلى أن اللقاءات التي ستعقد بين المسؤولين الأتراك والروس، ستتناول جميع المسائل، ومن بينها كيفية التفريق بين المجموعات المعتدلة والإرهابيين، وكيفية تطبيق وقف إطلاق النار على الأرض. موضحاً أن روسيا طلبت من تركيا، بشكل صريح، معلومات حول الأماكن التي يجب ضربها في سوريا، «ونحن سنشاركها المعلومات المتعلقة بأماكن وجود المدنيين والمعارضة المعتدلة في سوريا».
ودعت تركيا روسيا إلى عمليات مشتركة ضد تنظيم الدولة في سوريا، وقال وزير الخارجية: « لطالما دعونا روسيا إلى تنفيذ عمليات ضد «داعش»…عدونا المشترك الاقتراح ما زال مطروحا»، موضحاً أن وفدا يضم ثلاثة مسؤولين أتراك يمثلون الجيش والاستخبارات والخارجية موجود في روسيا لإجراء مباحثات حول سوريا.
في سياق متصل، تعهدت تركيا لدى استقبال وزير الخارجية الإيراني، الجمعة، بالتعاون مع طهران لإيجاد حل للنزاع في سوريا، رغم الاختلافات الجوهرية في مواقف البلدين حول هذا الملف، وأكدت تركيا «التوافق مع طهران حول وحدة الأراضي السوري»، وهي قضية حساسة تتعلق بمساعي أكراد سوريا لتكوين كيان مستقل لهم شمال البلاد.
وخلال الاجتماع بين أردوغان وبوتين، طلب الجانب التركي من روسيا إغلاق مكتب حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري في موسكو، وتعهدت روسيا بدراسة الطلب في أسرع وقت.
الضغط على أوروبا وأمريكا
على الرغم من أن تركيا تعتبر قوة فاعلة في «الناتو» وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف (حلف شمال الأطلسي) إلا أن تصاعد الخلافات التركية مع أوروبا وأمريكا واتهام أردوغان لهم بدعم محاولة الانقلاب الفاشلة ضده، جعلت من الضغط الغرب هدفاً مشتركاً لروسيا وتركيا أكبر من أي وقت مشى.
وبعد يوم واحد من زيارة أردوغان لروسيا، وفي لغة تصالحية غير مسبوقة، أكدت المتحدثة باسم «الناتو» أن انتماء تركيا إلى الحلف ليس مطروحا للنقاش، وقالت اوانا لونغسكو أن الحلف «يعول على المساهمات المستمرة» لأنقرة «التي يمكنها أن تعول على تضامن ودعم» الحلف.
وتعقيباً على ذلك، قال وزير خارجية أنقرة: «لم ننظر لروسيا يوماً كبديل ولم نعط فرصة للاتحاد الأوروبي ليفرض فيه علينا اختياره أو اختيار روسيا، وذلك في أوج علاقاتنا المميزة معه، كذلك مع حلف شمال الأطلسي «الناتو».. لقد سرنا في علاقات متوازنة مع جميع الأطراف»، مشدداً على أن الغرب لا يحدد مستقبل علاقات تركيا مع روسيا.
وعن تخوفات الناتو من التعاون الدفاعي التركي الروسي، أكد جاويش أوغلو أن «الحلف لم ينفذ القرارات التي اتخذها بخصوص توفير الحماية لتركيا في مواجهة المخاطر التي تتهددها، وخاصة فيما يتعلق بنظام الدفاع الجوي، بل قامت بعض الدول الغربية على رأسها ألمانيا بسحب بطارياتها من تركيا، في هذا الوقت الحرج، كما لا تقدم دول الحلف دعما لتركيا لتمكينها من إنتاج تكنولوجيا الدفاع الجوي بنفسها، وهو ما جعلها مجبرة على اللجوء إلى وسائل أخرى، إذ أن عليها إنشاء نظام دفاع جوي خاص بها، وتطوير التكنولوجيا الخاصة بذلك بالتعاون مع دول أخرى».
إسماعيل جمال