محاولة أمريكية أخيرة لانقاذ حلب من التدمير الكامل وترحيل السكان المدنيين بعد سنوات من الفشل العسكري والدبلوماسي في سوريا

حجم الخط
0

واشنطن ـ «القدس العربي»: لم يدرك قادة المعارضة السورية المعتدلة ان الولايات المتحدة قد تخلت عنهم عندما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما ان مهمة الجماعات المتمردة تنحصر فقط في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» وحماية الحدود مع تركيا والأردن، ولكنهم يدركون ذلك بالتأكيد هذه الأيام وهم يحاربون لوحدهم في حلب بدون أمل ومساعدة أمام قوات النظام السوري المدعومة بكثافة من روسيا.
وليس هناك ما يدعو للاعتقاد بان الولايات المتحدة ستتدخل بأي شكل عسكري في حلب المحاصرة لانقاذ الجماعات المتمردة التي وعدت بمساعدتها سابقا، ومن المرجح ان تلجأ بعض قوات المعارضة للانسحاب من المدينة التي من المتوقع ان تسيطر عليها قوات النظام خلال فترة وجيزة، وهناك اعتقاد ان واشنطن ستخسر، أيضا، المعركة الدبلوماسية مع موسكو في سوريا، واتضح وفقا لعدد من المحللين ان السلوك الأمريكي خلال المباحثات مع الروس بشأن سوريا وحلب يسوده نوع من الارتباك بسبب خلافات خطيرة داخل إدارة أوباما تجاه الصراع.
الفترة المتبقية من ولاية أوباما لا تتجاوز أسابيع، ولا يمكن الاتكاء على حل حاسم من جانب واشنطن فالخلافات واضحة بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، ومواقف كيري غير مدعومة على الاطلاق من طرف أعضاء مجلس الأمن القومي بمن في ذلك بن رودس وسوزان رايس، والأتعس من ذلك كله، مواقف كيري لا تتمتع بمساندة حقيقية من الرئيس الأمريكي باراك أوباما وسط اختلاف وجهات النظر بين أعضاء إدارته، أما وكالة الاستخبارات المركزية فهي ما تزال تؤيد دعم جماعات المعارضة ولكنها غير قادرة وسط الفوضى السياسية على دفع الحلول شبه العسكرية.
الطائرات الحربية الروسية قصفت بلا هوادة المستشفيات والمدارس والأسواق ما أصاب البنية التحتية للمدينة بالشلل، وقوات النظام خنقت المدينة عبر الحصار وشنت هجمات برية مدمرة ضد قيادة قوات المتمردين، ولم تتدخل الولايات المتحدة بشكل حاسم بل ناقش الروس والأتراك خيارات الانسحاب بما في ذلك السماح بانسحاب المعارضة إلى الجنوب نحو إدلب مع أسلحة خفيفة أو الانسحاب باتجاه الشمال مع الأسلحة الثقيلة للانضمام إلى معركة القوات التركية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
التعليقات التي رصدتها «القدس العربي» من المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية بشأن سوريا وحلب فاترة بطريقة لا تناسب خطورة وسخونة الواقع على الأرض، وهي غالبا تصريحات تسعى إلى تهدئة الامور وشراء الوقت وعدم انجرار الصراع إلى كارثة إنسانية محرجة تستدعي اللجوء إلى تدابير من جهة واشنطن، وفي الواقع، هناك استنتاجات تفيد ان البيت الابيض يحاول تأخير اتخاذ أي اجراءات لمواجهة الأزمة في حين برزت تقديرات أخرى تفيد ان بيرقراطية واشنطن وطريقتها البطيئة جدا في الاستجابة للأزمة هي دليل على ان البيت الأبيض قرر بانه لا يمكن انقاذ المدينة وبالتالي لا داع للمحاولة.
والمهمة الوحيدة والأخيرة التي يحاول وزير الخارجية جون كيري تحقيقها في أيامه الأخيرة هي محاولة انقاذ مدينة حلب من التدمير النهائي وانهاء الجولة الأخيرة من المعارك التي أدت إلى نسف أجزاء كبيرة من المدينة ومحاولة الحصول على مساعدات إنسانية وطبية للسكان المدنيين المحاصرين وايجاد وسيلة لهم للخروج من الحصار. ووفقا للسكرتير الصحافي للوزارة مارك تونر فقد تحدث كيري مع نظيره الروسي لافروف بشأن حلب مشيرا إلى ان المحادثات الفنية قد بدأت في جنيف وهي تركز في المقام الاول على وقف القتال وتوفير المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين وترحيلهم بشكل آمن من المدينة، وبطبيعة الحال، تصر وزارة الخارجية الأمريكية رغم الفشل العسكري والدبلوماسي الواضح للولايات المتحدة في سوريا على ان محادثات جنيف الحالية قد تكون بداية جديدة لاحياء المسار السياسي لحل الصراع الدموي.
ورفض الناطق باسم الوزارة تأكيد التقارير التي تتحدث عن اتفاق وشيك لرحيل جميع الجماعات المسلحة من شرق حلب قائلا بانه لن يستبق نتائج المحادثات والنقاشات الجارية مؤكدا ان هناك بعض القضايا التي لا تزال بحاجة إلى حل واسئلة بحاجة إلى إجابات، وقال بانه لا يستطيع الجزم بان المحادثات قريبة جدا من تحقيق نتائج.
ومن الواضح ان واشنطن لا تعلم جيدا طبيعة المفاجاة التي تنوي روسيا اعلانها بشأن حلب ولكن تونر قال بان واشنطن تتعامل مع ما قاله وزير الخارجية الروسي بشأن مفاجأة مقبلة في سياق ايجابي حيث من المحتمل ان تخرج المحادثات في أي لحظة بنتائج إيجابية. وأضاف تونر ان هدف واشنطن المباشر هو وقف العنف والحصول على هدنة مستمرة للقتال لان من الواضح ان هناك حاجة ملحة لذلك مشيرا إلى ان هناك محاولة للنظر في جوانب أخرى قد تساعد على التوصل لهدنة أكثر مصداقية مثل السماح بالمرور الآمن للبعض من المعارضة المعتدلة.
الموقف المرتبك لواشنطن تجاه المعارضة المعتدلة في حلب أثار العديد من التساؤلات من بينها: لماذا لم تطلب واشنطن بصراحة من المعارضة مغادرة المدينة؟ هل هناك محاولة من واشنطن لابقاء جزء من شرق حلب في أيدي المعارضة أم انها تحاول العثور على طرف محايد يسيطر على الأرض ويوفر الممرات الإنسانية ؟ والأنكى من ذلك كله، هناك اصرار أمريكي على ان سقوط حلب لا يعنى نهاية الصراع في سوريا أو انتصار نظام الأسد مع الإشارة إلى ان واشــنــطــن لا تعــلم على وجه التحديد بان المدينة ستسقط في وقت قريب.
هناك توقعات كثيرة بشأن سياسة الرئيس المنتخب دونالد ترامب تجاه سوريا واختلافاته الجوهرية عن سياسة واستراتيجة أوباما تجاه الحرب الأهلية ولكنهما يتفقان على شيء واحد هو انه ليس هناك الكثير مما يمكن ان تعمله الولايات المتحدة حيال سقوط حلب، فالمدينة ستقع وفقا للتوقعات تحت قبضة نظام الأسد بدعم مستمر من روسيا.

محاولة أمريكية أخيرة لانقاذ حلب من التدمير الكامل وترحيل السكان المدنيين بعد سنوات من الفشل العسكري والدبلوماسي في سوريا

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية