لم تتمكن الدولة العربية من تشييد التحديث المزعوم بتوظيفها لشعارات التنمية، ذلك أن هذه التنمية اقتصرت ثمارها على رجالات الدولة وزبائنها، ولم تشمل القاعدة المجتمعية التي ظلت غارقة في أنهار التخلف والجهل الراكدة والموحلة، إذ لا يمكن للحداثة أن تنمو خارج قاعدة اجتماعية تحقق لها الدفء.
وضع ضيق كهذا لن يؤدي بشباب مجتمعاتنا سوى إلى الانغماس في أتون الدين وممارسة التشدد باسمه، وبناء أبراج الخلاص داخله. إن فشل الدولة السلطوية في تحقيق تنميتها المزعومة كما يقول علي أومليل أنتج نوعين من رد الفعل: الأول ذهب إلى أنه لا تنمية حقيقية بغير تنمية سياسية ديمقراطية أساسها حقوق الإنسان، واعتبرت باطلة الأطروحة التي تقول إنه لابد أولا من تنمية اقتصادية حتى تتحقق الشروط الموضوعية للديمقراطية، وأن النضج الديمقراطي لابد من أن يسبقه نضج اقتصادي. فكانت النتيجة أنَّ حريات الناس وحقوقهم الإنسانية وقعت التضحية بها من أجل تنمية اقتصادية لم تتحقق.
ولذلك لا بد من وضع الأمور في سياقها الصحيح، وهو أن التنمية إنما هي بالناس ومن أجل الناس، فلا يجوز أن يستعمل الناس وسائل من أجل غايات أخرى حتى لو كانت باسم التنمية، ذلك أن الإنسان غاية لا وسيلة. وهناك رد فعل ثان ناتج هو أيضا عن فشل الدولة السلطوية في إنجاز تنميتها المزعومة: وهو رفض الحداثة بما فيها الحداثة السياسية التي أساسها الديمقراطية. هذا هو موقف ما سمي بالإسلام السياسي الذي تمثله «الاصولية». فما دامت التنمية ـ نظريا – هي طريق إلى الحداثة، ومادامت الدولة السلطوية فشلت في تحديث المجتمع، فقد كفر الإسلام السياسي بالتنمية وبالحداثة جميعا. لم يطرح فكر هذا الإسلام السياسي تنمية بديلة، بل فكرا خارج إشكالية التنمية، فكرا خارج إشكالية الإصلاحيين المسلمين الذين دعوا إلى تحديث الإسلام وأسلمة الحداثة، ذلك أن فكر «الاصوليين» دار خارج إشكالية الحداثة. إن التفكير بالتنمية وبالحداثة هو تفكير بالزمان وبالتاريخ، أما فكر الأصوليين فهو فكر لا زماني ولا تاريخي، لأنه تفكير في نص مقدس، تفكير خارج الزمان، لا ينال منه الزمان مهما حدث في تاريخ البشر من تغيرات وأحوال، في حين أن النص لا ينفصل عن قراءته، والقراء زمانية تختلف وتتغير حسب تحول الأحوال واختلاف المصالح وتطور الفكر والتدافع من أجل إثبات النفوذ والذات».
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل الأصولي الحداثة ولا حتى الإصغاء لصوتها الحيوي، ذلك أن منطق الحداثة قائم على التغيير، في حين نجد الأصولي يعطِّل حركة النص ويجمِّد أصوات معانيه المتعددة ويحيطها بأسلاك دوغمائية شائكة، تفرض القراءة الواحدة والمعنى الواحد، الذي يحوِّل النص إلى بركة آسنة راكدة، وبالتالي يظل النص مجمدًّا تحيطه أسوار صلدة تعزله عن الزمان، فتغير أحوال الناس وماجريات الوقائع والأحداث، وتعاقب العصور لا اعتبار لها في نظر الأصولي، ولا يمكن أن نشيد على آثرها قراءات جديدة للنص، بيد أن المعنى ثابت لا يلحقه تغيير، لأن المعنى واحد وأوحد، ومن ثمة فليس هناك حيز للحق في الاختلاف وفي التعددية في المجتمع المدني والسياسي، ما دام الناس يكتفون ويقتنعون بالصور والتشبيهات والاستعارات التي يقدمها لهم الفقهاء حول النص، لوصف وتحديد الحقيقة، وما دامت هناك أفكار وأفعال ومؤسسات تعد بمثابة مصدر اليقين الديني، الذي يشكل صمام الأمان بالنسبة لبعض المفاهيم التي تتخطى الزمان في تحديد مفهوم الحقيقة والواقع حسب تعبير كليرفورد غيردز. ولعل ما يدفع الأصولي من وجهة نظر علي أومليل، إلى رفض الحداثة بما هي تغريب، اختزاله لها في معنيين:
أولا : لأنها تغريب للإسلام إذ يصبح غريبا بين أهله.
ثانيا: لأنها اقتداء بالغرب. فإذا كان الإصلاحيون المسلمون منذ القرن التاسع عشر قد دعوا إلى الاقتداء بما هو صالح نافع للمسلمين من تنظيمات وقيم غربية، فإنهم لم يرفضوا الغرب برمته. فقد قبلوا بمبادئ وتنظيمات مما يدخل في صلب الحداثة السياسية: فدعوا مثلا إلى الديمقراطية بحجة أن الإسلام نفسه أمر بالشورى. أما الاصوليون اليوم فيرفضون الديمقراطية لأنها، في اعتبارهم، شرك بالله في حكمه وشرعه. من هنا نجد رواد التشدد الأصولي، أمثال المودودي وسيد قطب يرفضون المفهوم الديمقراطيّ للسيادة بأن تكون للشعب أو للأمة، يمارسها مباشرة بالاستفتاء أو على نحو غير مباشر بالانتخاب، فالسيادة لله وحده، فالمجلس التشريعي (البرلمان) حرام لأن البشر لا يشرعون لأن الله قد شرع شريعته نهائيا وإلى الأبد.
إن الأصولي إذن يرفض أي إمكانية للحوار والتقابس مع الحضارات الأخرى، والأخطر من ذلك أنه يدعو لضرورة فرض الإسلام ليس بالدعوة فقط، وإنما بالجهاد أيضا، أي بالعنف وإسالة الدماء. يؤدي هذا الانغلاق اللاهوتي الذي يطبع الفكر الإسلامي إلى تشكيل إكليروس ديني مضمر يتحكم بالإسلام ويرفض أي تأويلية مستجدة له، بل يظهر عداوة مقيتة للعلوم الحديثة التي ليس له أدنى دراية بتخصصاتها، ورغم ذلك نجد الشيخ الهمام يفتي في كل المجالات، بدءا من السياسة والاقتصاد وصولا إلى الفن والاستنساخ… ويظهر فهمه على أنه حكم القرآن والإسلام. فالأمر يتعلق بأرثوذكسية عقائدية تؤدي إلى تشكيل سياج سميك حول نفسها، وحول عقيدتها وأفكارها ويقينياتها ومسلّماتها، وتعمل على حصرها وحصر أتباعها في تلك المنطقة المسوَّرة والمسيجة والمغلقة من كل الجهات، الشيء الذي يؤدي إلى الانقطاع والانعزال، السياج الدوغمائي يضع حدودا بين المفكر فيه والمستحيل التفكير فيه، ومن جهة أخرى يؤدي إلى الاعتقاد بامتلاك الحقيقة دون الغير واتخاذ مواقف مسبقة وإصدار أحكام جاهزة تؤدي إلى تكفيره وبالتالي إلى استباحة دمه. لكن أليس كل مجتمع عقائدي يحيط نفسه بسياج رمزي؟ إن الأمر إذن يتعلق بعائق فكري ويتمظهر كما يقول عبد الله العروي في «المعارضة الغبية الجاهلة أو التفنيد الماكر.القول إن الحداثة كانت مروقا، تنطعا، جهالة، ندم عليها أصحابها فلزمت التوبة على القائمين عليها والقائلين بها والداعين إليها. هذا عائق لا سبيل إلى استئصاله، فأمره موكول إلى الحداثة ذاتها، تقهره وإما يتلفها، وإذا كان التلف فكلنا خاسرون».
بالإضافة إلى العوامل المذكورة أعلاه، هناك عامل آخر يحول دون قيام حوار حضاري مع الغرب من شأنه أن يحقق إمكانات الاقتباس والتقابس، ويتجلى في أزمة منظومتنا التعليمية، الراجعة بالدرجة الأولى إلى ألفة المدرس بمحيطه المجتمعي البئيس، إذ لم يتمكن هذا الأخير من القطع مع منظومة القيم البالية الماحقة السائدة في حقله الإجتماعي، بل إنه لا يتوانى في نقلها وتسريبها بوعي أو بدونه إلى محيط المدرسة، لتترسخ من ثمة في أذهان المتعلمين، وكأن المدرِّس أصبح ماكينة في يد المجتمع، تعيد إنتاج قيمه ومعاييره التقليدية البدوية، وتحفظها، بيد أن مستوى التعليم اليوم أو بالأحرى مستوى المدرس، يتأثر بمستوى الثقافة العامة، فمن أهداف التعليم كما سبق وأعلن علي أومليل «تمكين الأذهان والقدرات على الانفتاح على المحيط الخارجي. وهذا المحيط قد اتسع الآن بسعة العالم، نظرا لانفتاح عالم اليوم وتشابكه بفضل تطور تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. إلا أن تعليمنا أصبح يدور حول نفسه فيكرر إنتاج معرفة محلية، نظرا لعدم مسايرته تطور المعرفة في العالم المتقدم. فقد تضاءل احتكاك الجامعات العربية بالجامعات المتطورة، كما أصبح هزيلا أو منعدما اقتناء الدوريات والكتب العلمية، وكل هذا لأسباب مالية، أو إيديولوجية (بدعوى تحصين العقول من الغزو الثقافي الأجنبي). وإذا أضفنا إلى هذا كله تضاؤل – أو انقراض – المعرفة باللغات الأجنبية، فإن النتيجة أن المعارف التي تعطى في المدارس والمعاهد والجامعات معرفة محلية تكرر نفسها ولا تساير مستويات المعرفة المتقدمة في عالم اليوم».
ومن أجل تجاوز كل هذه العوائق لا بد من التسليم بأن التقدم التاريخي يتأسس على قوانين لا يحيد عنها، ويسير في اتجاه واحد، ولا يختلف من جنس لآخر، ما يتيح لكل ثقافة إمكانات استيعابه، كما يتيح للمثقف وللسياسي على السواء الشروط الكفيلة بتقمص دورهما بشكل إيجابي. هذا المسلك هو الذي سيفضي بنا اتجاه التمييز بين «الخصوصية والأصالة، فالأولى حركية متطورة، والثانية سكونية متحجرة ملتفتة إلى الماضي». فلا يمكن ان نختزل الغرب في سياساته الإيديولوجية اللئيمة، ونتخلف بذلك عن استيعاب مكاسبه التاريخية التي بإمكانها وحدها أن تتيح لنا سبل مباشرة العالم والتاريخ بشكل أفضل، مباشرة لن تتأتى لنا دون اقتباس ثقافة الأغيار، لأن النظام العالمي الجديد، كما سبق واشرنا، يفرض علينا ذلك، بعد أن مكنت ذواتنا هؤلاء الأغيار من احتلال مساحات كبرى داخلها، إذ لم يعد الأغيار يقعون خارج الذات، بل إنهم أصبحوا جزءا من الذات.
٭ باحث من المغرب
المهدي مستقيم