الرياض – «القدس العربي»: ثلاث محاولات تفجير فاشلة شهدتها السعودية في أواخر شهر رمضان الذي انقضى الأسبوع الماضي، الأولى كانت محاولة للاعداد لعملية تفجير انتحارية في مبنى القنصلية الأمريكية في مدينة جدة، والثانية كانت محاولة تفجير انتحارية داخل المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، والثالثة محاولة 3 انتحاريين سعوديين تفجير انفسهم داخل مسجد للشيعة في محافظة القطيف شرق السعودية.
وقد حالت يقظة رجال الأمن السعودي دون نجاح العمليتين التفجيريتين الأولتين، ومحاولة تفجير المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، لو نجحت لأدمت قلوب الملايين من المسلمين في العالم.
العملية الثالثة وهي محاولة تفجير مصلين داخل مسجد الشيخ فرج العمران في محافظة القطيف ما زال الغموض يكتنفها، رغم ان وزارة الداخلية السعودية نشرت أسماء وصور منفذيها الثلاثة، كيف فشلت وكيف لم ينجح الانتحاريون الإرهابيون في الدخول إلى المسجد؟
لا أحد يشك في السعودية ان وراء هذه المحاولات التفجيرية تنظيم «داعش» الذي أراد ان يشمل السعودية في تصعيده لهجماته الإرهابية في مختلف أنحاء العالم خلال شهر رمضان المنصرم.
ويرى مراقبون ان الرسالة التي أراد هذا التنظيم المعادي للسعودية ان يوجهها في محاولته تفجير المسجد النبوي الشريف، هي انه لم تعد عنده خطوط حمراء في هجماته داخل المملكة حتى ولو هاجم أقدس الأماكن عند المسلمين.
والرسالة الثانية للسلطات السعودية هي ان التنظيم ما زال قادرا على تجنيد وتنظيم اتباع له لاسيما من السعوديين داخل المملكة، وما زال قادرا على التواصل معهم وتزويدهم بما يحتاجونه لتنفيذ عملياتهم الإرهابية. وهذه هي الرسالة الأهم التي كان رد الفعل السعودي عليها غاضبا من خلال الكلمة التي وجهها العاهل السعودي الملك سلمان في عيد الفطر للعالم الإسلامي – وهي رسالة تعود أي عاهل سعودي ان يوجهها كل عيد – ففي هذه الرسالة أكد الملك ان بلاده «عاقدةٌ العزم على الضرب بيد من حديد على كل من يستهدف عقول وأفكار وتوجهات شبابنا الغالي، وعلى المجتمع أن يدرك أنه شريك مع الدولة في جهودها وسياساتها لمحاربة هذا الفكر الضال».
وليس مستغربا هذا الغضب من الملك وهو يرى ان بعض الشباب السعودي ما زال أسير فكر «داعش»، ليس فقط في المشاركة في العمليات الإرهابية بل بفعل الأحداث اليومية التي تكشف عن عمليات قتل ينفذها متطرفون بحق أهلهم وإخوتهم، أو عن استنجاد سعوديين بالأجهزة الأمنية لمراقبة أو احتواء أهلهم أو أبنائهم الذين يريدون أو يدفعونهم للانضمام إلى «داعش».
ومن هنا أعتبر الملك سلمان في رسالته أن «أكبر تحد تواجهه أمتنا الإسلامية هو المحافظة على ثروتها الحقيقية وأمل مستقبلها، وهم الشباب، من المخاطر التي تواجههم وبخاصة الغلو والتطرف واتباع الدعوات الخبيثة المضللة التي تدفعهم إلى سلوكيات وممارسات شاذة وغريبة تتنافى مع الفطرة السوية ومع مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف وثوابت وقيم مجتمعاتنا الإسلامية».
ولا شك ان السلطات الأمنية السعودية التي تبذل كل الجهود لمنع تجنيد الشباب السعودي في «داعش» لا تستطيع ان تنجح في ذلك تماما لانها لا تستطيع الدخول إلى عقول الشباب ومعرفة أفكارهم، لاسيما انه في ظل مجتمع محافظ يصبح من السهل ان تنمو الأفكار الدينية المتشددة المؤدية إلى الفكر التكفيري الجهادي.
ولا تستطيع المملكة ان تعلن انفتاحا اجتماعيا ودينيا في مجتمع محافظ ما زال فيه نفوذ كبير للمؤسسة الدينية.
ولكن مسؤولين سعوديين يرون ان الانفتاح الاقتصادي الذي تتضمنه «رؤية السعودية 2030 « سيعمل على خلق انفتاح اجتماعي وحضاري أوسع في المملكة، وسيجعل الشباب السعودي أكثر انشغالا في تحقيق مصالحهم الاقتصادية، الأمر الذي سيشغل الشباب عن السعي وراء أفكار التشدد الديني والتكفيري.
ولكن هذا لن يتحقق بين يوم وليلة، بل يحتاج إلى سنين طويلة، وما تحتاجه الدولة السعودية قرارات «حاسمة» من أجل تحقيق الانفتاح الاجتماعي وتخفيف نفوذ المتشددين الدينيين على المجتمع، والدليل على ذلك قرار مجلس الوزراء بالحد من سلطة رجال «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في ملاحقة الناس ومحاسبتهم، فهذا القرار أثار اعتراض المتزمتين الدينيين لفترة من الوقت ولكنه أخذ مفعوله في المجتمع السعودي.
لا شك ان السعودية من أول الدول التي تشن حربا لاهوادة فيها على «داعش» مثلما كانت حربها على تنظيم «القاعدة» في خارج المملكة وداخلها، وحققت السلطات الأمنية نجاحات هامة على هذا الصعيد جعلت «داعش» تضع المملكة أكبر عدو لها، وجعلت المملكة أكثر الدول استهدافا من الإرهاب. ولكن لكي تستكمل المملكة نجاحها في منع «داعش» من اختراقها وتجنيد بعض شبابها والتغرير بهم، تحتاج إلى تنفيذ برامج تعزز روح المواطنة والقيم الوطنية، وهذا لا شك يحتاج إلى تعاون المجتمع، ومن هنا جاء تأكيد الملك سلمان على دور المجتمع في محاربة الفكر المتطرف حين قال «وعلى المجتمع أن يدرك أنه شريك مع الدولة في جهودها وسياساتها لمحاربة هذا الفكر الضال».
سليمان نمر