محاولات التوصل إلى اتفاق قد لا تمنع هجوم الأسد على إدلب

حجم الخط
0

حوالي 1.5 مليون مواطني سوري، وحوالي مليون منهم مهجرين، ينتظرون بخوف الهجوم الكبير الذي يخطط له الجيش السوري على مدينة إدلب ومحيطها. الأمم المتحدة سبق أن أرسلت تحذيرا شديدا بأن الهجوم على إدلب سيؤدي إلى هرب حوالي 800 ألف شخص. الولايات المتحدة تحاول مع روسيا تنسيق خطة من التفاهمات مع المتمردين الذين يسيطرون على إدلب من أجل منع هجوم عسكري، ولكن هذه الجهود فشلت حتى الآن. في الوقت نفسه، فإن روسيا تدير مفاوضات مستقلة مع قيادات الميليشيات، إلى جانب شريكتها تركيا، من أجل إيجاد حل يمنع الهجوم.
إدلب تعتبر المعقل المهم الأخير للمتمردين الذي تجمعوا فيها من أرجاء الدولة خلال السنوات الثمانية للحرب. اتفاقات وقف إطلاق النار التي بادرت إليها سوريا مع مليشيات المتمردين في جنوب سوريا وحلب وحماة ومدن أخرى، تضمنت من بين ما تضمنته، بنودًا تسمح لمقاتلي الميليشيات الانتقال مع سلاحهم إلى إدلب، التي تحولت إلى هدف حصين يوجد لكل مليشيا فيه منطقة سيطرة خاصة بها. عدد من الميليشيات سبق ووافقت على إجراء مفاوضات مع الروس، وحتى أنه لعدد منها اقترح الاندماج في الجيش السوري، لكن مليشيات أخرى أعلنت أنها سترفض أي مفاوضات مع النظام أو مع روسيا.
وعلى وجه الخصوص، فإن جبهة النصرة المتفرعة عن القاعدة والتي تعدّ منظمة إرهابية من قبل كل الأطراف، أوضحت أنها مستعدة لإجراء المفاوضات والتعاون، لكن وبدون موافقة كل الميليشيات فمن المشكوك فيه أن تكون هناك إمكانية لمنع القوات السورية من السيطرة العنيفة على المدينة. وبهذا فثمة إنهاء لمرحلة المواجهات العسكرية الكبيرة، بالانتقال إلى العمليات الدبلوماسية.
الجدول الزمني الذي حدد لتجديد المبادرة السياسية لا يترك زمنًا كبيرًا. في بداية الشهر القادم يتوقع أن يجري لقاء مشترك بين مبعوثي روسيا وإيران وتركيا من أجل الإعداد للقاء بين ممثلي المتمردين والنظام السوري. وفي 14 أيلول القادم سيعقد، في جنيف وبرعاية الأمم المتحدة، مندوبو ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن ومصر والولايات المتحدة أيضًا، لقاء لبحث الدستور المستقبلي في سوريا. يصعب توقع نتائج عملية من اللقاء في جنيف، الذي لن يشارك فيه ممثلو النظام السوري أو ممثلو روسيا، ولا حتى ممثلو المتمردين. يبدو أن النية هي إظهار نوع من التدخل الدولي الذي يحاول طرح بديل لخطوات روسيا.
السؤال الرئيسي هو: هل المعركة على إدلب ستبكر هذه اللقاءات أم أنها ستجري في ظلها؟ الأسد من ناحيته لا ينتظر، فهو يحرك قواته الآن نحو إدلب. زيارة وزير الدفاع الإيراني، أحمد خاتمي، إلى دمشق في هذا الأسبوع هدفت، ضمن أمور أخرى، تنسيق الخطوات العسكرية المتوقعة في المنطقة. أما إسرائيل والغرب فقد اهتزوا حقًا من التصريح العلني عن الاتفاق الذي وقع بين سوريا وإيران من أجل إعادة بناء الجيش السوري على أيدي إيران، ولكن حسب أقوال الملحق العسكري الإيراني في دمشق، أبو قاسم علي نجاد، فإن الحديث يدور فقط عن المرحلة الأولى من المساعدة في إخلاء حقول الألغام، واقتراح بناء مصانع لإنتاج السلاح في سوريا.
خاتمي هو وزير الدفاع الإيراني الأول منذ عشرين سنة، الذي لم يأت من صفوف حرس الثورة، لقد عينه في منصبه هذا الرئيس حسن روحاني بسبب الخلاف الشديد الذي ثار بينه وبين قيادة حرس الثورة حول السيطرة على موارد الدولة الاقتصادية، والضرر الذي أصاب الدولة بسبب سيطرة حرس الثورة الإيراني على أكثر من نصف اقتصاد إيران. روحاني قرر، بناء على ذلك، إقالة وزير الدفاع السابق، حسين دوخان، الذي هو من حرس الثورة، والذي عين مستشارًا للزعيم الأعلى علي خامنئي لشؤون الإنتاج الحربي، بل وأعلن أنه ينوي التنافس في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في عام 2021 «من أجل إنقاذ الدولة». هذا لا يعني أن خاتمي يتفق تمامًا في كل الأمور مع الرئيس، لكنه ـ خلافًا لسلفه ـ ينسق معه خططه العسكرية.
يجدر التعامل مع تصريحات خاتمي بشأن إعادة تأهيل الجيش السوري بتشكك، وفي الأساس بسبب التكلفة العالية التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات. خزينة إيران الغارقة في أزمة اقتصادية عميقة ستجد صعوبة في أن تتحمل وحدها هذه التكاليف، كما أن سوريا هي أصلاً مدينة لإيران بـ 6 مليارات دولار مقابل خطوط الاعتماد التي وفرتها لها إيران، إضافة إلى تكلفة تدخلها العسكري في سوريا واليمن التي تقدر بـ 16 مليار دولار. أما الخوف من أن يمتزج الجنود الإيرانيون أو الميليشيات المؤيدة لإيران داخل الجيش السوري، فيثير التساؤلات، فمن سيقود وحدات مختلطة كهذه التي فيها عدد من المقاتلين لا يتحدثون العربية؟ هل ستوافق القيادة السورية على إقامة وحدات إيرانية منفصلة تتلقى أوامرها من قادة إيرانيين؟ لا يمكن أيضًا مقارنة الميليشيات الشيعية العاملة في العراق بالتمويل والتدريب الإيراني لتلك التي ربما ستقام في سوريا، إذ إنهم في العراق هم مواطنون عراقيون تجندوا للمليشيات، في حين أنهم في سوريا سيكونون جنودًا أجانب.
إضافة إلى ذلك، ثمة اقتراح روسي على الطاولة لمزج مقاتلي الميليشيات المتمردة في الانضمام إلى صفوف الجيش السوري، ولكن هؤلاء المقاتلين بالتأكيد لن يوافقوا على الخدمة في جيش تشارك فيه وحدات إيرانية. وإذا كان الأمر كذلك، يبدو أن تصريح خاتمي هدف في الأساس إلى استعراض تصميم إيران على البقاء في سوريا والنضال من أجل مكانتها كدولة مؤثرة على الدولة التي ستقوم بعد الحرب. هنا ينتظر إيران صراع شديد مع روسيا من جهة ومع الولايات المتحدة وإسرائيل من الجهة الأخرى.
حسب أقوال جون بولتن، المستشار الأمريكي للأمن القومي، فإن روسيا اقترحت إجراء «إعادة انتشار» للقوات الإيرانية مقابل أن تسحب الولايات المتحدة جنودها من أراضي سوريا. لقد كشف بولتن أيضًا أن نظيره الروسي طلب منه أن يطرح خطة حدود أمريكية يحدد فيها الأمريكيون المكان الذي تتمركز فيه القوات الإيرانية، أي أنه لن يكون هناك انسحاب إيراني كامل، إنما تحديد لمناطق وجودهم. بولتن أوضح أنه رفض الاقتراح وأن الولايات المتحدة متمسكة بموقفها؛ بأنه على كل القوات الإيرانية الانسحاب. وردًا على ذلك، خرجت المتحدثة بلسان وزارة الخارجية الروسية، ماريا زخروفا، بتصريح هجومي قالت فيه إن على قوات الولايات المتحدة أن تخرج أولامن سوريا قبل أن تطلب الولايات المتحدة خروج قوات أخرى. «أين وكيف ولأي هدف تنتشر القوات الأمريكية في سوريا؟ على أي قاعدة ومع من اتفقت على دخولها إلى سوريا؟»، سألت زخروفا.
في موازاة ذلك، اتهم متحدثون روس الولايات المتحدة بأنها تمنح رعايتها لآلاف مقاتلي داعش وإرهابيين آخرين في منطقة خلف حدود تنف، التي تسيطر عليها القوات الأمريكية. يبدو أيضًا أن تحذيرات إسرائيل بأنها ستعمل ضد الوجود الإيراني في سوريا لا تؤثر في الوقت الحالي على روسيا، لكن استعداد روسيا لعقد صفقة متبادلة تتمثل في سحب القوات الأمريكية مقابل سحب القوات الإيرانية، تدل على أن إيران لا يمكنها الاعتماد على شريكتها روسيا في كل الأزمات. إضافة إلى ذلك، يتضح من الحوار السياسي الذي تديره روسيا مع الإدارة الأمريكية أنه من شأن إيران الاستنتاج بأن روسيا تستخدمها كورقة مساومة وتستغل اعتمادها عليها بصورة جيدة كإحدى الدول الوحيدة التي رفضت الخضوع للعقوبات الأمريكية.
المنافسة مع روسيا على الصعيد المدني في سوريا تم حسمها هي أيضًا. إيران وقعت حقًا قبل حوالي سنة على مذكرة تفاهم لإنشاء شبكة هواتف محمولة في سوريا، وعلى شراكة في استخراج الفوسفات، ولكن المذكرة بقيت على الورق وحت الآن لم تنفذ على الأرض. سوريا تفضل شراكة تجارية مع الصين وروسيا على الشراكة مع إيران، وهي تستخدم بيروقراطيتها الشديدة من أجل تأخير وإحباط صفقات تجارية مع إيران. روسيا، وليس إيران، حصلت على حقوق حصرية لتطوير وإعادة إعمار حقول النفط السورية، وإنشاء مصاف للنفط، وتأهيل عمال سوريين، وهي ستكون الدولة الرائدة في إعادة الإعمار المدني للدولة الذي يقدر بمئات مليارات الدولارات. في المعارض التجارية التي أقيمت في سوريا في السنتين الأخيرتين، كانت تلك شركات روسية وصينية وآسيوية، هي التي حظيت بأفضل الصفقات، في حين أن شركات إيرانية اضطرت للاكتفاء بالفتات. ومقابل إيران فإن روسيا تستطيع إقامة شراكة مع شركات غربية وآسيوية ستضمن تسويق النفط السوري عندما يعاد ضخه بكامل القدرة، في حين أن إيران ستجد صعوبة ليس في خلق اتحادات تجارية فحسب، بل في تسويق النفط أيضًا في الوقت الذي تكون فيه العقوبات الأمريكية عليها سارية المفعول.
ولكن الاعتبارات الدولية والمناورات الاستراتيجية التي تشغل الدول العظمى ودول المنطقة لا تقلق سكان إدلب الخائفين. حتى قبل بدء المعركة العسكرية على المدينة ومحيطها، هم خاضعون لسلطة إرهاب مليشيات محلية تقوم بالاختطاف والاعتقال والقتل ضد مواطنين متهمين بالتعاون مع النظام، أو مساعدة داعش. وهم يسمعون تعهد الأسد في «تصفية الإرهاب في إدلب» وتصريحات وزير الخارجية الروسي سرجيه لافروف بأنه في لقائه مع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير تعهد بـ «تطهير هذا الدمل» في إدلب. هم لا يستطيعون توقع أن تقوم القوات المهاجمة وطائرات القصف بالتمييز بين الإرهابيين والمدنيين. تركيا التي أقامت في منطقة إدلب عددًا من مواقع المراقبة وحملت على عاتقها جزءًا من المسؤولية على تطبيق اتفاق المناطق الآمنة، لا تستطيع أن توفر لهؤلاء المواطنين الحماية المناسبة، وليس هناك أي قوة دولية أخرى يمكنها منع مذبحة متوقعة. أما من حيث وجهة نظر هؤلاء السكان، فإن كل حل دبلوماسي سيأتي متأخرًا جدًا.

هآرتس 31/8/2018

محاولات التوصل إلى اتفاق قد لا تمنع هجوم الأسد على إدلب
في الوقت الذي تريد فيه الدول العظمى وقفه فإن روسيا تستكمل تمركزها في سوريا
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية