أن يعدّ امرؤ ما أمهر مَن امتهن حِرفة ما، في العالم قاطبةً وفي زمن ما، وبخاصّة في عصرنا هذا الطاعن في السمعات المزيّفة، فذلك شرف نادر المنال. وأن يحفّز امرؤ كهذا آخرين على إغناء مجال اختصاصه، وأن يسهر على إيصال رسالته بتلاوينها المتعدّدة إلى تلاميذه وجماهيره الذين لا تعداد لهم، فذلك أمر غاية في الندرة. أمّا أن ينجز المرء كلّ ما تقدّم وهو محارَب في عقر داره، ثمّ مشرَدٌ من موطنه وقد أُسقطتْ عنه جنسيّته ردحاً طويلاً من الزمن، فتلك من المعجزات التي لا تقوى عليها إلاّ النخبة المنتقاة.
هذا ما أنجزه عازف الـجلو الرّوسيّ مِسْتِسْلاف رَوسْتْرَوبوف jq، الذي عُرف بـ «سْلافـا»، أي «مَجْد» بالرّوسيّة، والذي شجّـــع العشـــرات من معاصريه المؤلّفين على تأليف ما لا يقلّ عن مئة وسبع عشرة قطعة للـﭽلو المنفرد، أو للتشلو بمرافقة الـبيانو أو الأوركسترا، وهي قطع كانت الآلة بأمسّ الحاجة إليها، نظراً لشحّة الأعمال الموسيقيّة التي كانت قد أُلّفت لها في القرون السابقة.
توفيّ «سلافا» في موسكو عن ثمانين ربيعاً في أواخر نيسان/ابريل 2007 بعد صراع طويل مع سرطان الأمعاء، وكان قد وُلد في باكو، عاصمة آذربيجان، المدينة التي طرّزت اسم مطارها باسمه، إذ كان قد أسّس فيها مهرجاناً موسيقيّاً سنويّاً، وقام بزيارة المعهد العالي للموسيقى فيها لتقديم دروس خصوصيّة وورشات عمل لطلبته.
عُرف «سلافا» كقائد أوركسترا كذلك، إذ كان مسؤولاً عن الأوركسترا السمفونيّة الوطنيّة في واشنطن العاصمة من 1977-1994، وظهر على المسرح بوصفه قائد أوركسترا ضيفاً أمام العديد غيرها. كما عُرف كمرافق على الـبيانو لرفيقة دربه، مغنّية السّوبرانو البارعة كـالينا فشْنَـفسْكايا (1926-2012)، التي وارته الثّرى قرب ضريحي أستاذيه في موسكو، برَوكَوفْيَـف (1891-1953) وشَوسْتاكَوفتش (1906-1975)، وكان الرئيس الأسبق، بوريس يَلْتْسِن (1931-2007) قد توفّاه الأجل قبل «سلافا» بأربعة أيّام ودُفن في المقبرة ذاتها، وكان الرئيس فـلاديمير بوتين (1952-) أوّل المشيّعين في الجنازتين.
كان «سلافا» قد انسحب، حين كان طالباً يافعاً، من كونسيرفـاتوار موسكو للموسيقى في 1948 احتجاجاً على فصل أستاذه شَوسْتاكَوفتش من المعهد ذاته ومن المعهد الموازي له في لينينغـراد بحجّة أنّ مؤلّفاته كانت تحاكي الأشكال الغربيّة، لا الألحان الشعبيّة الرّوسيّة، بحسب افتتاحيّة صحيفة «برافدا» بتاريخ 10 شباط/فبراير 1948 في عهد ستالين (1878-1953)، كان كاتبها جباناً إلى الحد الذي جعله يمتنع عن التوقيع باسمه في ذيل مقاله، ويُعتقد أنّه كان مؤلّفاً مغموراً وعضواً في الهيئة الإداريّة لنقابة المؤلّفين الرّوس آنذاك.
واشتهر عن «سلافا» بأنّه قال عن شَوسْتاكَوفتش، الذي أهداه قطعاً عدّة للتشلو، من أهمّها الكونـشيرتوان للتشلو والأوركسترا، إنّه «كان أهمّ رجل في حياتي بعد أبي… حينما أقود الأوركسترا، يتراءى لي وجهه أحياناً، وقد لا يكون مبتهجاً ـ ولربّما كانت قيادتي أبطأ ممّا يجب ـ فما ألبث إلاّ أن أقود على وتيرة أسرع، فيختفي وجهه من مخيّلتي للتوّ!»
٭٭٭
لقد كان الكونـشيرتو بوصفه صنفاً موسيقيّاً، وسيبقى، محطّ جدال مستديم. وبغضّ النظر عن الظروف التي ألهمت مؤلّفاً ما في عصر ما أن يؤلّف لهذه الآلة أو تلك، فإن السؤال يبقى: تُرى ما الذي يرمي إليه المؤلف حين يضع السمفونيّة، أو القصيدة السمفونية، مثلاً، جانباً ويأخذ على عاتقه تأليف قطعة ذات حركات متعدّدة لآلة منفردة، قد لا يحسن هو نفسه العزف عليها؟ قد يكون الجواب أنّه يقوم بكل ذلك محبّة في العازف (أو العازفة!) الذي ألهمه، أو طلب منه مباشرة، أن يكتب قطعة ما لآلته. حسناً، ولكن، لماذا يكتب المؤلّف كونـشيرتو على الإطلاق؟ تُرى هل يجد فيه ترميزاً لعلاقته هو بالمجتمع؟ أو ترميزاً لعلاقة الفرد، أيّاً كان، بالجماعة؟ وإذا كان ذلك صحيحاً، فماذا يسعنا أن نستقرئ من حوار متناغم بين الـبيانو والأوركسترا في الكونـشيرتو الأوّل لفْرَدْرِك شوبـان (1810-1849)، مثلاً، بالمقارنة مع كونـشيرتو الفلوت لكارْل نيلسن (1865-1931)، الذي لا يكاد يغرّد فيه عازف الفلوت، الذي يفترض أنّه نجم القطعة، حتّى يقاطعه عازف الترومبون، ثمّ لا ينفكّ يقاطعـــه؟ ولكي تكتمل محنة النجم هذا، ينضمّ عازف الطبول إلى عازف الترومبون فلا يهدأ لعازف الفلوت المسكين بال، فيلوذ بالأوركسترا، لكنّها منقسمة على نفسها، وهلمّ جرّا…
في الكونـشيرتو الأوّل للتشلو والأوركسترا، الذي أهداه شَوسْتاكَوفتش إلى تلميذه النجيب «سلافا»، ثمّة إشارة واضحة لا لَبْسَ فيها: المؤلّف يوقّع بحروف اسمه في سلسلة من النوتات في ثنايا القطعة، وكأنه يقول: هذا تأليفي وأنا فخور به. ولطالما ضمّن شَوسْتاكَوفتش توقيعه على هذه الشاكلة في القطع التي تنبع من إحساسه، لا في تلك التي اضطرّ إلى تأليفها كي يماشي الوضع القائم، ولكي لا ينتهي به المطاف في معتقلات سيبيريا للأشغال الشّاقة التي تعجّ كتابات الروس الخوارج إبّان العهد السوفييتي بالإشارات إليها.
٭٭٭
لقد تخطّت شهرة «سلافا» عالم الموسيقى الكلاسيّكية حين قارع طغيان النظام السوفييتي في أواخر الستّينات وأوائل السبعينات علناً، إذ لم يتورّع عن إيواء الرّوائي الرّوسيّ المغضوب عليه في ذلك الحين آلِكْسَندَر سَولْجَنيتْسِن (1918-2008)، الذي كان قد قضى عقداً من الزمن في الأشغال الشاقّة في معسكرات اعتقال شتّى في الاتّحاد السوفييتي، واشتهرت رواياته، من مثل «يوم في حياة إيـﭭـان دَينيسوفتش» (1962) وفي الأخصّ «أرخبيل الـغولاغ» بعد أن تمّ نشرها في الغرب في 1973 وتمّ تناقلها في السرّ داخل موطنه بفضل نظام «السّامِزْدات». وكان له أن يفوز بجائزة نوبل للآداب في 1970، وقد رثى «سلافا» أيّما رثاء بوصفه عنوان الوفاء.
ولأن «سلافا» وقف إلى جانب سَولْجَنيتْسِن بكل الصلابة التي أُوتيت له، تعرّض، مثله مثل زوجته، كـالينا، إلى مضايقات السلطات في موطنه، فقد كانا يؤمنان بالتبادل الثقافي والفنّي بمعزل عن الحدود السّياسيّة بين الدول. فأخذت السلطات تحدّد من ظهورهما على المسارح في مدن الاتّحاد السوفييتي الكبرى، من مثل موسكو وكييـَف، كما أخذت تقلّص عدد أُذون السفر إلى الخارج لهما للمشاركة في مهرجانات موسيقيّة عالميّة أو للاستجابة لدعوات للعزف المنفرد بمصاحبة الأوركسترا، أو، في حالة كـالينا، للمساهمة في أداء أوبرا ما في الخارج. فاضطرّا، وكانا قد رُزقا في هذه الأثناء بابنتين، أولـكـا وأيلَينا، إلى النزوح عن وطنهما الأم في 1974 والتنقّل بين باريس وواشنطن، لا سيّما أن السلطات السوفييتية كانت قد سفّرت سَولْجَنيتْسِن في العام نفسه، فما كان من السلطات إلا أن تنزع عن جميع أفراد عائلة «سلافا» مواطنتهم في 1978.
لكن شيئاً لا يبقى على حاله إلى الأبد، فحتّى جدار برلين المقيت، الذي بدا في عصر ما عقبة كأداء أبديّة، تهاوى في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 بعد أن نظّم الألمان الشرقيّون احتجاجات جريئة على مدى أسابيع لم تكن لتحصل لولا جرأة روّاد الاحتجاج من مثل سَولْجَنيتْسِن و»سلافا»، الذي رُدت إليه مواطنته الرّوسيّة، هو وعائلته، في العام التالي، والذي انسحب من كل مشاريعه الموسيقيّة آنذاك كي يسافر إلى برلين ويعزف في ظلّ أطلال جدارها متتاليات يوهان زَباسْتِيان باخ (1685-1750) للتشلو المنفرد وسط المحتشدين احتفالاً بالحرّية، من شقّيّ المدينة الشرقيّ والغربيّ، وما زالت الجموع التي شهدت ذلك اليوم المفصليّ في تاريخ برلين تذكر عزفه، وفرحته بفرحهم، رغم مرور أكثر من ربع قرن على حفلته على قارعة الطريق تلك، ولربّما يكفيه ذلك وحده مجداً.
٭٭٭
حين أستعرض حياة هذا الفنّان، لا أملك إلاّ أن ألاحظ نقاط التشابه والاختلاف بين أساليب السلطات التي تعرّضت له ولأساتذته ولزملائه من جهة، وتلك التي تعرّضت لي ولأساتذتي ولأقراني في بغداد من جهة أخرى، ثمّة الاضطرار إلى النزوح عن الوطن، والظروف السياسيّة القائمة في العالم الأوسع ـ مع التوكيد على أنني لا أساوي نفسي به البتّة – فأُسائل نفسي: تُرى هل يمنّ علينا الزمان بتهاوي جدار الفصل العنصري في فلسطين، الذي يعلو عن جدار برلين بعدة أمتار ويزيد طوله عن 700 كيلومتر، أي عدة أضعاف جدار برلين؟ وهل تتــــبع ذلك خطى متأنّية إلى الأمام، حيث الاستقلال والحرّية والعدالة والعلم والفنون وإعادة البناء، في فلسطين، وكذلك في العراق وسوريا، لا خطى حثيثة إلى الخلف، حيث لا شيء سوى التخلّف؟ ثمّ هل تمنّ علينا حكوماتنا العربيّة يوماً بتسمية مطار لعاصمة عربيّة ما باسم فنّان أو أديب ما – وما أكثرهم في بلادنا؟
لا يفوتني أن أذكر في هذا السّياق، أن عائلة «سلافا»، حين زارت في 1990 روسيا وآذربيجان وغيرها من الجمهوريّات التي كانت آنذاك ما تزال سوفييتية، وإن كان ذلك بالإسم وحسْب، وذلك للمرة الأولى منذ نزوحهم عنها في 1974، وجدتْ أن الأطفال، خصوصاً أولئك الذين يسكنون المدن المنسيّة، يعانون من إهمال السلطات في معظم أوجه حياتهم، فقامت العائلة هذه بتأسيس جمعية خيريّة في واشنطن في 1991، أسمتها «مؤسّسة رَوسْتْرَوبوفتش- فشْنَـفسْكايا»، لجمع التبرّعات على مستوى عالميّ لتأمين اللقاحات ضد أمراض الطفولة في الاتّحاد السوفييتي المتهالك، لكنّها لم تتوقف عند حدوده – وهنا بيت القصيد – بل أخذت على عاتقها أن تفتح مكتباً لها في رام الله، وهو مكتبها الوحيد خارج رابطة الدول المستقلّة، التي خلفت الاتّحاد السوفييتي في 8 كانون الأوّل/ديسمبر 1991 وتشمل عضويتها حاليّاً إحدى عشرة من جمهوريّاته الست عشرة.
وحتّى بعد رحيل «سلافا» في 2007، قامت إبنته الصغرى، أَيلَينا – التي لمعت في عزف البيانو ورافقت والدها على آلتها مدة سبع سنين في حلّه وترحاله، وكانت مديرة أعماله أيضاً – بإدارة المؤسّسة ووسّعت نطاق عملها في رابطة الدّول المستقلّة وفي فلسطين. وقد تمكّنت هذه المؤسّسة الفذّة من جمع الأموال وتأمين اللقاحات الدوريّة لما ينوف عن عشرين مليوناً من الأطفال والبالغين في رابطة الدول المستقلّة وفي الضفّة الغربية وقطّاع غزّة.
لكن أَيلَينا أبتْ أن تتوقّف عند هذا الحدّ، فأقامت جمعيّة خاصّة بها في باريس، أسمتها «جمعيّة أَيلَينا رَوسْتْرَوبوفتش» وأسّست من خلالها ثلاثاً وعشرين جوقة غناء من أطفال اللاجئين الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة، وقطّاع غزّة، ولبنان، وسوريا، والأردن، أسمتها «جوقات السنونو» يزيد عددهم عن ثماني مئة طفل، ووصلت كل هذه الجوقات ببعضها بوساطة الأقمار الصناعيّة في يوم 23 نيسان/أبريل 2013 كي ينعموا بمتعة الغناء وحميميّته بعد أن محتْ هي لهم الحدود والحواجز والمسافات ولو لوهلة من الزمن.
فلنتذكّر أن هذه فنّانة موسيقية من عائلة روسيّة مشرَّدة، ترى أن من واجبها إدخال الفرحة من خلال الموسيقى على خيم وأكواخ عوائل فلسطينيّة مشرَّدة في ثلاث دول عربيّة إضافة إلى فلسطين، مجسِّدة بذلك المثل الذي يقول: «وكلّ غريب للغريب نسيب»… فليسمع الآخرون!
قائد أوركسترا، برلين
بشّار عبد الواحد لؤلؤة