مجموعة «ما يشبه الطين» للقاص الأردني محمد خليل: تجاوز للنمطي والمألوف

حجم الخط
1

 

محمد خليل قاص بارع يلتقط الكلمة المناسبة والفكرة المناسبة في اللحظة المناسبة، وهو بلا شك قاص ماكر يلتقط من العادي ما يصبح غير عادي. ولعل قصةً «التابوتً» فاتحة مجموعته «ما يشبه الطين» أن تكون واحدة من أهم قصص المجموعة التي تسم مجموعته بمياسمها وتطبعها بطوابعها.
قصة» التابوت» ليست جديدة كل الجدة في فكرتها العامة ولكنها فريدة في بنائها الخاص. في عودة الابن من شوارع المدينة وقد هربت منه إرادة الحياة والروايات التي تقف عند لا وثوقية السرد حول دوافع قراره بالانسحاب من الحياة. والحياة هبة غالية ليس ما هو أثمن منها في الوجود. بيد أن الحياة تصبح بلا جدوى، حين يصبح الموت مطلبًا، ويرى أن الخراب عنوان هذا الزمن الطويل. قد لا يكون اختار موته الأول، لكنه بالتأكيد اختار موته الأخير.
القصّة فانتازية تستقي مادتها من واقع غير معقول، لقد مات الفتى قبل عشرين سنة وما يزال في الصّندوق، ولسبب ما لم يُدفن. أصاب استيقاظه، بعد هذه المدة الطويلة، الأم والجارة (المرأة السمينة) وصاحب البقالة بالرّعب.
وفي قصة» السيّدة» يتعزّز اتجاه الكاتب نحو التجريب الذي يستمد حضوره من رؤية الواقع المأساوي، فتبدو الملامح الأسطورية والحكايات الخرافيّة والفانتازيا؛ ينبت له جناحان، يسقط كالنّيزك، يتفتّت، ثم يحاور بعقل واعٍ. على أننا نشعر بأنّ عنصر الزّمن طاغٍ في هذه القصّة، ويلتبس الواقع بخيالٍ يصعب لملمته: حديث عن زاوية الريح، بوّابة العفاريت، صور البعث والقيامة. ونرى في القصة ما يُمثّل عنصر اللاوثوقية حيث تنفي هذه المرأة وجود السيّدة مثلما تنفي زاوية الرّيح وبوّابة العفاريت، ويبدو وعي الزّمن أمرًا مثيرًا.
وتبدو قصّة «الكابوس» رحلة كابوسيّة؛ فثمة قتلى في الساحة وقاتل، والرّاوي متّهم، وتبدو أجواء مسرح القسوة، وأجواء «المحاكمة» لكافكا، ونحن نرى من يتهم الشخص البريء، حيث يبدو الكابوس أكثر صدقًا وتعبيرًا عن الواقع، ونرى كل شيء يدخل في باب اللامعقول؛ القاتل يتشكّل ويتناسخ، وتظل فكرة اتهام البريء قائمة، بيد أنه لا أحد يستطيع إثبات التهمة، فلم تفلح المحاولات في إثبات أنّه القاتل. على أنّ الرّاوي حين تخلص من مسكونيّته بالرّعب تمكّن من القضاء على العدوّ أو الكابوس، فقد حرّرته العصا من حالة الخوف والرّعب.
والأمر نفسه تقريبًا نراه في قصة «الدائرة» حيث نجد العبث وانعدام المعنى وتغوّل السلطة وانعدام الهوية الذّاتية فكل من في الدائرة شبيه للآخر لا تميّز ولا تحديد، والدائرة تشبه مركز تحقيق، أو هي كذلك. في هذه الدائرة الأمنيّة يغشى المكان الترقّب والانتظار والتشيؤ حيث انعدام المعنى وغياب لقيمة الإنسان. وثمة صورة للقسوة ذات دلالات رمزية حيث يوضع المخالف في قدر ليعاد تشكيله. ولعل سؤالًا يمكن أن يخطر بالبال: هل تجدي مقاومة الفرد في عالم يسحق كل شيء، وهل يمكن أن تسوّغ المقاومة فنيًا: «كوّرت يدي ووقفت في مركز الدائرة»؟ ربّما، ونحن نعيش في عالمٍ قابلٍ للتحوّل والتغييير. ونظل نتابع في قصّة «الدهليز» هذه الأجواء الغرائبية الكابوسيّة التي يشيع فيها العنف والقسوة والبوليسيّة، حيث يتعرض الإنسان لأبشع أنواع الاضطهاد والقمع. لقد احتجزت الشخصية جهة أمنية وقطعت لسانه بعد أن دفنت منتصفه. نجد امرأة إلى جانبه قد تكون هي التي وشت به وهو الذي كان معجبًا بها، ونتساءل أمام ما يحدث: كيف يلجأ هؤلاء إلى تشويه الإنسان وسحق إنسانيته؟ والطّريف أن عتبة العنوان جاءت من هذه القصة: الدهليز. لقد قدّم الكاتب صورة متشيّئة مزدوجة للسجين والسجّان، ترمز لرؤية كلٍّ منهما للآخر في لقطات مشهديّة بارعة تقبس من التراث الشعبي والأساطير والواقع.
وأمّا قصّة «المشهد الأخير» فمع أنها قصّة غرائبية، لأنها تنحو منحىً أليجوريًّا؛ فثمة رجل وامرأتان وجمهورٌ يبدو أنّه جمهورٌ متخيّل. تبدو الغرفة فسقيّة جمهورها أموات. نرى الرّجل أمام غرفة ببابين وأكرتين وامرأتين وتبدو المرأتان كأنّهما زوجتاه، وتبدو الحوادث كأنّما تقع في العالم الآخر أو عالم ما بعد الموت. نرى الرّجل يقع فريسة للمرأتين اللتين تحاولان اكتشافه، ولكنّه يثور فجأةً على واقعه ويستمع لتصفيق الجمهور للبطل.
وتلي قصة»المشهد الأخير» قصة تشابهها في الصّفة وهي «الخندق الأخير» وهي من أربعة مشاهد تتخذ شكل المسرحية التي تقترب من شكل المسرح الملحمي. تبدأ القصة بالشهادة، ثم تمضي باتجاه قصة الأب والابن اللذين يختفيان وراء جدار إسمنتي رمزًا لمحمد الدرّة ووالده. الابن هو ذلك الطفل الذي يحلم بحذاء جديد لم يجده بكامل أناقته وروعة شكله إلاّ بعد الشّهادة. ونستنتج من بنية القصّة أنها تعبير أليجوري عن حجم الظّلم وعناد المقاومة، حيث يكشف الفن عن غنى الواقع.
وتفيد قصة «في الحافلة» من المفارقة على نحو واضح؛ ففي موقف أقرب إلى المفارقة، خطّط لكي لا يترك مكانه لإحدى النّساء أو العجائز أن يجلس في منتصف الحافلة. طلب منه السّائق أن يتدبّر أمره، فلا مكان له في الحافلة. والرجل الأربعيني الجالس إلى جواره دعا العجوز إلى الجلوس بينهما ما جعل البطل يخرج نهائيًا من الكرسي، ويقف في وسط الحافلة، ولكن السّائق طلب منه الجلوس لأنه بلغ نقطة المراقبة، فجلس في الفراغ الذي يفصل بين المقاعد.
وفي قصّة «الدجاجة» تبدو الملامح الأليجورية وكأن الكاتب يؤنسن الدّجاج، ونرى القصّة تأخذ مسارين: المسار الأوّل الذي يشدّ الانتباه، وهو محاولة إيجاد اللحظة التي يكتشف فيها لحظة الغشّ لدى بائع الدّجاج، ويبدو أنّه لا يكتشفها. والمسار الثاني هذه الدجاجة الخانعة التي تنقر جناحها غير عابئة بالدم الذي يسيل منه.
وفي قصة «انتظار» يدهشنا كسر التوقّع؛ فالذي ننتظره لا يجيء، قصة بارعة تصوّر انتظاره للحبيبة ويتخلله استرجاع لذكريات عزيزة، ونحن نتوقع خيبة الأمل وهو يأمل أن تجيء. يخيب أمله وتوقّعه في أن تجيء حين يخبره السّائق المرهق في نهاية القصّة أنّ ثمّة حادثًأ وقع قبل ساعتين ليدعه يربط بين الحادث وعدم لقائهما في الموعد المضروب.
وَأَمَّا قصة «ريش» فهي رمزية تصور نموذج الديكتاتور وحماقته، وخضوع الناس المريب لمشيئة الطغاة الحمقى. الديكتاتور يفعل ما يشاء والذين يعترضون في نظر الآخرين مجانين: «لم يعترض على القرار أحدٌ إلا أربعة، سارعوا إلى الاختباء في منازلهم والذين أطلق عليهم في ما بعد لقب مجانين القرية».
ومن أجمل قصص المجموعة قصة «في المقهى» التي تصوّر صحافيًّا يكتب مقالًا يوميًّا فلا يجد موضوعًا يستهويه، حيث يرمز السّرد إلى انخفاض سقف الحرية في ما يكتب الكتاب لكن الفكرة الرئيسيّة في القصة تدور حول موقف الصحافي من امرأة يتخيلها مولعة به، ويرسّخ النادل هذه الفكرة في رأسه فكل الملابسات تأخذه إلى الاعتقاد أنها معجبة به بل تحبه. أفكار كثيرة تدور في رأسه تقرّبه منها وتنأى به عنها، وأخيرًا قرر أن يدعوها إلى فنجان قهوة فإذا هو خارج تفكيرها تمامًا.
ونرى فعل الزّمن يتجلى في قصة «ذات دعوة» وهي قصّة بارعة جدًّا توسلت بالمفارقة، وكان للتشويق فيها نصيب وافر، وهو تشويق يأخذ بمجامع القلب حزنًا على الشخصيّة وعلى الفتاة المتوهّمة التي أثار الموقف حزنها على أمّها الرّاحلة. فنرى البطل يتذكّر فتاة أحبّها قبل ربع قرن، إذ يلقاها في دعوة قبل ذلك، وقد أثارت الذّكرى صورتها المتخيّلة وهو يرى مناظر الرّجال الذين يتمايلون على نسائهم في هذا الجوّ البهيج. وقد توسّل القاصّ بتقنية الاسترجاع وهو يعي أنّ هذه التي إلى جانبه هي الفتاة التي أحبّها منذ زمن، وبعد مماطلة مشوّقة نكتشف أن التي بجانبه لم تكن إلاّ ابنتها. فقد كان كلُّ شيءٍ يوحي بأنّها هي حين سألت «ألست…؟» تاركةً مجالاً متناقضًا بين زمنها وزمنه، وكانت الفرحة لديه عارمة وهو لا يعرف مغزى السّؤال.
أمّا «الكبش» فهي قصّة واقعيّة تصوّر أوجاع المهمّشين والمسحوقين، فأمّ يونس تعاني من فقر الدم، وهي في حاجة إلى دمٍ حتى تُجرى لها عمليّة جراحية، لا أحد يستطيع أن يعطيها من دمه لا الأب ولا ابنتاها الكبرى والوسطى. وقع الخيار على الصغرى التي اجتهد أبو يونس في إعطائها خمس علب عصير بالكمال والتمام، وعندما خضعت لعملية سحب الدم كانت النتيجة أن بنت الخمسة عشر ربيعًا تعاني هي الأخرى من فقر الدم، فكيف تمنح هذه الطفلة الدم وهي تعاني من فقر الدم. وكم هو مؤلم موقف الرّجل وهو يجد الهمّ يحيط به من كلّ جانب.
هذه القصّة تذكّر بإحدى قصص يوسف إدريس في مجموعته الأولى»أرخص ليالي» حين كان يبيع البطل دمه من أجل أن يشتري بثمنه وجبة «طعمية» ما أدّى إلى إصابته بفقر دمٍ حاد، وهي مفارقة تجرح الوعي والوجدان.
ونرى القصّة الأخيرة «رقص» متابعة للسّياق الواقعي في قصص محمد خليل حيث تصوّر فارق السنّ بين زوجين أو عشيقين رجل جاوز الخمسين وامرأة في شبابها المبكّر، الرّجل يريد أن يلهو بالشّراب والتدخين، والمرأة تستجيب لنداء الشّباب مع حُمّى الراقصين. يحاول أن يرضيها فيدفع غضبها بالانخراط معها في حلبة الرّقص. نال التّعب من الرجل وأخذ منه مأخذه، وبدا عليه الإعياء، وبدأ جسده يتهالك، ولكنها لا تنفّك تطلب المزيد من متعة الرقص بين الشّباب المحتدم، وظلت في حلبة الرّقص بعد أن ساءت حالته وعاد به نادلان إلى حيث يجلس، وحين فرغت من الرّقص التفتت إلى المقاعد فإذا هي خالية، وبحثت عنه فلم تجده، ولكنها لم تعبأ به، واندمجت في رقصها مع الرّاقصين.
وعلى هذا النّحو نرى محمد خليل في مجموعته «ما يشبه الطّين» يعيد تشكيل الواقع وفق رؤيته للحياة والوجود، فنعثر على شخصيّات لُحمتها وسُداها من الواقع ولكنها تتّشح بالغريب والعجيب وتعيش عوالم كابوسية حيث يصبح الكابوس أشد تعبيرًا عن الواقع من الواقعي والمألوف. ومحمد خليل لا يُجِلّ وسائل التجريب ولا يصطفيها لذاتها ولكن لأنها تعبّر عن رؤيته في المقام الأوّل، هذه الرؤية التي تخترق الحجب السّميكة لتقدم لنا شخصيّات وأحداثًا تبدو مرايا لنا وللحياة والواقع والوجود. ونصوص محمد خليل كما يقول زهير أبو شايب في كلمة الغلاف: «منهمكة ليس برصد الواقع وتجلية حركاته وإحداثيّاته، بل بتفكيكه وإعادة تخيّله والنفاذ إلى رموزه ودلالاته البعيدة، لأن سطح الواقع ليس سوى سرابٍ يحجب الحقيقة ويضلّل الوعي».
محمد خليل قاص من طرازٍ أصيل وفريد يحتاج عمله إلى دراسات أعمق وأكثر أناةً وتمحيصًا.

محمد خليل: «ما يشبه الطين»
الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان 2017
88 صفحة

مجموعة «ما يشبه الطين» للقاص الأردني محمد خليل: تجاوز للنمطي والمألوف

إبراهيم السّعافين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية