حالة تربص دائمة من قبل محامين ضد كل من يبدي رأيا في فتوى دينية قديمة أو ينتقد ما يرآه تجاوزا من رجل دين محدث، تقوم القيامة وتنهال البلاغات إلى النائب العام، وسرعان ما يصدر الحكم بالسجن عقابا على «ازدراء الأديان»، وهذا شئ أقرب لمحاكم التفتيش، ويسيء إلى دعاوى الوسطية التي تتكرر على ألسنة رجال الدين، وفي مقدمتهم مشايخ الأزهر. وسألت نفسي هل من الممكن أن يتم ذلك ضد من يزدري الأوطان ويحرض على المواطنين، ويطالب بتأديبهم؟ وهل من الممكن اتخاذ الموقف نفسه ممن يزدري الوطن وينشر الفكرة الصهيونية، كعقيدة لقطاع كبير من أباطرة المال و«الخبراء الاستراتيجيين» والليبراليين القدامى والجدد، المتطلعين إلى الدولة الصهيونية ككعبة للحريات والديمقراطية وسط غابة من الوحوش العربية الكاسرة، المستبدة والفاسدة.
ونبدأ بأكبر من يزدري الوطن ويُحَقر من شأن مواطنيه، مقاول وملياردير من أكبر أباطرة المال، اسمه حسين صبور، الوطن لديه مجمع للكسالى والمتسولين، ومن يعيشون على حساب الحكومة، التي يحرضها عليهم، وقد تعاون مع الحكومات المتعاقبة، في تدمير الاقتصاد المصري بالخصخصة، وفي القضاء على الطبقات الوسطى والفقراء ومحدودي الدخل، وتركتهم نهبا للبطالة والجوع والمرض، وحين سألته صحيفة «اليوم السابع» في حوار نشرته السبت الماضي هل يوافق على رأي السيسي بأن مصر دولة فقيرة؟ رد: «مصر فقيرة لأن أهلها كسلانين، والناس عايزة تقعد على القهوة وتلعب طاولة ويطلعوا عمرة على حساب الحكومة، وياكلوا ويشربوا على حساب الحكومة»، وعند ما سئل عن إلغاء الدعم أجاب بحسم «طبعا 100٪ ومن يحتاج نعطيه فلوس»، وقال عن إلغاء مجانية التعليم: «طبعا تتلغي، واللي مش معاه يعلم ولاده يروح يشتغل، مفيش حاجة ببلاش»(!!).
وأعاد صبور المصريين عهد الاحتلال، وزمن المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر وتقريره حول التعليم، الذي جاء فيه أن ما تنفقه الحكومة على المعارف (التعليم) إنما تنفقه على فئة من الأغنياء، وأعطى بذلك مبررا لإلغاء مجانية التعليم، بداية من عام 1884. ونسي أن مصر من أقدم البلاد اهتماما بالتعليم، وكان مزدهرا حتى نهاية عصر المماليك، وانهار مع الحكم العثماني، حين اقتصر على تحفيظ القرآن فى الكتاتيب، ودراسة العلوم الشرعية والفقهية في أروقة الجامع الأزهر.
عاد الاهتمام بالتعليم مع عصر محمد علي، أنشأ المدارس واستقدم المعلمين من أوروبا وأرسل البعثات إلى الخارج.، ووضع نواة “التعليم الرسمي”، وأقام أول نظارة (وزارة) للمعارف، وله فضل تقسيم التعليم إلى مراحل: ابتدائية وتجهيزية وخصوصية، وبعده شهدت مصر تراجعا على كل مستويات التعليم، لكن حفيده الخديوي إسماعيل استأنف مسيرة جده، وأحدث نقلة نوعية، ووضع اللوائح والنظم وبنى المدارس في المراكز والمدن والقرى، وكان كل مركز يتكفل بإنشاء المدارس واستقدام المعلمين ويوفر ما يلزم لبناء صروح تعليمية متكاملة. وظل الازدهار حتى الاحتلال البريطاني عام 1882، وألْغِيت المجانية، وفُرضت المصاريف والرسوم على جميع المراحل التعليمية.
كفل دستور 1923، للمصريين في المادة 17 حق التعليم، ونصت المادة 19 على أن «التعليم الأولي إلزامي للمصريين من بنين وبنات، وهو مجاني في المدارس العامة”. وفي سنة 1943 قدم وزير التعليم أحمد نجيب الهلالي إلى البرلمان مشروعا لإصلاح التعليم، وتمت الموافقة على مجانية التعليم طبقًا للمادة 19 من دستور 1923، وعادت مجانية التعليم الابتدائي، التي ألغاها الاحتلال بقرار صدر عام 1944. وبعد أكثر من سبعين عاما يأتي صبور وأمثاله ليكرر ما قام به اللورد كرومر ويحرم الوطن من حق اكتسبه مواطنوه بالكفاح والنضال الذي لم يتوقف.
وبقيام ثورة 1952 وإجلاء الاحتلال، بدأ معها برنامج لإصلاح التعليم، وشهد عصر جمال عبد الناصر بناء أكبر عدد من المدارس في الوجهين القبلي والبحري، وبدأ بناء الجامعات الإقليمية بجامعة أسيوط، كأول جامعة في صعيد مصر، وتم تعديل المواد الخاصة بالتعليم في دستور 1956، ونص على حرية التعليم في حدود القانون والنظام العام والآداب. وشدد على التعليم كحق للمصريين جميعًا، وألقى على الدولة مسؤولية توفيره، وإنشاء مختلف أنواع المدارس والمؤسسات الثقافية والتربوية، والتوسع فيها، وأشارت المادة 50 إلى أن التعليم إجباري ومجاني في مرحلة التعليم الابتدائي. وكان عميد الأدب العربي طه حسين قد بذل جهدا من أجل مجانية التعليم الجامعي، لكن القصر الملكي حال دون ذلك، وظل الأمر معلقًا إلى أن طبقت في عام 1962 في عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.
ولا يكتفي صبور بدعوته هذه ويصل إلى ذروة ازدرائه بتحريض السيسي على الوطن والمواطنين، وحين سئل، ماذا تقول للرئيس السيسي؟ فَرَد: «أنا عايز أقول له شد (أقسو) على الشعب، متدلعوش، إحنا (يقصد المواطنين) اتدلعنا كفاية»، ولا يكفيه ما حل بهم من مصائب بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار المواد والسلع الغذائية والاستهلاكية الضرورية والأدوية، وخفض البنك المركزي «الدولار الجمركي» لصالح أباطرة الاستيراد ووكلاء الاحتكارات الأجنبية، وترك «جنيه الغلابة» يئن من وطأة المضاربة، وضغط الحكومة في فرض الضرائب على محدودي الدخل وإشعال أسعار الأراضي والمباني، أما الوطن والمواطنون فلهم رب يتولاهم!!.
وهناك ازدراء من نوع آخر، يمارسه المطبعون وأنصار الحركة الصهيونية، وكبيرهم صلاح دياب، مهمته القفز على الماضي والحاضر الدموي والعنصري للحركة الصهيونية، وما تقوم به ضد الفلسطينيين، وضد التطلعات العربية، ويسأل لماذا نستمر أسرى الماضي؟ وهو من نشطاء مد جسور الود والعلاقة الحميمة مع الدولة الصهيونية، ودائم الإلحاح في الاعتماد عليها في مجالات التقانة المتقدمة. ومروج لصناعاتها ومنتجاتها،، كأكبر المستفيدين والوكلاء في المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط، والذين يفضلون خبراءها وفنييها في الزراعة والسياحة والغذاء والتشييد.
ويسأل في عموده الموقع باسم نيوتن في صحيفة «المصري اليوم» (22/ 02/ 2017): «لماذا لا نطور علاقاتنا بإسرائيل؟ لماذا لا نستفيد من تقدمها في مجال التكنولوجيا التي حققت فيها تطورا كبيرا؟ لماذا نستمر أسرى الماضي؟ نتعامل مع إسرائيل على استحياء؟ ننسى أننا أمة عظيمة يمكن أن نتعامل مع أي بلد على ظهر الكرة الأرضية حتى لو كان عدواً في الماضي، لكنه لم يعد كذلك؟ بالتأكيد سنكون المستفيد الأكبر من تطوير علاقاتنا مع إسرائيل، فصناعة التكنولوجيا تشكل نحو 50٪ من صادرات إسرائيل، ليس هذا فحسب بل إنها ستكون دولة عظمى في مجال الابتكار والبحث العلمي بحلول عام 2024، حيث تواصل تشجيع إقامة مئات الشركات الناشئة سنويا والاستثمار في ذلك». وضرب مثلا بأردوغان، الذي لا تتوقف تطلعاته عند الاستفادة من ذلك، بل إنه نجح في عقد 3 اتفاقات أساسية في مجالات السياحة والزراعة والاتصالات، لم تحظ دولة عربية باتفاق مشابه، ولا حتى بنصف هذه الصفقة ثم نجلس ونسبُّ أردوغان فمن نلوم: أنفسنا أم أردوغان؟».
لماذا لا يتم تجريم إزدراء الأوطان كما يحدث مع إزدراء الأديان. أم أن من يزدرون الأوطان مسنودون وأباطرة على رأسهم ريشة!!
٭ كاتب من مصر
محمد عبد الحكم دياب