محام سوري يروي ذكرياتهُ مِنْ باب توما إلى بوابة بلِس

حجم الخط
0

يعيد توما عريضة في كتابه «من باب توما إلى بوابة بلِس»، الصادر عن دار رياض الريّس، بيروت، 2012، كتابة تاريخ عائلته عبر نهر من الذكريات، يمتد من حي باب توما الدمشقي العريق إلى شارع بلِس في بيروت، والمعروف أن باب توما هو واحد من أشهر أحياء دمشق القديمة، الذي تسكنه أغلبية من المسيحيين، أما شارع بلِس فهو أيضاً واحد من أهم شوارع بيروت، الذي تمتد على طوله الجامعة الأمريكية.
يستعرض المحامي توما عريضة في كتابه فصولا من سيرة حياته الممزوجة بالسياسة والحب والحرب. عبر حكايات تتعلق بالتجارة والاقتصاد والعشق، حيث تمتد أصول عائلة عريضة الدمشقية إلى جدها المسيحي العثماني الأرثوذوكسي من القسطنطينية، ولها جذور في العراق وسوريا وفلسطين، يؤكد توما عريضة على أن حكايته مع الشام من أحلى حكايات حياته، يقول: ولدت في بيروت وفيها عشت، لكن الشام كانت بالنسبة لي «القرية» التي لم أعرفها كمعظم أترابي في المدرسة، وهذا ما كان يسبغ عليها نكهة خاصة ومحبّبة، في الشام تفتحت حواسي ولا يمكنني أن أذكر الشام بدون أن تفوح روائحها مع الذكريات.
ويؤكد عريضة أنّ جده توما عريضة بنى البيت في أواخر القرن التاسع عشر في دمشق وفيه وُلِدَ والدي سنة 1900. ويتذكر عريضة بعض الأماكن الدمشقية في طفولته، الغوطة وتسمى اليوم ريف دمشق كانت تلك الأيام وخلال عطلة الفصح مزيجاً لا ينفصم من مساحات بيضاء ناصعة من رائحة زهرة المشمش على الأشجار وعلى الأرض وعلى الطريق، سوق البزورية، وهو سوق صغير يمتد بين سوق الحميدية وشارع مدحت باشا، أبرز الولاة أيام السلطنة العثمانية، والسوق متخصص ببيع العطور والأفاويه والأعشاب المجففة التي تستعمل في التطبيب وللعلاج، ورائحة سوق البزورية مازالت في خلاياي وهذا السوق مازال قائماً.
أمّا اليوم فإن دمشق تحاول لملمة جراحها، التي أتتها الرماح من كلِ حدب وصوب، حيث يصف موقع بيت جده في حارة «الجوانيّة» وفي «طالع الفضة» من جهة شارع مدحت باشا مثلاً، يقول: «في هذا السرداب دخنت أول سيجارة، وقبّلت أول فتاة».
إنه يحاول المزج بين الحقائق وإيصالها بأسلوب مرح. قارئ كتاب توما عريضة يشعر بالمرح والضحكات ستظل ترافقه حتى الانتهاء من القراءة، وإن تخللها شيء من الحسرة على أحداث مرّ بها لبنان وسورية. وقد كان شعار الكاتب في هذه الدنيا «وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور». مع إيراده بعض الحقائق التي عكّرت تقدم هذا الشرق بكل مكوناته الاجتماعية والسياسية، حيث يعود بنا توما عريضة إلى مرحلة غابرة من تاريخ المنطقة ممزوج بالأسى واللوعة على سنوات مرت مزدحمة بالأزمات، وكأن عريضة يستعيد بكتابه الأزمات الراهنة التي تضرب أكثر من بلد عربي، ويذكر على استحياء بعض الازدهار والحياة المنفتحة التي عاشتها بعض بلدان المنطقة في أوائل السبعينيات، ولا سيما لبنان الذي دفع ثمناً باهظاً لانفتاحه على الغرب، حيث الحرب الأهلية التي اندلعت شرارتها في نيسان/أبريل 1975 وقد أفرد لها فصلاً كاملاً كان الكاتب حزيناً على ما حلّ ببلد مثل لبنان بصغر حجمه، ولكن يكاد تأثيره يصل إلى كافة أنحاء العالم، بين هاتين المنطقتين تقع ذكريات عريضة، يعود إلى زمن العهود السعيدة من الأربعينيات إلى أواخر السبعينيات، حيث ازدهرت الحياة الحديثة، قبل أن تنفجر مدن المشرق العربي بالأزمات الكبرى، إما بحروب أهلية – إقليمية، أو بانهيارات سياسية اقتصادية، وتطبق عليها العصبيات المتقاتلة والكارهة للحداثة.
لقد كان توما عريضة موضوعياً في رواية سيرة حياته بكل شخوصها وزمانها، ذلك اللبناني الهوية، السوري الهوى الذي عاش حياة برجوازية لبنانية، متشحة بالفرح والمرح.
لقد قدم توما عريضة سيرة حياته بشكل عفوي بدون تصنع قدم الحقيقة كاملة، أورد الأمكنة من شوارع وبيوت، وجعل القارئ يتفاعل معها، خصوصاً أن لبعضها وقعا خاصا من خلال التفاعل اليومي معها.
وقد ورد في بعض الروايات تسمية الحي الذي وُلد فيه باب توما باسم القديس توما، وفي رواية أخرى أن البيزنطيّين هم من أطلقوا على أبواب دمشق أسماء القديسين، لقد ترك موقع دار الجد توما في نفس الكاتب أثراً كبيراً منذ طفولته.
ومن ثم ينتقل الكاتب، إلى وصف علاقته بدمشق، حيث يقول: لي مع الشام حكايات حب مكبوت بقي كذلك لسنوات حتى تحررت من عقدة عدم الجهر به فاسترحت، فأنا ولدت في بيروت وعشت فيها طفولتي وشبابي وأعيش فيها اليوم كهولتي ولا أقبل أن تنازعها مدينة أو بلدة. بالنسبة لي، الشام تعني الشام القديمة ـ بيتنا في الجوانية ـ المغروسة في حواسي. نظم الأخوان رحباني وغنت فيروز:
هنا التراب من طيب ومن طرب وأين في غير شامٍ يطرب الحجر؟
نعم الحجر في الشام يحيا ويعرق وينتعش ويطرب لكنه لا يموت. هذه شَامي حتى اليوم لم ينتزعها مني أحد. ولن يفعل أحد. لكنني أدركت بعد حين أن الشام التي عرفتها باقية. أليست الفردوس الذي يُحكى أن الرسول(ص) رفض دخوله عندما وصل إلى أحد أبوابه قائلاً «لا أدخل الجنة مرتين» وهو القائل عليكم بالشام إن كثرت الفتن. نتمنى أن يُنظر إلى قول الرسول هذا بكل جديّة للعودة إلى الأمان والاطمئنان، يردد عريضة قول الأخطل الصغير الشام في جوارحي:
قالت تحب الشام، قلت جوانحي مقصوصة فيها وقلت فؤادي

٭ كاتب سوري

محام سوري يروي ذكرياتهُ مِنْ باب توما إلى بوابة بلِس

عبد الرحمن مظهر الهلوش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية