كثيراً ما يتم التعامل بحذر، ويُطرح التساؤل عن القيمة الإبداعية في الأعمال الفنية التي تتحدث عن وقائع ما زالت تجري، وعما إذا كان سير الحدث والتفاعل السريع الأول معه، قد قلل من هذه القيمة. وكثيراً ما تكون عين الريبة صائبة في شكوكها، فآلية عمل الإبداع داخل الفنان معقدة ومخادعة، والإبداع لا يسلم قياده في العادة إلا لليد التي تقبض على لجام خيل الإبداع بجرأة التحكم. لكن ومن جهة أخرى، كثيراً ما يزيل سطوع إبداع عملٍ جرى تحت قصف الأحداث، أي شك في إبداعيته، ولا يَبعد عنا كمثالٍ عدم قدرتنا على النظر إلى لوحة «غورنيكا» ــ بيكاسو، من دون أن نصاب بالرعب والإدانة، لا من هول القصف الذي يمحو البشر فحسب، وإنما أيضاً من هول ما أطلق الإبداع إلى وجل قلوبنا من رماح.
المجموعة الشعرية الجديدة «أعرني النافذة يا غريب»، للشاعرة السورية هالا محمد، صريحة في موضوعها وتناولها وانحيازها دون مواربة، من لحظة قراءة إهدائها: «إلى السوريين المنسيين في السجون والمقابر والخيام. إليهم في الشتات تدور بهم الأرض في طريقها إلى البيت»؛ مروراً بعناوين بعض قصائدها: (تغير البيت كثيراً بعد رحيلك ــ كما لو كانت ثورة ــ يا سوريا ــ في دمشق ــ بين هجرة وهجرة ــ السوريون يحبون الجلوس قرب النوافذ ــ الأطفال الذين يولدون في الخيام…)؛ وانتهاء بمضامينها الصريحة حول الوطن، في عين المنفى.
وتضع هذه المجموعة، بصراحتها، نفسها تحت رهان وتحدي معادلة الآني/ الدائم، الحساسة في الشعر، وتكون على قدر الرهان. فهي مجموعة تجنّب قارئها التدقيق في إبداعيتها، إذ تصيب قلبه مع قراءة كل سطر منها بالشجن، ولا شرط أن يكون القارئ سورياً كي يعيش هذا الإحساس، فالتقاطها المرهف، وتوليدها صور التفاصيل الصغيرة المشتركة بين البشر، لمكان الوطن ومكان المنفى، (مثل عتبة باب البيت ومفتاحه وخزانته ومطبخه وأثاثه وحديقته، كما لا تكون ذكرى في مآسي الهجرة والفقد، بل كائنات حية تشرق وتتألم وتعبس وتضحك)؛ يضع هذه المجموعة في مصاف الشعر الرفيع:
«حين أرى من بعيد
الصالون والمرايا
الستائر
فساتيني في الخزانات
صحون المطبخ
البراد
طاولة الطعام الخشب الأصفر
كراسي الخيزران الأنيقة تعكس ضوء الشمس
توزعه على البلاط
سجادة ضوء ترتمي تحت أقدام الطاولة
التلفزيون الأسود
الصامت
أريد أن لا تنتهي هذه القصيدة التي أكتبها الآن
أريد أن أبقى معلقة في ذلك الفراغ
الفراغ الذي يفرغ عقلي من أفكاره
يحوله إلى قلب».
في التفاصيل الإبداعية لهذه المجموعة، تأتي لغة هالا محمد غنية، زاخرة، لا تجد غضاضة في استخدام مفردات الحياة اليومية للناس، وملفتة في جرأتها على ارتكاب البساطة، ولملمة القبلات من على الشرفات، والضحكات من وجه النهار في دمشق، ولملمة رائحة الطعام، واحتفاء الجار بالجار، والنور الذي يقطر عسلاً من الشبابيك، «رنين الهواتف الذي لا يتوقف في البيوت التي خلت من أهلها، والغياب الذي لا يتوقف»، في الوطن البعيد، كما في المنفى الذي لا تستطيع الخلاص فيه من الوطن. وحيث: «لاتدعْ قلبك يغفو لحظة العصر/ لستَ في مأمن يا غريب، احذر! لا تلق بأسئلتك دفعة واحدة في المرآة/ سيتكسر دفعة واحدة أمام عينيك زجاج العمر».
كذلك تأتي البنية التي تلم المجموعة كمجموعة، بسيطة ولا تحتاج للتقصي، لكنها في الحقيقة خادعة، فخلف بساطة إهداءٍ تأتي بعده خمسٌ وخمسون قصيدة نثر تحت عناوينها، ويغلب على معظمها القصر؛ يكمن عمق بنية لا يخلو من الحرفية في التكوين، ولا يشتت القارئ إلا ليجمعه تحت عنوان: الفقد. إنه مبثوث كروحٍ للمجموعة، والذي تفصح عنه الشاعرة صراحة في عنوان قصيدتها: «في البدء كان الفقد» المستوحى من كلام الإنجيل حول بدء الخليقة: «كل صباحٍ أصحو هناك وأصحو هنا/ الزمن يترك الباب موارباً للزمن فتعبر في فارق التوقيت الذاكرة/ وفي فارق التوقيت يزرعني بين أشجار الحور والكينا والصفصاف والعناب والورد/ الفقد».
ويتبلور الفقد كخيط ينظم عقد المجموعة وتبرز فيه أحجار:
ــ الأم: الراحلة، في قصيدتيْ: «تغير البيت كثيراً بعد رحيلك» و«كنبايات العرس»، اللتين تفتتحان المجموعة. ولا تبدو صدفةً، مع انتفاء شرطية تصميمهما على هذه الصورة، أن ترد أولاهما لتعكس تهدم الوطن، وتأتي ثانيتهما لتعكس ظل روح الأم في تفاصيل الحياة اليومية للمنفى، حيث تتحرك القصائد سابحة في النفق الذي يصل المنفى بالوطن.
ــ البيت: الحضن، الذي تخيم روحه على المجموعة، ولا تكاد تنجو منه قصيدة في مسحها بشفافية هذه الروح، سواء جاء كذكرى أو كحلم أو كأمل، بكل تفاصيل ما يتشظى، وتحاول أن تلملمه الذاكرة حباً، ويصيب القلب بما لا يكفي من الذبحات: عتبة البيت الرخامية، القفل، الصالون، الستائر، المرايا، الكراسي، الحديقة… ولكن من دون يقين أبداً، حيث يصل صهيل الفجيعة إلى صراخ انفجار القلب، وحيث يصل الفقد إلى أقاصي ذراه في حسرة التنبؤ «لمن تُحكى الحكايات»: «انتهت الحرب يا حبيبي ولم يعد أحد إلى بيته/ حتى البيوت لم تعد من الحرب/ الطريق لم يعرف طريق العودة/ الأرانب في الحقول/ تحت الأعشاب البرية التي احترقت بالنابالم والكلور وغاز السارين/ تغمض عينيها أمام الكاميرات/ لا تريد أن تتصور».
كل هذا مع رعب أن يتحول البيت إلى فكرة، كما في فيلم بالأبيض والأسود لفيديريكو فيلليني، وأن: «ترن جرس الباب فيضحك الباب… ينفتح البيت في وجهك ويضحك… تضحك الغرف والصحون وطاولة الطعام/ والغبار على الستائر يضحك… وذهب الشمس يتشمس على البلاط ويضحك والبلاط يضحك/ الجدار تحت القصف يهوي ويضحك… والخراب يضحك».
ــ النوافذ: عيون الفقد، في عين الالتقاط المدهش من عين الشاعرة، النوافذ التي كانت «تطل على أشجار السرو والحورــ كانت نوافذ البيت تستعير ظلال البيت من الشجر»؛ وأصبحت هي نفسها عيون السوريين في منافيهم، حيث يحبون الجلوس دائماً قرب النافذة، وحيث تطلب أرواحهم استعارتها:
«أعرني النافذة يا غريب
أعرني هذه اللحظة
أرجوك
أعرني لحظة الغروب
…
تطل على سوريا».
ــ الأغاني: شجن هذه المجموعة الشفافة، وكل ما تبقى من سوريا في شجن الشاعرة، «الأغاني وشم الذاكرة»، «بدايات الكون»، في اللحظة القاهرة بين موتين، «بين هجرة وهجرة» ــ الأغاني؛ كما لو في صرخة بابلو نيرودا المتحدية أمام الفاشية: «أنتم لديكم دبابات، وأنا لدي أغانٍ». إنها الأغاني التي يقامر بها السوريون موتهم: «نقامر بالأغاني/ نرمي بها البراميل والطائرات/ القناص على سطح البيت/ الصواريخ العابرة للقارات/ ونرمي بها صورة الطاغية بنظاراتها السوداء/ على أعمدة الكهرباء/ ونرمي بها هذا المقدس من الموت/ الذي يقترب».
ــ الصور التذكارية: التي يقاوم بها الناس أسلحة محوهم: «أيها المصور صورنا صورة تذكارية».
ــ المعتقلات والمعتقلون: الذين انقطعت حياتهم عن الحياة بين جيرانهم وأصدقائهم وأشيائهم اليومية، وهم يؤرقون نوم أصدقائهم في المنفى: «هي تسحبني من نومي/ تجرجرني كما يجرجرها السجان في العتمة/ تطأ قصيدتي/ تطأ الحروف/ تتمدد فوق السطور…».
وتتمدد في مأساة الفقد السورية المستمرة، التي تُظهر بها شهادات المعتقلين المحررين صور جثث من كانوا معهم في جحيم سجون النظام، وتنتشل بها أيدي خفر السواحل الدولية جثث غرقى الهروب في تلاطم البحار، وتلملم بها عيون كاميرات الصحفيين نثار أجساد الأطفال السوريين من الأسهم النارية التي يقيمها لهم المحتلون على مدار اليوم.
في مجموعة «أعرني النافذة يا غريب»، الثرية بلغتها وصورها المتسقة، تدهشنا عين الشعر، بالتقاطها المرهف لأحزان السوريين، في عيونهم التي تحب الجلوس قرب النوافذ، ويدهشنا جسر الشرايين الشعري الحي الذي تقيمه بين المنفى والوطن.
هالا محمد: «أعرني النافذة يا غريب»
منشورات المتوسط، ميلانو 2017
80 صفحة.
المثنى الشيخ عطية