إذا وضع مُطهر لافتة مرسوما عليها العضو الذكري على باب مكتبه بهدف ترويج عمله، فيمكن الافتراض أن مصلحته تلك ستغلق في اليوم نفسه وسيكون السكان حينئذ متسامحين جدًا إذا لم يطردوه من المدينة. هناك مهن وأعمال وأفكار لا يعلن عنها إلا بالرموز. هل تلقيتم ذات مرة بطاقة تعريف من لص «فلان وأولاده، سرقة كل أنواع السيارات والأدوات الكهربائية»؟ هل يمكن توقع أن يقوم شخص عنصري بتعريف نفسه بفخر: «فلان العنصري»؟ ولكنه سيفعل عكس ذلك، إذ سيعرض نفسه كوطني فخور، عمل من أجل نقاء العرق.
ولكن في إسرائيل قرر اليمين، خلافًا لكل منطق، أن يحطم هذه القاعدة الحديدية. ما الذي كان يضيره من الوضع القائم؟ منذ سبعين سنة والدولة تفعل للعرب كل ما يخطر ببالها. وفي الوقت نفسه فإن من يأتي إليها يتم استقباله بشعارات باهرة عن دولة تحب الإنسانية، نور للأغيار تماما. الآن بعد سن قانون القومية، فإن دولة إسرائيل حسب تعريفها هي دولة أبرتهايد، والدبلوماسي القديم الون ليئال يكتب في «تويتر» أن «الأبرتهايد في جنوب أفريقيا لم يسقط بسبب وجود عنصرية، بل لأنها كانت موجودة في قانون». للحقيقة، لا توجد حاجة لمثال المُطهر من أجل فهم كيف يجب علينا التصرف، إنما يكفينا الآباء المؤسسون للدولة. في السابق في كل مرة رأيت فيها وثيقة الاستقلال كانت تصيبني الدهشة، إذ كيف يمكن أنه خلال الاضطرابات الدموية في عام 1948 حلت روح التسامح على زعماء اليشوف، وصاغوا وثيقة كهذه تقطر بمحبة الإنسان. وتعهدوا «لأبناء الشعب العربي سكان دولة إسرائيل» بكل خير (وهو تعهد تبخر بالطبع بعد لحظة من توقيع الوثيقة). وبسبب سذاجتي اعتقدت في حينه أن الجين الإنساني لدافيد بن غوريون قفز فجأة في لحظة من التسامي الروحي، بالضبط كما قفز الجين الشرقي لبنيامين نتنياهو منذ فترة قصيرة.
في حينه وصلني نص كتبه رجل القانون اهود الياهو، الذي يظهر فيه العلاقة الوثيقة بين فقرة الحقوق المدنية في وثيقة الإنسان وبين الفقرة ج من خطة التقسيم للأمم المتحدة «الإعلان». بن غوريون فهم ماذا يريد العالم، وعمل حسب ما يتوقعونه. العالم بقدر ما هو جيد كان قد رضي عنه وانتقل إلى الانشغال بالنزاع الدموي القائم. يمكننا التقدير أنه إذا كانت الأمم المتحدة تسمح بـ «حضانة الأم» للمثليين فإن بن غوريون لم يكن ليتردد في إدخال بند كهذا أيضًا إلى الوثيقة.
الفقرة ج تطلب من الدولتين اللتين ستقومان تبني مبادئ الحرية والمساواة والديمقراطية، وتم التأكيد فيها ضمن أمور أخرى على «عدم مصادرة الأراضي» التي تعود لعربي في الدولة اليهودية وتعود ليهودي في الدولة العربية، «عدا للأغراض العامة»، أين أخفوك أيتها الفقرة الجميلة؟
كما ينص قرار الأمم المتحدة على أن «الشروط المشمولة في البيان تعتبر قوانين أساس للدولة… وأي قانون، تعديل أو عمل رسمي لن تكون لها قوة سريان أكثر من قوة هذه القوانين». التعليمات التي تظهر في الفقرة «يتم ضمانها من قبل الأمم المتحدة، وأي تعديلات لن تجرى عليها بدون موافقة عامة في الأمم المتحدة»، و«كل خلاف يتعلق بتفسير هذا البيان يتم تقديمه بناء على طلب أحد الأطراف إلى محكمة دولية».
جاء قانون القومية ليحل محل قانون أساس منعت الأمم المتحدة التلاعب فيه. حسب رأيي، من سنوا قانون القومية هم مخالفون للقانون، وليسوا مخالفين عاديين للقانون فحسب، بل مجرمون دوليون يجب تقديمهم لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي. (لست متسرعًا لاستخدام هذا التعبير القاسي، «مجرمون»، لكن لأن اليمين لم يتردد في تسمية من عملوا من أجل التوصل إلى سلام بذلك، يبدو أنه لا مناص من ذلك). دولة تراجعت عن إعلان استقلالها الذي يقوم على قرار الأمم المتحدة تقوض شرعيتها الدولية. وللعرب والديمقراطيين في إسرائيل حق في التوجه إلى الأمم المتحدة والمطالبة باتخاذ خطوات ضد الآباء المنكلين.
شيء آخر: لا يمكن لنتنياهو في هذه الأثناء أن يطلب من العالم الاعتراف بإسرائيل كدولة القومية اليهودية، وفي أعقاب هذا القانون من ذا الذي يستطيع الاعتراف بدولة أبرتهايد صريحة؟!
هآرتس 6/8/2018
عودة بشارات