يحاول النظام في مصر محاربة الإرهاب بطريقة تعمل على تعزيزه وتنميته، وليس القضاء عليه.
بدأت أجهزة الدولة المصرية مؤخراً بتنصيب كاميرات مراقبة ترصد الصوت والصورة في المساجد، وهي حادثة تاريخية غير مشهودة، لم يسبق أن سمعنا بها في الأولين ولا في الآخرين. يريد نظام السيسي مراقبة المصلين في المساجد لئلا يتهور أحدهم ويبتهل إلى الله بالدعاء ضد الظالمين والفاسدين، أو يتجرأ آخر ويقرأ على المصلين من كتاب «رياض الصالحين» من دون إذن مسبق من أجهزة الدولة.
وبينما ينشغل فريق حكومي بتنصيب كاميرات المراقبة في المساجد، ينشغل جيش آخر من المخبرين بالتفتيش في مكتبات المساجد المهجورة عن كتب حسن البنا وسيد قطب وعمر التلمساني وجابر رزق وأحمد رائف وزينب الغزالي، على اعتبار أن هذه الكتب هي التي تنظّر وتهندس للارهاب في مصر، متجاهلاً حقيقة أن تنظيم «داعش» الذي يقيم ولاية سيناء ويحارب الجيش في الشيخ زويد ويتبنى التفجيرات بين الحين والاخر، يكفر هؤلاء الكتاب جميعاً، ولو تمكن منهم لقطع رؤوسهم بالسكاكين على طريقة الجهادي جون!
يوجد في مصر حالياً أكثر من 120 ألف مسجد (الاحصائية الرسمية في 2011 تتحدث عن 108 آلاف مسجد مرخص)، وهو ما يعني أن النظام جند جيشاً جديداً من الموظفين، مهمته متابعة كاميرات المراقبة التي يجري تركيبها حالياً، وجيشاً آخر يتولى مهمة «تنظيف المكتبات» من الأفكار المرفوضة التي يعتقد النظام أنها تغذي الارهاب.
مصادرة الكتب وتركيب كاميرات المراقبة في المساجد ليست سوى واحدة من أشكال القمع والاستبداد، ولا يمكن أن تكون طريقاً لمكافحة الارهاب، لأن استئصال الارهاب يستوجب تعليم الناس وتفقيههم ومحو الأمية والقضاء على الجهل والفقر والبطالة، والبدء فوراً بتنمية اقتصادية وبشرية وسياسية، والأهم من ذلك القضاء على الفساد المالي والسياسي الذي يؤسس دوماً لحالة شعورية بالقهر والظلم لدى الفئات الضعيفة من الناس. لا يمكن أن يتم استئصال الارهاب في مصر مادامت نسبة الأمية في مصر تتجاوز الـ26٪، أي أن نحو 20 مليون شخص لم يحصلوا على حقهم في التعليم والتوعية، كما أن نسبة القابعين تحت خط الفقر تتجاوز 26٪ أيضاً، أي أن 20 مليون مصري أيضاً لا زالوا يعيشون على هامش الحياة الكريمة وليس بمقدورهم قضاء حاجاتهم، رغم أن بلادهم – أم الدنيا- فيها العدد الأكبر من المليارديرات مقارنة ببقية الأقطار العربية، أي أن فيها العدد الأكبر من الفقراء والعدد الأكبر من الأغنياء.. على المستوى العربي.
مكافحة الإرهاب في مصر واستئصالُه من عقول الجاهلين الواهمين المتورطين به تستوجب نقل جيش الموظفين العاملين اليوم على مراقبة المساجد والمصلين، والمنشغلين بنبش المكتبات وحرق الكتب، وتحويل هؤلاء مع موازناتهم إلى أعمال مدنية تنموية تخرج المصريين من الفقر، وتساهم في القضاء على الامية والجهل، وعندها نكون قد استأصلنا الارهاب من عقول الناس بالتوعية لا بالاستبداد، وسوف ننتج إنساناً قادراً على تمييز الخبيث من الطيب، وقادرا على نبذ الأفكار الداعية إلى العنف والتطرف، من دون أن يقف النظام شرطياً على عقله وتفكيره.
تحتاج مصر، كغيرها من أقطار العرب، لمكافحة الإرهاب والقضاء على الفكر المتطرف ونبذ الأفكار الداعية للعنف، لكن ما يخشاه الكثيرون أن لا يكون النظام جاداً في محاربة الإرهاب، وأن يكون مستفيداً من وجود هذه الشماعة، إذ لم يعد يفهم أحد كيف يحارب الجيش ولاية سيناء الداعشية في الشيخ زويد بمصادرة رسائل حسن البنا من مكتبات الاسكندرية؟! وكيف يتم الخلط بين الإرهاب في سيناء ومظاهرات الاحتجاج في المطرية؟! تحتاج مصر وغيرها من أقطار العرب لمحاربة الارهاب والتطرف، لكن الاستبداد لا يمكن أن يؤدي للقضاء على الإرهاب، لأن المعادلة سهلة وبسيطة وهي أن الإرهاب هو النتيجة الطبيعية لأعمال القمع والاستبداد.
يتغذى الإرهاب على اليائسين البائسين الذين أضاعوا زهرة شبابهم في السجون، وأمضوا سنوات العمر تحت سياط التعذيب، وخلف قضبان السجان، أما الوصفة الناجحة لمكافحة الإرهاب فتقوم على الانفتاح والديمقراطية واحترام صناديق الاقتراع وتوفير مناخات الحرية وحفظ الحقوق، وإتاحة الفرصة للمشاركة السياسية على قاعدة العدل والمساواة.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش