واشنطن ـ «القدس العربي»: زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى سانت بطرسبرغ لم تقتصر بالطبع على تبادل المجاملات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو استعادة العلاقات الاقتصادية التي تضررت بعد اطلاق النار على طائرة حربية روسية من قبل تركيا في تشرين الثاني/نوفمبر، وهي بالتأكيد أكثر من رغبة في استئناف الحوار أو الحصول على «صديق عزيز» سيقوم ببناء محطة للطاقة النووية أو استكشاف خيارات انهاء القتال في سوريا.
والزيارة، بالتأكيد، ليست تمثيلية سياسية للعلاقات العامة، خالية من المعنى، بل هي تعبير عن غضب جامح تجاه رد الفعل الأمريكي والأوروبي المريب على محاولة الانقلاب ومحاولة لفرض معادلة جديدة في علاقات تركيا. فما حدث وفقا لرؤية تركيا أمر مثير للاستغراب، فالولايات المتحدة التي تعتبر حصنا للديمقراطية وحليفا طويل الأمد في حلف شمال الاطلسي منذ تأسيس الجمهورية التركية لم تتخذ موقفا حازما ضد «الخونة» في الليلة المزعجة للانقلاب، وكان بيان وزير الخارجية جون كيري الذي أعرب فيه عن «أمل عودة السلام والاستقرار للبلاد» هو البيان الوحيد الذي صدر عن الولايات المتحدة، وبطبيعة الحال، فان الهدف الأمريكي الرائع بالسلام والاستقرار ظهر وكأنه بيان أجوف.
وفي الواقع، لا يمكن العثور على مبرر على الفعل الأمريكي، فما حدث في تركيا عبارة عن تهديد للديمقراطية ومحاولة لقلب نظام منتخب، وما حدث يخالف جميع القيم التي تؤمن بها الولايات المتحدة، لذا فالمتوقع في هذا الحال ان تدين واشنطن الانقلاب بشراسة ولكنها على النقيض من ذلك بقيت غير مبالية في محاولة الانقلاب وركزت بدلا من ذلك على مشاهد الديمقراطية مع مفاهيم معممة وغامضة مثل «الاستقرار» و«السلام». كما نسيت واشنطن في ليلة صعبة صداقة عمرها مئة عام، أما ردة فعل وسائل الإعلام الأمريكية فقد كانت مخيبة للآمال، إذ انها انحازت لصالح جماعة الانقلاب وحقوقهم ضد الشعب التركي الذي انتفض في الشوارع من أجل الحفاظ على الديمقراطية.
ولم تخفف البيانات اللاحقة التي أصدرتها إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لدعم تركيا بعد أيام من الانقلاب من الصدمة التي عاشها صناع السياسة في أنقرة تجاه الموقف الأمريكي، حيث كان الأتراك يشعرون ان لهم مكانة خاصة بالنسبة للولايات المتحدة باعتبار تركيا البلد المسلم الوحيد في حلف شمال الأطلسي وأهمية خاصة في كثير من الجوانب من بينها نشر مفهوم جيد للديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط. وعلى أي حال، وبعيدا عن التوقعات البعيدة المنال فقد كان للاتراك الحق في الاعتقاد بان الولايات المتحدة ستقدم دعما أقوى لهم بأسم الديمقراطية ناهيك عن اشتباه الأتراك بان واشنطن لديها معلومات مسبقة حول «الانقلابيين» .
ووفقا للعديد من المحللين، فإن اللقاء الحميم بين بوتين وأردوغان لم يكن، أيضا، صورة للتعبير عن الغضب التركي من الأصدقاء في واشنطن أو دول الغرب بسبب الموقف من الانقلاب، بل إشارة صريحة بقدرة أنقرة على تغيير رقعة الشطرنج العالمية وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط عبر القيام بتحول جيو سياسي وإجراء سياسي مبكر لمنع ظهور دولة كردية مستقلة على الحدود الجنوبية لتركيا. فالولايات المتحدة، في الواقع، تدعم الأكراد في سوريا بطريقة تتعارض تماما مع مصالح الأمن التركي.
إدارة أوباما، بدورها، غير متأكدة من كيفية التعامل مع خطوات أردوغان الأخيرة بما في ذلك زيارته الأخيرة لروسيا حيث لم يتوقع أي أحد في البيت الأبيض من ان الرئيس التركي سيكسر علاقاته مع الولايات المتحدة أو سينتقم من أعدائه أو يتقارب مع موسكو أو دمشق أو طهران إلى هذا الحد ولكن الإدارة تدرك تماما تبعات الغضب التركي لذا حرص البيت الأبيض على ارسال العديد من المسؤولين لأنقرة من أجل اقناع الأتراك بأن الولايات المتحدة غير متورطة في محاولة الانقلاب كما انها تحاول امتصاص الخطوات الودية التركية نحو روسيا بطريقة ذكية جدا، فهي مثلا لم تعارض الدعوة التركية بالقيام بعمليات عسكرية مشتركة مع الروس ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بل رحبت بذلك، حيث قالت اليزابيث ترودو المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأمريكية ان الولايات المتحدة على اتصال وثيق مع الحلفاء الأتراك وان العمل ضد «داعش» يعتبر أولوية لذا فان واشنطن ترحب بهذه الخطوة إذا كانت في هذا الاتجاه.
ولم ترفض الولايات المتحدة، أيضا، فكرة توسيع التعاون العسكري والدفاعي التركي مع دول من غير الناتو حيث أضافت اليزابيث ان تركيا حليف مهم في الناتو منذ عام 1952 وهي شريك للولايات المتحدة بما في ذلك التدريبات، مشيرة إلى ان إمكانية التشغيل المتداخل تعتبر مبدأ أساسيا من مبادى الناتو، وإلى حد ما، ما زالت إدارة أوباما ترفض الاعتراف بان هناك تحولا استراتيجيا في الموقف التركي أو استراتيجة التحالف الدولي ضد «داعش» بعد الدعوة التركية لروسيا.
هناك شبة إجماع بين أوساط الخبراء في الغرب ان المحادثات التركية ـ الروسية ستزيد التوتر بين تركيا والولايات المتحدة ودول شمال الأطلسي «الناتو» حيث أعرب صناع السياسة والقرار في الغرب عن قلقهم من حملة أردوغان الواسعة ضد الحريات بعد الانقلاب الفاشل. إذ تم إبعاد عشرات الآلاف من الأساتذة والقضاة ورجال الجيش والشرطة والجامعات من مناصبهم في حين طالبت أنقرة الولايات المتحدة بتسليم الداعية فتح الله غولن الذي يعيش في منفاه الاختياري بولاية بنسلفانيا بتهمة الوقوف وراء محاولة الانقلاب.
وستواصل إدارة أوباما محاولتها لإعادة تركيا إلى «الحظيرة» عبر إرسال المزيد من المسؤولين بما في ذلك رحلات مرتقبة في نهاية هذا الشهر لوزير الخارجية جون كيري اضافة إلى جو بايدن، نائب الرئيس. ولكن إذا فشلت هذه المحالاوت فان وسائل الإعلام الأمريكية مستـــعدة لصلب أردوغان ونعته بالأوصـــاف السيئة، وعلى الأرجح، ستحاول جهات داخــلـــية مرتبطة بالغرب إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي فاللعبة قديمة ولكنها صالحة لكل مكان.
رائد صالحة