أولئك الذين أرسلوا لنا الدعوة لحضور أسبوع الاحتفال الثقافي في لبنان، أضافوا ندوة جديدة إلى برنامجنا. قال لي الصديق المدعوّ مثلي إلى هناك إن علينا أن نختار كاتبا أو أديبا تأثّرنا به كي نقرأ فقرات من أعماله. أحببت ذلك. وقد خطر لي بدر شاكر السياب على الفور، ثم وليم فوكنر، الأقرب إلى حساسيتهم هناك في فرنسا».
على كل حال تستطيع أن تسمي كاتبك لاحقا، قال الصديق الذي لم يعجبه استعجالي بذكر الاسمين. ربما كان ينتظر أن أختار كاتبا أحدث عهدا، فمن ذكرتهما باتا من ماضي الأدب، بحسب ما قد يرى.
لكنني، بعد أيام التروّي التي أُعطيتُها وجدتني أذهب في الزمن إلى أبعد من ذلك بكثير: ألف سنة. ذاك أن المتنبي كان قد عاد إليّ، طيلة الشهر الذي سبق، بواحدة من موجاته القويّة الكاسحة. ليس بسبب سماعي، بل حفظي، للبيتين اللذين أخرجهما صديقي الشاعر حسن عبد الله من ديوانه، واللذين أمعن فيهما المتنبّي، على جاري عادته، بسبقنا إلى كلّ طور مستجد من حياتنا، بل لأن البيتين هذين أعادا تذكيري بكل ما كنت أحفظه من أشعاره.
كان حسن عبد الله، الواقف مثلي في زمن التأسف على ما كان انقضى، قد كشف لي عن البيتين بعد عثوره عليهما في واحدة من عمليّات بحثه عن الشعر الذي يدوّخ كما يقول:
وكيف التذاذي بالأصائل والضحى
إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبّا
ذكرتُ به وصلا كأن لم أفز به
وعيشا كأني كنت أقطعه وثبا
ثم أنني كنت خلال الشهر المذكور عنه أعلاه ميّتا حسدا من شكسبير، نيابة عن المتنبي القابع في الكتب القديمة لصفّ البكالوريا، فيما العالم كلّه، بقضّه وقضيضه، منشغل بإحياء الذكرى الأربعمئة للشاعر البريطاني.
– اخترت المتنبي، قلت للصديق على التلفون في ذلك اليوم ذاته، غير منتظر نهاية المدة التي أعطيت لي
– المتنبي؟ قال هو بصوت متردّد ضعيف.
لم يعجبه ربما، أو فلنقل إنه استغرب لكنه، نيابة عن أولئك الذين هناك في فرنسا، قال لي إن الأمر راجع لي على كل حال.
-.. لكن هل المتنبي مترجَم؟
– للفرنسية؟
– نعم
– لا أعرف.. ربما، أجبته واجدا في الوقت نفسه سببا مهما لاختياري، إذ كيف يمكن أن تحيي كل مدينة هناك في فرنسا مهرجانات عديدة لشكسبير، وها هي تستعد لبدء الاحتفالات بسرفانتس، في ما لا يعرف صديقي، هو الفرنكوفوني، ولا أعرف أنا إن كان المتنبي قد تُرجم إلى تلك اللغة.
وقد رأيت أنني، بما اخترته، أجزي أيضا خدمة للبيت الثقافي الذي دعينا إلى ندواته طالما أنه يشير في اسمه إلى «ثقافات العالم». ليس عليّ أن أتردّد إذن، وهم، هناك في فرنسا، أرسلوا بطلب ما سأقرأه لشاعري. متلذّذا إذن رحت أتذكّر أبياتا حفظتها على مرّ السنوات: بيتان من قصيدة الحمى مثلا، بيتان آخران من رثاء المتنبي لجدته، وصفه للأسد في القصيدة التي مدح بها بدر بن عمار، ثم الأبيات الأخيرة التي عثرنا عليها مثل لقى في هذه السنوات الأخيرة، ومنها البيتان الأخيران اللذان اكتشفهما حسن عبدالله.
لكن المهم المقدّمة، ما سأقوله عن المتنبي لهم، هم الفرنسيون الذين لم يسمعوا باسمه على الأغلب. أما مناسبة السنة (2016)، وهي التي أطلق عليها سنة شكسبير، فستكون حافزي لأدّل الجمهور الفرنسي على شاعر عربي لا يقل عنه شأنا. «هذا في نظري.. هذا رأيي على كل حال» قلت للصديق الفرنكوفوني حين صرنا هناك في فرنسا. أما رأيه هو، وقد قاله تلميحا لا تصريحا، فيفهم منه أنني سأبدو كما لو أنني أزيدها على الفرنسيين، بأن أقدّم لهم شاعرا أقول إنه في أهمية شكسبير. سأبدو أمامهم مثل داعية، داعية قوميّ هذه المرّة، أتى إلى هنا ليقول لهم أنظروا ماذا عندنا، أو سأبدو مثل أولئك الذين، لشدّة ما أطبقت عليهم شهرة شكسبير، راحوا يقولون إنه لبناني مثلا، واسمه الشيخ إسبر (كما رُوي عن سعيد عقل)، أو ليبي كما قال في وقت ما العقيد معمر القذافي.
الأبيات الستة عشر التي اخترتها وصلت إلى فرنسا لكنها بقيت، حتى اليوم الذي سبق الندوة، بنصّها العربي. قال لي إيلي، الشاب السوري المقيم هناك منذ عشر سنوات، إنه لم يجد ترجمة فرنسية للأبيات التي أرسلتها، وما علينا فعله هو أن نتعاون أنا وهو على القيام بالمهمة، الآن، فيما نحن نجلس مع آخرين حول تلك الطاولة الواسعة التي وضعت فوقها السندويشات وقناني العصير وأكوابه..
– الآن، نترجم المتنبي الآن..؟
كانت تلك انتكاسة أولى لمشروعي.
أما ما جرى في اليوم التالي، وهو يوم الندوة، فبدا أشبه بتوالي النكسات. كان ينبغي لإيلي أن يكون في عمر الخمسين على الأقل لتوكل إليه وحده ترجمة تلك الأبيات. كان ما يزال يتخبّط بها لمّا حان دوره ليقرأ نصوصا من الشاعر المجهول الذي لا يقلّ أهمية عن شكسبير، بدليل أنه راح يقرأ من المسوّدة التي يتداخل فيها التصحيح مع التشطيب، ثم أنه كان يبتسم فوق ذلك، كلما وقع في ما لم يفهمه ولم يعرف كيف يترجمه، أو ينظر إليّ ليرى كيف يقع ذلك عليّ.
أما الجمهور فظل ساكتا متخذا هيئة من سيظل مصغيا حتى النهاية، وأنا عرفت أنني يجب أن ألزم الصمت إذ سأكون أمعن في سوء الفهم إن حاولت التعويض عن فشل الترجمة بالعودة، مرّة أخرى، إلى الحديث عن عظمة المتنبي، بل إن ما ينبغي عليّ أن أتحوّل إليه هو أن أجاري بالمزاح مَن سيباشرون المزاح من الزملاء العرب المشاركين في الندوة. في المطعم الذي انتقلنا إليه بعد ذلك صرت أمزح مثلهم، حتى أنني أنا الذي قلت الجملة التي أضحكت الجميع: «كان كل همّي أن أوقف المتنبي على رجليه في زمن شكسبير هذا». لكنني مع ذلك، بيني وبين نفسي، رحت أقول إننا لو بقينا في الأندلس، ولو تمكنّا في حملة بواتييه تلك من الوصول إلى فرنسا، لكان الفرنسيون الآن، ومعهم الأوروبيون والأمريكيون، يحتفلون الآن بالذكرى الألفية لأبي الطيّب المتنبي.
٭ روائي لبناني
حسن داوود