غادرت باريس إلى بيروت وأنا أنبض شوقاً إليها. حين حامت الطائرة فوق مطارها استعداداً للهبوط، تأملت بيروت «عاصمة الحرية العربية» من نافذة الطائرة.
شاهدت كتلاً أسمنتية تغطي المدينة وشاطئ البحر وتلال عرمون والشويفات.. غابة من الإسمنت.. من زمان كانت خضرة الأشجار تلتف حول عنق بيروت كشال من الخصب، وتم اليوم اغتيال الأشجار والجمال حرباً بعد أخرى، موتاً بعد آخر. طمعاً بعد آخر. هذياناً بعد آخر. (تحريراً) بعد آخر. خداعاً بعد آخر.. جنوناً مطلق السراح بعد آخر.
بهدوء، نهضت من مقعدي في الطائرة. شهرت مسدسي. مشيت نحو غرفة ربانها. حاولت فتحه. كان مقفلاً. أطلقت عليه رصاصة. انفتح الباب. دخلت وألصقت مسدسي بصدغ الكابتن وقلت له: هذه طائرة مخطوفة، نفذ تعليماتي.. أريد أن تهبط بهذه الطائرة في بيروت.. قاطعني قائلاً: ولكنني سأهبط بها في بيروت على أي حال فعلام اختطافها؟ تابعت كلامي: أريد أن تهبط بها في بيروت ما قبل الحرب.. سأحدد لك العام المطلوب.
قال ضاحكاً والمسدس ما زال مصوباً إليه: هذه طائرة (إيرباص) لا آلة الزمان.. وأنت خاطفة الطائرات الدائمة، وقد سمعت عنك من كابتن آخر.. وسبق لك اختطاف طائرة «بوينغ» طالبة من ربانها الهبوط في بيروت ما قبل الحرب.
قلت مقاطعة: حين كانت المدينة مزنرة بالخضرة والأشجار تحيط ببيوت القرميد.. وشاطئ البحر عاري الجمال وليس مغطى بتلك البيوت العشوائية.. والمطار ليس خطراً لكثرة اقتراب البيوت من مدرجاته.
قال الكابتن: طائراتنا هذه البوينغ والأربوص وسواها، اختراعات بدائية تصلح فقط للتحليق عبر المكان لا عبر التاريخ.. الأدباء اخترعوا «آلة الزمن» ولكن العلم ما زال قاصراً عن ذلك!.. أضاف.
أنا «كابتن» طائرة. لا «قبطان الزمان» يا سيدتي!!
صحوت من حلم اليقظة هذا والمضيفة تطلب منا ربط أحزمة المقاعد.. (ما من حزام بقادر على حمايتي من سقوطي في فضاء الحزن على حال بيروت التي كانت تستحق من الوافد إليها والمقيم فيها ومن أبنائها معاملة أفضل بكثير وهي التي تحتضن الجميع على الرغم من أن البعض مستعد لتقديمها كجائزة ترضية لهذا الفريق أو ذاك!!)
مدينة الشكوى و«النق»
سائق التاكسي الذي أقلني من المطار إلى البيت لم يصمت لحظة واحدة. أخبرني أنه كان ثرياً تعمل شركته في العراق وفقد ماله وقت الاحتلال الأمريكي للبلد الشقيق.
وفي الأيام التالية ركبت العديد من سيارات التاكسي ولفتني أن (معظم السائقين) كان يتنصل من مهنته الشريفة الضرورية للناس، ولكل قصته مع عمله السابق (المهم) المزعوم أو الحقيقي الذي يتوهمه أعلى كعباً.. هذا كان صاحباً لمطعم تم تدميره مؤخراً في انفجار ملاصق له.. فاضطر للعمل سائقاً. وآخر كان مصوراً وسوء الأحوال الاقتصادية انعكس عليه.. وثالث كان يقل السياح إلى بعلبك وجبيل والأرز ولكن الأوضاع الأمنية ومقاطعة رعايا بعض البلدان للبنان جعلته يضطر للعمل سائقاً في أحد مكاتب التاكسي في بيروت.. حزنت، اذ قد يكون بينهم من هو صادق والتردي اللبناني الذي قلما يبالي به معظم الزعماء والسياسيين انعكس على الناس هدراً لمصالحهم وأعمارهم.. ولكن بينهم من يخترع هذا السيناريو لأنه يخجل من مهنته في مدينة شعارها (معك قرش بتسوى قرش) وقيمة المرء فيها اليوم تعادل حسابه المصرفي.
الكرامة من حق الجميع
أسفت وأنا اتذكر فخر الفرنسي بمهنته أياً كانت، سواء عمل ناطوراً لمبنى (كونسييرج) أو عامل بناء أو خادماً ينظف المكاتب أو سائقاً للتاكسي. الكل يناديه باسم «مسيو» أي «السيد» وقيمته الإنسانية تعادل قيمة المليونير ورئيس الجمهورية.
ولعل من الأسباب لذلك أن الدولة في فرنسا تحمي المواطن من مذلة المرض أو الفاقة. إذا مرض يتكفل «الضمان الأجتماعي» بعلاجه وأسرته وإذا واجه البطالة وجد راتباً صغيراً يقيه بؤس التسول والاستدانة ريثما يجد عملاً آخر.. وضرائب الأغنياء ومتوسطي الحال لا تذهب إلى جيوب السياسيين وزعماء الميليشيات و«الناس اللي فوق» بل تصب في حفظ كرامة «الناس اللي تحت» أي الذين يعانون من رقة الحال. وتذهب الضرائب أيضاً إلى صيانة الكهرباء التي لم ينقطع تيارها عني في باريس طوال إقامتي فيها منذ أكثر من ربع قرن وتأمين وسائل المواصلات العامة النظيفة و.. و.. مما نفتقر إليه في لبنان بعدما كان ما كان.
نصفي السوري ونصفي اللبناني
وكل ما تقدم من أحزان يهون أمام صدمة أوضاع مليون ونصف المليون مهجر سوري في لبنان يضيق معظم من فيه (بالضيوف) بالإرغام، بقدر ضيق (الضيف) السوري من تهجيره الاضطراري. نصفي السوري يتألم كلما شاهدت المتسولين من أبناء وطني الأم في شوارع بيروت ومفارقها وبين سياراتها وبعضهم من الأولاد الصغار. وثمة عنف (لفظي) أحياناً في التعامل بين السوري واللبناني: كنت في السيارة مع صديقتي اللبنانية. توقفنا أمام إشارة السير الحمراء. جاءت شابة سورية تتسول من نافذة صديقتي. سألتها: لماذا لا تعملين؟ أنا بحاجة إلى سيدة تنظف البيت. أجابتها المتسولة السورية: لا أريد. قالت صديقتي بجلافة: لماذا لا تعودين إلى بلدك. ردت المتسولة: قاعدون على قلبكم!!!
نصفي السوري تعاطف مع الأعصاب المتعبة لتلك السيدة السورية المتسولة وعنفها اللفظي، ونصفي اللبناني يتفهم ضيق البعض بها وبأمثالها، وكما قال لي أحد المعارف اللبنانيين الذين فقدوا عملهم لأن سورياً رضي بأن يتقاضى نصف الراتب الذي كان يتقاضاه هو.
قال لي مذكراً بالمثل الشعبي إياه عن «عضّ رغيفه» حين حاولت الدفاع عن المشرد السوري..
قال: «عض قلبي ولا تعض رغيفي».
وإلى وقفة أخرى مع أحزان السوري واللبناني في آن.. فقد تصادف أنني سورية/لبنانية ولا أجد تضارباً في الجوهر بين الانتماءين.
ولذا ينكسر قلبي مرتين لما يدور..
غادة السمان