كانت «عاصفة الحزم» السعودية في اليمن علامة بارزة في التاريخ السياسي السعودي والخليجي المعاصر.
وهي كذلك علامة بارزة في محددات السياسة السعودية الخارجية ودوافعها وأفاقها، وبالأخص في اتخاذ القرار العسكري الحتمي، الذي يدافع عن الأمن القومي السعودي والخليجي والعربي في منطقة الجزيرة العربية بدون تردد، سواء وافقت أمريكا على ذلك أو لم توافق، وسواء ظهر ذلك حربا مباشرة مع إيران أو غير مباشرة، رغم السياسة السلمية الثابتة للسعودية، فهذه مميزات مهمة في السياسة السعودية الخارجية التي لن ينساها التاريخ، ومن الحلقات الأساسية في هذه المميزات المتعلقة بعاصفة الحزم هي العلاقة التركية السعودية، فهذه الحلقة علامة مميزة لطبيعة العلاقة بين السعودية وتركيا، يمكن ان تتخذ نموذجا ومعلما من معالم السياسة السعودية نحو تركيا، بإيجابياتها وسلبياتها أيضاً، فهي تعطي صورة نموذجية عن طبيعة محددات السياسة السعودية الإيجابية نحو تركيا، وتحديدا في مرحلة الحاجة الماسة للدعم التركي العسكري والسياسي والأمني والاستخباراتي، فالعلاقة الإيجابية تكون متبادلة بين الدولتين.
وفي المقابل لا تكون العلاقات السلبية متبادلة، حيث تظهر العلاقات السلبية في مرحلة المواقف السعودية السلبية المحرجة للحكومة التركية، عندما لا تكون المواقف السعودية تتناسب مع توقعات الشعب التركي، وبالأخص في اللحظات التي تتعرض فيها تركيا للخطر والاستهداف، فلا تجد الدولة السعودية إلى جانبها، ولو من الناحيتين المعنوية والإعلامية، والأخطر أن تكون هناك شبهات أو افتراءات بأنها كانت تقف إلى جانب اعداء الشعب التركي، كما أثير في المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة في تركيا، فهناك من الأتراك من انتقد الأداء السعودي الضعيف في رفض الانقلاب والتنديد به، وعدم التضامن مع الشعب التركي بما فيه الكفاية، وقد تعرض لآلام القتل وفقدان الأهل والأبناء والآباء والأخوة.
لقد دخلت القوات المسلحة السعودية والخليجية حربا دفاعية في اليمن في 2015 بعد ستة أشهر من الانقلاب الحوثي الإيراني على الحكومة الشرعية في اليمن، فكانت «عاصفة الحزم» حربا دفاعية عن الجزيرة العربية أولاً، وكانت حربا دفاعية عن الشعب اليمني ثانياً، وحربا دفاعية إسلامية ضد التطرف الطائفي الذي تشنه إيران ضد السنة في جنوب الجزيرة العربية ثالثاً، وهذا العدوان الإيراني في اليمن يمثل تهديدا سياسيا للأنظمة السياسية العربية أيضاً، وكانت السعودية تظن أن أمريكا سوف تمنع إيران عن هذا التهور والعدوان الطائفي والسياسي والعسكري، ولكنها اكتشف أخيرا تخلي أمريكا عن حماية الأمن القومي السعودي طالما أن العدوان على السعودية من إيران، ما اضطرها للتحرك سريعا واتخاذ قرار الدخول في حرب دفاعية ضد إيران في اليمن، شاركت فيها دول مجلس التعاون الخليجي المهددة بالعدوان الإيراني معها، فيما أطلقت عليه عاصفة الحزم، وبعد هجوم التحالف العربي المباغت على مقار القوات الحوثية، تبين للجيش السعودي أن الذخيرة المستعملة لم تكن فعالة بالدرجة الكافية، إما لقدمها أو بسبب نوعها الأمريكي المرسل لدولة عربية معينة مثل السعودية، وعند ذلك احتاجت السعودية وبصورة مستعجلة إلى الذخائر التي تناسب أسلحتها الأمريكية، حيث أن أمريكا لم تبد تجاوبا سريعا مع حاجة السعودية لهذه الذخائر، فلم تجد السعودية غير الحكومة التركية لتلبية حاجتها منها، وهذا فتح باب تعاون وثقة كبيرين بينهما، وهكذا توالت زيارات المسؤولين السعوديين لأنقرة في الأسابيع الأولى لعاصفة الحزم، لأن السعودية بأمس الحاجة إلى هذه الذخائر، حيث أيدت الحكومة التركية عاصفة الحزم أولاً، لقناعتها بصحة هذا الدور العربي الدفاعي في اليمن، رغم ما يربط تركيا مع إيران من علاقات اقتصادية كبيرة، وثانيا بحكم استعداد الحكومة التركية تلبية المطالب السعودية بالمساعدات التركية اللوجستية والاستخباراتية، وهو ما أعلنت عنه الحكومة التركية في بياناتها العلنية والرسمية في ذلك الوقت. هذا الموقف التركي هو تعبير عن موقف صادق مع دولة صديقة، رغم عهد الخلافات السعودية التركية قبل تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم، وقد أعقب ذلك التعاون العسكري زيارات متبادلة بين الزعيمين التركي أردوغان والسعودي الملك سلمان، أسفرت عن توقيع عشر اتفاقيات تعاون استراتيجي في الأيام الأخيرة من عام 2015، ولكن يبدو أن وصفها بالتعاون الاستراتيجي كان من باب التفاؤل أو سابق لأوانه، لأنها كانت تركز على التعاون في مجال التصنيع العسكري بين البلدين، وربما كانت ملياراتها العشرة هي لشراء أسلحة وذخائر تركية لمواصلة «عاصفة الحزم» في اليمن، ونقول ربما كان وصفها بالاتفاقيات الاستراتيجية سابقا لأوانه، لأن أقصى ما بلغته اتفاقيات التعاون بين البلدين الموقعة عند زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف بتاريخ 29/9/2016 هو توقيع مذكرات تعاون في مجال العمل والموارد البشرية والتدريب، وتبادل المعلومات والوثائق، فهل توقيع مذكرات تعاون في مجال العمل والموارد البشرية والتدريب كانت أهم من من الاتفاقيات الاستراتيجية السابقة؟
لعل من الأفضل وصف هذه الزيارة الأخيرة بزيارة مجاملة، أو إعادة تجديد علاقات السعودية مع تركيا بعدما قيل عن تراجع هذه العلاقة في الشهرين الماضيين، أي بعد الانقلاب الفاشل، وهذا يتطلب أو يفرض البحث عن محددات الموقف السعودي من العلاقة مع تركيا عموما، وفي ظل حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية خصوصاً، التي توصف بالحكومة الإسلامية أو الإخوانية أو المساندة لثورات الربيع العربي، أو المساندة للثورات الشعبية الديمقراطية، أو المدافعة عن الحقوق الشعبية والإنسانية في الدول العربية، وهو ما لا يروق للأنظمة المحافظة التقليدية مثل المملكة العربية السعودية كما يقال، والبعض يعيد ضعف الثقة السعودية بتركيا بسبب الصراعات التاريخية الوهابية مع الدولة العثمانية، وغيرها، ولكن بالنظر إلى وجود علاقات قوية بين تركيا وقطر وهي دولة محافظة قد ينفي حجة اختلاف الأنظمة السياسية فقط، والتركيز أكثر على المواقف الحقيقية السعودية من تركيا ومن نظامها السياسي الديمقراطي، وحزبها الحاكم حزب العدالة والتنمية، الذي يتطلع للعب دور مؤيد ومساند لشعوب العالم ودوله التي تتطلع للإصلاح، وبلوغ مستوى الدول الحديثة والديمقراطية والمتقدمة، وهذا يفتح بابا جديدا من المنافسة بين الدولتين على رعاية الشعوب الإسلامية، فيما يطلق عليه البعض صراع نفوذ خفي بين الدولتين، على شراكة بعض الدول العربية أو الإسلامية أو الأفريقية أو العالمية، بل ربما تنافس على صداقة الدول الغربية أيضاً.
وأيا تكن الحقيقة في الأسباب السابقة فإن السبب الذي تجاهله الكثيرون هو التنافس بين الدول الرئيسية في دول مجلس التعاون الخليجي الست نفسها، وبالأخص التنافس بين السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، فهذه الدول الثلاث تظهر اهتماما متميزا في لعب دور سياسي على الساحة العربية والاسلامية والدولية، وترغب في أن تكون مستقلة عن غيرها من دول الخليج قبل غيرها، كما تظهر هذه الدول رغبة بقيادة محاور دولية، أو المشاركة فيها وهي مستقلة عن بعضها بعضاً، فقد اختلفت مواقف السعودية وقطر في تأييد ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا وغيرها. وعليه فإن العلاقات العربية العربية هي إحدى محددات العلاقات العربية مع تركيا، وهي إحدى محددات العلاقات التركية الاسرائيلية أيضاً منذ عقود.
كاتب تركي
محمد زاهد غول