إن مسألة مستقبل سورية، لاسيما مسألة النفوذ والوجود الإيراني فيها، ستكون في مركز لقاء رئيس الوزراء نتنياهو مع الرئيس بوتين. وتدور حول الطاولة سيناريوهات محتملة تستعد لها إسرائيل، في مواجهة جملة الاعتبارات الاستراتيجية التي ستؤثر في سياسة إيران. التهديد الإيراني من سورية لا يشكل تحديا أمنيا لا يطاق لإسرائيل في الوقت الحالي وعلى ما يبدو في المستقبل أيضا لاسيما إذا استغلت إسرائيل بشكل حكيم سلسلة الأدوات التي تحت تصرفها لتقليص السيطرة الإيرانية ولجم التهديد الإيراني في الساحة السورية.
مع نشوب الحرب الأهلية في سورية وقفت إيران إلى جانب الرئيس بشار الأسد. وكلما مر الوقت والتهديدات على استقرار نظام الأسد تعاظم تعمق التدخل الإيراني في الحرب. ودفع إلى ميدان المعركة بمليشيات شيعية تتشكل من أجانب (عراقيين، أفغان وغيرهم) وكذا حزب الله ـ والكل بتوجيه من طهران ـ إلى جانب وحدات من الحرس الثوري والجيش الإيراني. وكان مبعوثو إيران القوة الأساس البرية المقاتلة في التحالف المؤيد للأسد، الذي تبلور بقيادة روسيا في خريف 2015.
اليوم، يقدر عدد المقاتلين في المليشيات الشيعية بنحو 20 ألفا. ويقدر عدد المقاتلين الإيرانيين في سورية بأقل من ألف، ولكن النفوذ الإيراني، السياسي والعسكري واسع وشامل. وتتركز المصالح الإيرانية في سورية في حماية واستقرار نظام الأسد الذي هو حليف استراتيجي لطهران، وفي تثبيت مسار وصول وتوريد السلاح لحزب الله في لبنان. تتطلع إيران لتثبيت المجال السوري قلب «الهلال الشيعي»، الذي يخضع لنفوذها وينتشر من طهران، عبر بغداد ودمشق حتى بيروت وشاطئ البحر المتوسط. إلى جانب ذلك، تسعى إيران إلى استخدام إنجازاتها ونفوذها في سورية لبث قوة تجاه إسرائيل وتوسيع منطقة الاحتكاك مع إسرائيل وتعظيم التهديد عليها.
تنظر إسرائيل بقلق إلى الترسخ الإيراني في سورية. على أساس التدخل العسكري الإيراني إلى جانب روسيا فإنها احتلت مكانا مركزيا في محاولة الدفع إلى الأمام بسياقات التسوية في سورية واستقبلت في الساحة الدولية عنصرا شرعيا بين القوى المؤثرة في مستقبل سورية. تقدر إسرائيل بأن ترتيبات وقف النار وإقامة مناطق تهدئة، لاسيما في جنوب سورية ستمنح إيران وفروعها سيطرة في المنطقة، إلى جوار حدودها في هضبة الجولان. في القدس لا يكتفون بالوعد الروسي بإبعاد القوات الشيعية التي تحت القيادة الإيرانية عن هضبة الجولان وإسرائيل أعلنت أنها لن تحتمل أي وجود عسكري لإيران وفروعها في سورية. ويسافر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى لقاء عاجل مع الرئيس بوتين في سوتشي (23 آب) كي يعرب عن معارضة إسرائيل لآثار اتفاق وقف النار. وكخطوة أولية أرسل وفدا من كبار رجالات جهاز الأمن الإسرائيلي إلى لقاءات في الولايات المتحدة مع قادة مجلس الأمن القومي لإقناعهم بدعم الموقف الإسرائيلي، الذي يرفض الوجود الإيراني في سورية. والرسالة الإسرائيلية هي أنه إذا ما تحققت المخاوف بشأن الوجود الإيراني على حدود إسرائيل، فإنها كفيلة بأن تغير سياسة «الجلوس على الجدار»، التي انتهجتها منذ 2011، والتدخل بشكل نشط في ما يجري في جنوب سورية.
إن السعي الإيراني إلى نفوذ إقليمي متزايد يقلق إسرائيل من عدة جوانب، الأساسي منها هو التهديد الإيراني في الساحة الشمالية. في الدائرة الأولى في جنوب سورية كفيلة إيران بأن تنشر فروعها، أولا وقبل كل شيء حزب الله وإلى جانبه مليشيات شيعية برعاية التعاون مع الجيش السوري الموالي للرئيس الأسد، على مسافة تسمح بالوصول السريع إلى مجال الحدود في هضبة الجولان. وهكذا تنشأ جبهة أخرى من المواجهة المحتملة بين حزب الله وإسرائيل، بالتوازي مع الجبهة اللبنانية ـ التطور الذي تريد إسرائيل الامتناع عنه. في الدائرة الثانية، تعمل إسرائيل بشكل متواصل كي توقف تعاظم قوة حزب الله في سورية وفي لبنان، بعد أن زودت إيران المنظمة بآلاف الصواريخ والمقذوفات الصاروخية وطائرات غير مأهولة، يمكنها أن تمس الجبهة الداخلية الاستراتيجية والمدنية لدولة إسرائيل. إن الوجود الإيراني في سورية يسمح بالوصول المباشر والمريح للمساعدات إلى حزب الله وكذا التعظيم للتهديد المباشر تجاه إسرائيل. إضافة إلى ذلك، ينشأ الخوف بأنه مع استقرار الوضع في سورية، ستتقيد حرية العمل الإسرائيلية ضد إرساليات السلاح إلى حزب الله عبر الوساطة السورية.
الدائرة الثالثة الأوسع هي تثبيت السيطرة الإيرانية في سورية كلها، الكفيلة بأن تتحقق عبر عدد من مستويات التدخل:
1. تحويل سورية إلى مركز لوجستي إيراني، معزز بوساطة رواق وصول وتوريد في البر والجو عبر العراق ويتضمن بنى تحتية لإنتاج السلاح، دعم لوجستي وتسليح فروع إيران في المنطقة.
إقامة «حزب الله سورية»، مثل أنموذج حزب الله في لبنان والمليشيات الشيعية الشعبية في العراق. وذلك من خلال دمج وحدات علوية محلية مع مليشيات متطوعين شيعة أجانب (عراقيين وأفغان). وتتضمن مهام هذه القوة حماية النظام والذخائر الإيرانية في سورية، إلى جانب التهديد لإسرائيل. إمكان ـ بحثت مؤخرا هي ـ إقامة وحدة متطوعين لتحرير هضبة الجولان، تنفذ عمليات حرب عصابات عسكرية في الحدود، بما في ذلك ضعضعة استقرار الأردن وفتح جبهة سورية في سيناريو حرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.
3. جعل سورية مثابة دولة مرعية إيرانية، في مسيرة بطيئة وتدريجية تكتسب إيران لنفسها نفوذا شاملا على المجال السوري وتوثق رباطها بـ «الهلال الشيعي» من خلال ذخائر وروافع سياسية، اقتصادية، عسكرية واجتماعية ـ ديمغرافية. هذا الوضع يوسع مجال الاحتكاك مع إسرائيل ويسمح بتفعيل طيف من التهديدات، يدمج قدرات من السيناريوهين 1 و 2.
في محاولة لتقدير احتمالات تحقق السيناريوهات موضع الحديث، ينبغي مراعاة سلسلة اعتبارات واضطرارات تؤثر في حجم وشكل تدخل إيران في سورية. أولا، توجد أهمية كبيرة للعلاقات مع روسيا وللمنافسة معها على السيطرة في المجال السوري.
في إيران ستجتهد كي لا تصطدم بروسيا، لأن الضرر المحتمل عليها من مثل هذه المواجهة أوسع من الضرر المباشر الذي سينطوي على تقليص نفوذها في سورية؛ ثانيا، تخشى إيران من مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة؛ ثالثا، يجب الأخذ بالحسبان الرغبة الإيرانية في الامتناع عن مواجهة مع إسرائيل في الوقت الحالي، الأمر الذي لا يخدم مصالحها الأخرى ـ كحماية البنى التحتية النووية؛ رابعا، المعارضة المتوقعة من جانب دول المنطقة (تركيا، السعودية، الأردن بل والعراق، الذي يهتز فيه النفوذ الإيراني) على السيطرة الإيرانية في سورية والخطر في الصراع ضدها؛ خامسا، قوة المعارضة الداخلية في سورية من جانب السكان السنة ومنظمات الثوار، للوجود الإيراني ونفوذها المتعاظم في أراضي الدولة؛ وأخيرا، في نظرة إيرانية داخلية ـ في «ملف سورية» يوجد إمكان تفجر كبيرة. فالمقدرات التي يمكن استثمارها في مشروع إعمار سورية محدودة. فضلا عن ذلك، في إيران ينطلق انتقاد على التدخل في سورية ومن شأنه أن يتعاظم إذا ما وقعت خسائر أخرى في الأنفس وفرضت عقوبات دولية بسببه. وبالتالي، من الصعب الافتراض أن لدى إيران خطة معدة للسيطرة على سورية وتحويلها إلى «دولة مرعية» بكامل معنى الكلمة ويبدو أنه على المستويات العملية والفورية على حد سواء، لإيران مصلحة في عدم إبراز وجود قواتها وقدراتها العسكرية في سورية، بل غرسها في الجيش السوري وفي البنى التحتية الأمنية القائمة في الدولة. تنطوي السيناريوهات والاضطرارات المختلفة أيضا على فرص بالنسبة لإسرائيل، يمكن استغلالها من خلال بلورة رد متداخل تندمج فيه عناصر القوة الرقيقة والشديدة، نشاط مستقل وتعاون مع لاعبين من القوى العظمى، اقليميين وسوريين داخليين:
أ. على المستوى العسكري، تتعاظم القدرة العملية على المس بالذخائر الإيرانية في سورية. في سياق أوسع، ستسمح هذه القدرة لإسرائيل بمواصلة بث الردع وقوة الإضرار في المجال السوري واللبناني. وذلك، وسيلة لممارسة الضغط على إيران ونظام الأسد لتأخير نشاطهما في جنوب سورية، وتشجيع روسيا على الاستجابة لمطالب إسرائيل في تقييد الوجود والنفوذ الإيراني في هذه المنطقة. في هذا الاطار، على إسرائيل أن تنظر في تحطيم سقف التوقعات منها من جانب اللاعبين في المجال، مثلا في رد غير متوازن من جانبها على «تسلل النار» إلى أراضيها مهاجمة ذخائر إيرانية في عمق سورية.
ب. التركيز على جنوب سورية في محاولة لخلق تأثير في هذا المجال، كمنطقة فاصلة بينها وبين القوى المؤيدة للأسد والفروع الإيرانية. وذلك، من خلال تعزيز العلاقة مع مصادر قوة محلية ومنح مساعدة لانتظامها، إلى جانب تصعيد المساعدة الإنسانية والمدنية في المجال (بنى تحتية، طب، زراعة وغيرها) خطوات وقائية ضد التسلل الإيراني.
ج. حيال روسيا يجب طرح أربعة مطالب أساسية: انخراط إسرائيلي (من خلف الكواليس على الأقل) في المداولات على مستقبل سورية؛ إشراف ورقابة روسية لمنع وجود إيران وفروعها في جنوب سورية في مسافة 40 كيلو مترا عن الحدود على الأقل؛ منع استخدام إيران للذخائر الاستراتيجية الروسية (الموانئ والمطارات)؛ ومنع تسلل السلاح الروسي إلى حزب الله والمليشيات الشيعية.
د. بالنسبة للولايات المتحدة، برغم أن إدارة ترامب تضع في الأفضلية العليا هزيمة داعش فإنها معنية بالوصول إلى تسوية في سورية بالتعاون مع روسيا وفي ظل مراعاة مصالح إسرائيل. وبالتالي، مطلوب وضع استراتيجية مع الإدارة في واشنطن في الموضوع السوري والإيراني، مع التشديد على أن الأفكار السلفية ـ الجهادية لن تتبخر بعد هزيمة داعش وأن التطوع في الصفوف الجهادية السلفية سيتواصل في ضوء الهيمنة الإيرانية في المجال العراقي ـ السوري ـ اللبناني. من الحيوي إقناع الإدارة بالحاجة إلى خلق فاصل في الهلال الشيعي، بما في ذلك مواصلة دعم حكومة العبادي في العراق، بشكل يقلل النفوذ الإيراني ويضع تحديات في قدرتها على الوصول إلى سورية. وبالتوازي، يجب ربط الولايات المتحدة للمشاركة في آلية الرقابة على اتفاقات وقف النار في سورية وانفاذها، في إعمار المجال المدني في جنوب سورية وفي خلق قوى محلية معارضة للنفوذ الإيراني. كل هذه الخطوات يمكن تحقيقها بالتعاون مع الأردن.
هـ. على المستوى الدولي، سيكون من السهل أكثر تسويد صورة إيران كجهة تآمرية ومخلة للاستقرار، عبر تجسيد الأضرار التي تلحقها باستقرار سورية وسعيها إلى توسيع الاحتكاك مع إسرائيل والدول المجاورة لسورية. والعمل ضد التآمر الإيراني يشكل منصة لإقامة تعاون بين إسرائيل ولاعبين آخرين في المنطقة ممن يتقاسمون معها مصالح متشابهة وفي مركزها مقاومة النفوذ الإيراني في الهلال الخصيب.
وحيال لاعبين سوريين داخليين، مهم الاستثمار الإسرائيلي في تعزيز الدعم وتوثيق العلاقات مع مصادر قوة سنية، دروز وأكراد، بهدف تحدي الوجود الإيراني بجوانبه كلها ـ السياسية، الاقتصادية والعسكرية. إلى جانب ذلك، بالتعاون مع الولايات المتحدة، ينبغي تعزيز العلاقات مع الأكراد في شمال سورية وتجنيدهم للصراع ضد النفوذ الإيراني في شمال شرق سورية، وذلك أيضا من أجل تقييد خلق الرواق الشيعي من العراق.
وأخيرا، على إسرائيل أن تعرض موقفا واضحا في مسألة مستقبل سورية. مثل هذا الموقف يجب أن يتضمن تأييدا للخطوة الروسية للحل الذي يقوم على أساس المبنى الفيدرالي بموجب علاقات القوى الداخلية في سورية. وهكذا سيكون ممكنا صد سعي إيران إلى الهيمنة في سورية ومنع تثبيت قوتها في دمشق من خلال حكم مركزي موجه من طهران. على الموقف الإسرائيلي أن يتضمن أيضا مطالبة بخروج القوات الأجنبية من سورية، مع التركيز على حزب الله والمليشيات الشيعية بسبب كونها مصدرا لعدم الاستقرار والصراعات المتواصلة في داخل سورية. إضافة إلى ذلك، على إسرائيل أن تعرب عن معارضتها لمواصلة حكم الأسد، وبالأساس لاعتبارات إنسانية وأخلاقية. مهما يكن من أمر، الزمن الحالي لا يعتبر التهديد الإيراني في سورية تحديا أمنيا لا يطاق لإسرائيل. لاسيما في ضوء سلسلة الوسائل التي تحت تصرفها، التي على أساسها ستتمكن من العمل على تقليص النفوذ الإيراني في الساحة السورية والتهديدات الكامنة فيه.
نظرة عليا 25/8/2017
أودي ديكل وكرنيت فلنسي