مجد أشرف فياض ولعنته

دواوين الشعر لا تُقلب صفحاتها بأيدٍ مغلّفة بقفازات بوليسية معقّمة، بحثاً عما بين العبارات من أدلة لإدانه مبدعها، بل تُقارب بعقول مدرّبة على الاهتداء لمواطن تبرعم الفكرة، وقلوب مفتوحة على مهبات الجمال، وهذا ما يفترض أداء فروضه – قرائياً – عند التماس مع نصوص أشرف فياض، فهو لم يدبّر مجموعته الشعرية تحت اسم مستعار ليهزأ بالذات الإلهية، ولا ليحاكي الرموز الدينية بمخلوقات وضعية من عندياته، ولم يكن في باله استفزاز أي سلطة اجتماعية أو استعداء أي نظام سياسي، بمعنى أنه لم يؤلف منشوراً سياسياً ثورياً غامض المصدر، ولم يهاجم مؤسسة دينية في الظلام، بل نشر نصوصه بشكل علني وباسمه الثلاثي: أشرف عبدالساتر فياض، منعاً لأي التباس بشخص آخر، كما أثبت في الصفحة الداخلية عنوان بريده الإلكتروني، وأظهر صورته الشخصية في الغلاف الخلفي.
كل تلك العلنية في استحضار ذاته تعنى أنه كان يكتب في فضاء حر ومكشوف، بلا مواربات ولا مراوغات، ليترك للقارئ فرصة تأمل (التعليمات.. بالداخل)، على اعتبار أن نصوصه هي بمثابة الامتداد العضوي لشخصيته وطريقة تفكيره في الوجود، ولم يكن يتوقع أن تفكيره بهذه النبرة العالية على الملأ ستوقعه في فخ المساءلة إلى درجة إخراجه من الحياة، إذ يبدو أنه عرّض نفسه للشوق مباشرة وأكثر مما ينبغي، خلافاً للتعليمات التي أوصى نفسه بها.
هناك من لم يقتنع بحالات الحصار والتضييق والسجن التي تعرض لها الشاعر والفنان التشكيلي أشرف فياض أول مرة، فقرر لأمر ما تصعيدها إلى حد التصفية الجسدية، حيث تم إصدار حكم الإعدام عليه بسبب مجموعته الشعرية «التعليمات.. بالداخل» الصادرة عن دار الفارابي عام 2007، بسبب ما يقال عن مساسه بالذات الإلهية والعبث بقدسية النص القرآني، وتهديد النظامين الاجتماعي والسياسي، بموجب قراءة تأويلية استخدامية لنصوصه، قراءة منحازة دبّرها من لا علم له بتحليل الخطاب ولا أدوات للتواصل مع النص الشعري، أجل، النص القائم على المجاز والاستعارة والخيال والتناص، وما أن أُعلن عن الحكم الصادم حتى توالت ردود الفعل القانونية والعاطفية والحقوقية والدينية، كما تقدمت إلى واجهة المشهد نصوصه الشعرية الإشكالية على مستوى اللفظ والتأويل والمقاصد.
إن ما حدث لأشرف فياض يفوق مفهوم الرقابة الأدبية لحماية المجتمع، ويتجاوز فكرة الذود عن الدين دفاعاً عن الله، إذ يعني الحكم عليه بالإعدام أن نصوصه التي انتبه إليها الرقيب بعد سبع سنوات من نشرها، تختزن من الآثام والشرور والموبقات ما لا يمكن غفرانه، ليس هذا وحسب، بل أن وجوده على قيد الحياة قد يعرض المجتمع لمخاطر وآفات مدمرة، ولا حاجة لا لاستتابته، ولا لإعادة تأهيله، ولا لسجنه، حتى تحكيم مبدأ الرأفة به لا محل له في هذه المحاكمة، بمعنى أنه، بمنظور الذين لا يريدون أن يرونه حياً، قد تجاوز كل الخطوط، وتخطى كل المحرمات، وذلك عبر كراسة صغيرة أرادها جزءاً من مجده الإبداعي فتحولت إلى لعنة بفعل فاعل، وهو مآل أحسه وتنبأ به في أحد نصوصه «متبوع أنت بكل اللعنات المألوفة عند أساطير القدماء».
تفاصيل نصوصه لا يمكن مقاربتها بشكل مجتزأ، كما لا يمكن فصلها عن منجزه الفني، لأن الاجتزاء أو البتر يعني تفصيم النصوص، وبالتالي قد يؤدي هذا الإجراء إلى تقويلها ما لم تقله، وليس من الإنصاف إعادة تركيبها على واقعه الحياتي اليومي لتلبيسه تهمة الإلحاد والمروق على الدين ومعاداة النظامين الاجتماعي والسياسي، حيث تنم نصوصه عن ذات قلقة محتارة ومثقلة بوابل من الهموم والإخفاقات الحياتية المعبر عنها بقولات شاطحة في الخيال وتصويرا مغالية في الاتكاء على المجازات، لأنها صادرة عن ذات تعاني «متلازمة الوطن.. الحادة»، وهذا هو واقع الذوات المنتزعة من أرضها، حيث تكون مطعونة بالخوف والقلق الوجودي، كما يفسر ذلك القدر هذياناته لتدشين «قوانين الوطن الثلاثة»، فقد حاول استخدام مأساته الشخصية أو نفسه (ورقة ضغط/ ورقة شعر.. ورقة مرحاض/ ورقة كي تشعل أمه نار التنور/ وتخبز بضعة أرغفة».
وهذا هو ما حتم نبرة التشاؤم والإحباط والسخط والانفعال التي جاءت في صيغة تساؤلات احتجاجية من كائن يكتب اسمه بالمقلوب في المرآة، ويمارس التمارين على الموت، حسب تعبيره، حيث يفصح هذا الفلسطيني المنكوب بدياسبورا التشرد الفلسطيني عن مأزق (منح الجنسية)، ويكثر من الطرق على مفردات الخيبة والمنفى والذاكرة واللجوء، وعلى غربة الإنسان الفلسطيني الأزلية «فقد حان الوقت لتسيل وتتسلل/ ولتتخذ الشكل المتفق عليه للغربة التي انسكبت فيها»، ولذلك يصرخ «يا أيها الذين تشردوا/ قد ذاع تشردكم بين الأمصار/ وأفلستم/ وانقطعت سبل خلاص الروح/ من العدم المتفشي في أضلعكم)، ومن ذلك المنطلق اليائس نصّص حكايته مع وجع المنفى الأبدي «العودة: كائن اسطوري ورد في حكايات الجدة».
التفاصيل في الداخل بوح يومي لذات مقهورة، بمعنى أنها يوميات استرواحية لروح تحترق وتحدق نحو «سرابات الوطن المزعوم»، وتتلمس محلاً لها في هذا الوجود «حتى تصل إلى الحل الصحيح لكيفية إلقاء الورقة/ في دفتر يومياتك/ في سلّة المهملات تماماً». إنها ذات مجروحة في العمق «تحتاج إلى الترميم»، ولا حل لها إلا بالارتداد العمودي إلى الداخل لإعادة تدوير أسئلة لا إجابات لها «أبحث عن وطن أعشقه.. أو يعشقني/عن بيت يأوي كل سبايا حرب لم تحمل أوزاراً/ كي تضع الباقي منها/ عن سقف غير سماء/ ملّت من أن تستر عورة تاريخي»، وبدون أي تردد ولا مواربة يستكمل حالة الخيبة التي يستشعرها بلغة هذيانية تتناسب طردياً مع إحساسه «اللجوء أن تقف في آخر الصف/ أن تحصل على كسرة وطن/ الوقوف: شيء كان يفعله جدك.. دون معرفة السبب!/ الكسرة: أنت!».
نصوص أشرف ليست بحاجة لمن يدافع عنها فنياً أو موضوعياً، فهي تترافع عن نفسها بنفسها، بما تختزنه من طاقة الحب والجرأة على التصريح به «لم أتردد في نطق الكلمات الأكثر إبهاراً/ في كل قواميس الحب». وككل الشعراء المهجوسين بمعارضة البيان القرآني على قاعدة الإعجاب والتأثر، يكشف أشرف عن صلة عميقة بالنص القرآني، وعن قدرة على التناص الخلاق به، فهذا الأثر القرآني، الذي لا يخلو منجز أي شاعر عربي من ظلاله ولفحاته، على درجة من الوضوح والكثافة في نصوصه، على مستوى التناص اللساني أو الدلالي أو الحكائي، كما يتضح ذلك مثلاً في نصه الذي يماثل فيه قدره بحكاية إلقاء أم موسى (ع) لابنها في النهر «كلمات مجهضة/ وعلبة تبغ مستعمل/ وصندوق ألقت أمك بصراخك فيه/ لكي يلفظك اليم على ضفة خوف من نوع لا تألفه/ حيث تعهدك الرعد بتلقيحك للغيم/ لكي تولد مطراً لا يمسح عار الفزع عن النهر النائم/ في أحضان الخيبة».
ذلك المشهد مجرد عينة من مراودات كثيرة تؤدي فروضها الذات ما بعد الحداثية من حيث استحواذها على الأصل النصي وإعادة إنتاجه والتنويع عليه من منظور ذاتي، وهذا هو ما يفسر كثرة عباراته الإشكالية، التي تغترف من البيان القرآني ما يقوي المعنى الذي أراد توطينه في النص، فعندما يقول «إن وعد النفط كان مفعولا» فإنه لا يقصد تأليه النفط، بقدر ما يشير إلى سطوته كقوة محركة في الحياة الحديثة، وهو تعبير معتاد في قاموس الشعرية العربية. وعندما يهمس بـ« أسماء الحب الحسنى» فهو لا يمارس الإزاحة المجانية للعبارة لتوتير النص، بقدر ما يجنح إلى إبدال المفردات مع الإبقاء على القيمة في مدارات الحب التي يرى الله مصدر إشعاعها، وهكذا يفعل حين يقول «لا حبيب إلا أنت.. إني كنت من القانطين!». إذ لا يمارس التجديف بتأليف آية وضعية بقدر ما يحاول الأخذ بمبنى الآيات القرآنية، تماماً كما يولّد المعنى من المختبر البلاغي ذاته الذي يفرض سطوته الفنية والروحية عليه حين يقول وتعلن سراً أنك أودعت الروح لدى من لا يفقهها».
إن تفتيش جهازه المحمول بحثاً عن «الحلوة التي لم تشرق هذا اليوم»، أو إصغاء السمع إلى حميميات «صوت البحة في الأذن اليسرى»، ورصد ضحكاتها البيضاء المدّخرة ليومه الأسود، كل ذلك لا يدينه، فهو لا ينكر تكرار اسمها «آناء الشوق»، ويعلن ذلك بمنتهى الصراحة والوضوح كأي إنسان طبيعي مزود بغريزة «منذ نعومة أفكاري وأنا أتمرس أن أعشق»، أما هلوساته الكلامية وانفلاتاته الشعورية ورغبته المعلنة لـ»تفخيخ الخمارات بداء البهجة»، فهي مجرد استيهامات لذات منكسرة وسيناريوهات مصنوعة في مختبرات الخيبة بدليل أنه ينقلب على تلك الانفلاتات المتوهمة بقوله «وتدوزن لسانك كي تصنع بهجتك الساذجة».
بموجب تلك التصويرات المتخيلة والخيبات المنصّصة رسم لنفسه التائهة والتواقة إلى الحياة صورة إنسان عاش «تجربة زاخرة باللامعنى»، كائن يستلقي بتعب ومثابرة ممزوجة باليأس في الهامش «في الحي الخلفي.. يقيم العاشق/ ينظم أشعاراً/ يرسم لوحات/ يبني ألواناً باهتة/ كي يعرضها في متاحف ذكرى الليل»، إذ لم تكن التعليمات التي أودعها في الداخل، بين غلافي مجموعته الشعرية، على تلك الدرجة من الغموض أو الجنوح، لولا القراءة الغرضية، المنذورة لمسح ظاهر النص وسطوحه، وتقليب ملفوظاته كجثث ميتة بقفازات معقمة، القراءة العاجزة عن سبر أغوار القول الشعري، والتغلغل بين تثنياته وبُناه الغائرة، كما تفترض نظريات التلقي بأفقها الواسع والمتعالي، القراءة التي حاصرته في وحدة سجنه وهو يصرخ على دكّة مسرح اللامعقول «ماذا بعد/ وقد علق كل المرتدين الفأس على كتفك؟».

كاتب سعودي

محمد العباس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية