مجزرة برج البراجنة تحرّك مجدداً موّال «التسوية الداخلية»

حجم الخط
0

بخلاف سرب التفجيرات والعمليات الانتحارية التي استهدفت الضاحية الجنوبية قبل عامين، جاءت الحصيلة الدموية مرتفعة للغاية في الاستهداف الانتحاري الذي تبناه تنظيم «الدولة الإسلامية» في منطقة برج البراجنة. أعاد ذلك راهنية السؤال عن الشروط الأمنية والسياسية المطلوبة لحماية الأهالي في منطقة الضاحية الجنوبية، بخلاف دعاية كانت تنامت في السنتين السابقتين، خصوصاً بعد توقف الموجة السابقة من الهجمات، ومختصر هذه الدعاية أنّ الخطر الأمني لـ»التكفيريين» تراجع من ناحية نفاذه إلى الداخل اللبناني، إلا فيما يتعلق بعرسال والمناطق الحدودية، ما يعطي مسوّغاً لاستمرار قتال «حزب الله» في سوريا. تحديداً هجوم الحزب المذكور في يبرود وعلى جبهة القلمون، سوّق له كلحظة ابعاد الخطر التكفيري التفجيري عن لبنان. كانت حصيلة هذا التفكير المزيد من الاستنزاف لمقاتلي الحزب في سوريا، وتعثر أو دوران في حلقة مفرغة على جبهة الزبداني، ومن ثم تمكّن تنظيم «الدولة» من القيام بهجمات انتحارية كان القصد منها ايقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا. 
فور وقوع الانفجار، سارع «حزب الله» للتنديد بأي ربط بين الجريمة التي حصلت وبين قتاله في سوريا، وعدّ ذلك تواطؤاً مع الإرهابيين. في الوقت نفسه، فإنّ سؤال «من يحمي الضاحية الجنوبية؟» طرح نفسه بإلحاح مجدداً، وهذه المرة دون ان يكون بمقدور أحد المكابرة والقول ان قتال شباب الضاحية في سوريا هو الذي يحمي الضاحية من الاستهداف الإرهابي الذي يسوّق لنفسه على خلفية الحرب السورية.  المعطى الثاني كان سرعة اكتشاف فرع المعلومات للشبكة التي خططت للتفجير، واقرار «حزب الله» بذلك في حين كان ينتقد بشكل محموم هذا الجهاز الأمني قبل ذلك. هذا الانجاز الذي حققته «المعلومات» يبدو نادراً بين الأجهزة الأمنية العربية اليوم، حيال الظواهر الإرهابية. 
فهل يبني شكر الحزب للمعلومات مناخاً جديداً على خلفية التفجير؟ مؤشر يتابَع بالطبع، لكن ما ينبغي التوقف عنده هو ان حزب الله كان دعا على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله إلى تسوية سياسية وطنية في كلمة له قبل يوم واحد من تفجيرات برج البراجنة، منطلقاً من كون المجتمع اللبناني قد اصيب بهشاشة، وكون الدستور صار فاقداً لأي مرجعة ذات أهلية تفسيرية له وفقاً لأحكام الدستور نفسه. بعد التفجير أعاد الحزب تأكيده على ضرورة التسوية هنا أيضاً. 
نظر تحديداً إلى الموضوع الرئاسي على انه المعني رقم واحد بالتسوية، وقابل «تيار المستقبل» كلام «حزب الله» بأجواء مماثلة. ثم انتشر خبر اللقاء غير المعلن بين الرئيس سعد الحريري والنائب سليمان فرنجية، واحتمال رسو التسوية على اسم الأخير. في وقت هناك من يشيّع انها حتمية تتحضر بشكل متقن لإيصال فرنجية – الموالي تقليدياً لنظام آل الأسد – إلى الرئاسة، لا يزال رأي آخر يعتبرها «زكزكة» للثنائي ميشال عون – سمير جعجع، وهو ثنائي غير متفق على اسم الرئيس العتيد، لكنه متفق ضمنياً على ان لا رئيس خارج هذا الثنائي، أو أقله لا رئيس خارج موافقة هذا الثنائي.
المجزرة تبعها اذاً حداد وطني من ناحية، ومناخ يتداعى إلى التسوية السياسية من جهة ثانية. كلام نصر الله، الذي وعد فيه بتعقب مقاتلي «الدولة الإسلامية» حيث هم، ومشاركة الحزب فرنسا العزاء على ضحايا هجمات باريس، جاء في المقابل ليظهر ان الحزب نفسه الذي يعاني من الاستنزاف الدموي الحاد في الحرب السورية، والذي لم يعد قادراً وحده عن حماية أمن المناطق التي يسيطر عليها في لبنان، والذي بات يمتلك رصيداً من «المصلحة في التسوية»، هو في الوقت نفسه حزب ينظر إلى توسع نطاق الحملة العالمية على «داعش» كمؤشر هام لإعادة ترتيب البيت اللبناني أيضاً، وليس فقط البيت السوري أو العراقي. من ناحية هناك منطق يقول: ما دامت كل مرجعياتنا الاقليمية ستنخرط من الآن فصاعداً في حملة عالمية على تنظيم «الدولة الإسلامية» فلم لا نسعى للتسوية الداخلية فيما بيننا، حتى لو كانت المرجعيات الاقليمية غير قادرة حالياً على وضع اطار لحل الأزمات اللبنانية المتفاقمة، وفي طليعتها شغور الرئاسة، والاختلاف على قانون انتخاب، وعدم حصول انتخابات نيابية منذ العام 2009. 
هناك في المقابل رأي أكثر قدرية يعتبر انه لا تسوية داخلية أساساً قبل ابرام التسوية الاقليمية، وغير ذلك عبث. اياً يكن من شيء، هذه المرة بدا البلد تعباً على فوق عادة، بعد صيف مستفحل بأزمة النفايات المتواصلة. هذا التعب المجتمعي العارم جعل الحديث عن التسوية يعقب المجزرة الدموية وان ظل هذا الحديث منفصلاً عن المعضلة الحالية: مشاركة حزب لبناني مسلح في الحرب السورية. طالما التسوية السياسية المطلوبة تتجاهل مسألة الخروج من سوريا فإن أفقها محدود.

وسام سعادة 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية