مجددا… مياه نبع الوزاني في دائرة الأطماع الإسرائيلية

■ من جديد.. عادت القوات الإسرائيلية إلى إثارة موضوع مياه نبع الوزاني ومجراه في الجنوب اللبناني، والمطالبة بتغيير مسار «الخط الأزرق الأممي» ـ وهو خط للحدود مؤقت ومتحفظ على بعض أجزائه ـ وجعله يمر وسط النبع، بعد أن رسمته قوات الطوارئ الدولية ليكون بعيدا عن النبع ومجراه بمئات الأمتار، حيث تحتل القوات الإسرائيلية أكتاف المرتفع الذي يشرف عليه من الجهة الشمالية، ويمكن للسابح في مياه النبع، أو الجالس في المطعم المقام على حواف النبع، أو مدخن الأركيلة على مصاطب المسابح، مشاهدة الجنود الإسرائيليين وهم يتابعون حركة الناس، ويرصدون ما يفعلون بعيونهم المجردة، وليس بواسطة المناظير المكبرة. وهم ـ أي الجنود ـ لا يكتفون بذلك، بل يتدخلون أحيانا ويشهرون أسلحتهم؛ إذا ما اقترب أحد من الغرف التي تحتوي على محطات ضخ المياه، وبينها محطة تدعي تلك القوات أن مياهها تذهب إلى بلدة الغجر السورية المحتلة منذ عام 1967.
وكانت تلك القوات قد أثارت مشكلة حين اراد لبنان إصلاح ما تهدم، وما تآكل من الغرفة التي تحتوي على مضخة المياه اللبنانية الوحيدة، المقامة منذ ستينات القرن الماضي (بدأ لبنان في تنظيف مجرى النبع بعدما تركت أيام الشتاء الأخيرة تغيرات وتفسخات وانهيال أتربة وحجارة، ولكن تحت إشراف القوات الدولية. أما حين بدأ لبنان بتركيب عدة مضخات بعد التحرير عام 2000، لنقل مياه الشفة إلى القرى اللبنانية القريبة (الوزاني، الميسات، وعين عرب وغيرها) ثم نقل تلك المياه إلى الخزانات التي أقيمت في قرية الوزاني او في بلدة الطيبة، التي تبعد نحو 20 كيلومترا، تمهيدا لتوصيل مياه الشفة إلى القرى في أقضية مرجعيون وحاصبيا وبنت جبيل (نحو 60 قرية)، فإن قعقعة السلاح وهدير الدبابات والمدرعات والطائرات الإسرائيلية أخذ يتوالى حضوره وتهديداته، وبدأ الخبراء الأمريكيون خصوصا الوصول إلى المنطقة، يعاينون ويقيسون ويفحصون ويسجلون، ثم ينصحون لبنان بإيقاف مشروع نقل المياه إلى القرى العطشى!
كان ذلك عام 2002، أي بعد تحرير الجنوب اللبناني بسنتين، إلا أن لبنان أصر على استعمال حقه القانوني في استغلال مياهه التي تنبع وتسير في أراضيه (الحاصباني والوزاني وينابيع أخرى) حيث يسير الحاصباني مسافة نحو 60 كيلومترا من منابعه في غرب جبل الشيخ وحتى الحدود اللبنانية الفلسطينية المحتلة. وكانت ساعات عصيبة حين اقتربت ورش تنفيذ المشروع، خصوصا بمحاذاة الشريط الفاصل بين لبنان وفلسطين المحتلة بالقرب من الحدود الفاصلة بين بلدة كفر كلا اللبنانية، خاصة عند بوابة فاطمة ومستعمرة المطلة في فلسطين المحتلة.
وقد انتهت زوبعة قعقعة السلاح، وعاصفة التهديدات بإنجاز الفرق الفنية اللبنانية أغلب مشاريع جر مياه الشفة إلى أغلب القرى في المنطقة، إلا أن السلطات الإسرائيلية لم تبلع ولم توافق أبدا على المشروع، واستمرت بين الحين والآخر بإثارة ما تسميه حقها في مياه الوزاني والحاصباني، وترسل بين فترة وأخرى بعثات فنية مائية، تراقب وتتابع وتقيس وتفحص مستوى المياه في مجرى النهرين عندما يلتقيان، كما حصل عام 2005، حين ذكرت صحيفة «المستقبل» اللبنانية (26/1/2005) نقلا عن شهود عيان، «إن فريقا إسرائيليا متخصصا بموضوع المياه تفقد صباح اليوم مجرى الوزاني جنوب جسر الغجر، وقام بقياس منسوب المياه في نقطة دخوله الأراضي الفلسطينية وسط حراسة أمنية مشددة، نفذتها دورية عسكرية واكبت نشاط الفريق المؤلف من أربعة عناصر»، ولم يكن هذا الفريق هو الأول أو الأخير في المتابعة والقياس والفحص.

البحر الميت يموت

ما يجدر ذكره هنا أن مياه الحاصباني والوزاني تلتقي بعد دخولها الأراضي الفلسطينية المحتلة بنحو أربعة كيلومترات بمياه أنهار وينابيع عدة، بينها بانياس والقاضي (الدان) ومجرى نهر مرجعيون ـ البريغيت ـ وغيرها، وهذه تمثل عندما تتحد وتسير في سهل الحولة، نهر الأردن الأعلى، الذي يستمر سائرا ليصل إلى بحيرة طبريا، خزان الماء الأهم في فلسطين المحتلة. وبدلا من خروج النهر من البحيرة واتجاهه نحو الشمال والالتقاء ببقايا مياه نهر اليرموك وينابيع أخرى وتوجهه إلى البحر الميت؛ فإن السلطات الإسرائيلية أقامت خزانا واسعا للمياه وسط سهل البطوف، وحــــولت المــــياه إلى مدن وبلدات الساحل الفلسطيني المحتل، وصــــولا إلى صحراء النقب ـ نحو نصف مساحة فلسطين ـ لذا فإن البحر الميــــت بعد حبس المياه من الوصول إليه من الشــمال، أخذ بالانحسار بالمساحة وقلت مياهه، وربما يتعرض للموات، حسب تقديرات بعض الخبراء عام 2050، إذا ما استمرت الأمور على هذا الحال.
لذلك فإن محاولات نجدة وإحياء البحر الميت، ما زالت مستمرة من خلال مشاريع عـــدة، بينها ناقل للمياه من البحر الأبيض المتوسط، أو من خلال ناقل للمياه من البحر الأحمر.. وهذا المشروع الأخير هو المطروح في سوق التداول حاليا.
على كل.. فإن السلطات التي اعتادت على مصادرة مياه نهري الحاصباني والوزاني منذ عام 1978، عندما احتلت شريطا في الجنوب اللبناني ووسعته عام 1982، وسيجت مساحات واسعة تحاذي نبع الوزاني، ومنعت سكان الجنوب من الاستفادة من المياه وحتى من مياه الشفه، ومنعت الرعيان وماشيتهم من الاقتراب من النبع، ولو استطاعت لحرمت الطيور من الاقتراب منه كذلك! وهجرت مئات السكان من المنطقة، ومنعت إقامة أي مشروع فيها. ومن رأى بقايا قرية عين عرب بعد التحرير، أدرك مدى الدمار الذي لحق بالقرية على أيدي القوات الإسرائيلية، إذ أن القرية كانت قاعا صفصفا، ولم يكن فيها حجر على حجر، ولولا عدة شجيرات والجسر الذي من المفترض أن تسير تحته مياه نهر الحاصباني، لكنت من الصعب أن تستدل على أن قرية ما كانت هنا، علما بأن مجرى نهر الحاصباني بين قريتي الماري وعين عرب، لم يكن فيه أي نقطة ماء سنتي 2000 و2001. وهذا الأمر شاهدته بالعين المجردة بعد التحرير عام 2000. كما يمكن الإشارة إلى أن قريتي العباسية والمجيدية لم يكن فيهما أي من سكانهما في السنوات التي سبقت سنة التحرير وما تلا ذلك.
إذن إذا كان لبنان قد استرد قسما من مياهه ووزعها على عدد من قراه وسكانها الذين عانوا الظمأ طيلة سنوات الاحتلال (22 سنة) وحتى ما قبل ذلك، فهل عليهم الاستمرار على تلك الحال في زمن التحرير؟

٭كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية