عندما عين يئير لبيد وزيرا للمالية، تخلى عن السيارة وعن السائق وكان يقود بنفسه سيارته الخاصة. واليوم ايضا، كنائب، يقود سيارة جيب صغيرة دون أن يستخدم احدا من مساعديه البرلمانيين كسائق. غير أنه منذ الانتخابات وهو يكسر المقود يمينا بقوة.
بقوة لدرجة أنه لا يحذر من الزوايا الحادة. وهو قد ينقلب. بمعنى، لن يكسب اليمين أما الوسط، الذي حقق له في الانتخابات السابقة 19 مقعدا، فقد يفقده. اراؤه وفكره لم تتغير، ولكن انماطه، كتاباته وخطاباته اجتازت تحولا سريعا من الإسرائيلية إلى اليهودية، من الوسط ـ اليسار إلى اليمين.
الصحافيون لا يحبون الوسط. الوسط ليس جذابا، عديم الشكل وعديم الجاذبية. وهو يحاول أن يكون محبوبا على الجميع، يدحر جانبا المعلومات التي تشغل البال، ويخلق صورة لذيذة، لا تلمس البقرات المقدسة، ولا تثقب البالونات. ولكن معظم الناخبين يوجدون في الوسط. الوسط في إسرائيل معناه الصقرية العسكرية والفاعلية الأمنية المتداخلين ببشاشة دولية واستعداد اضطراري لحل وسط سياسي.
قبل سنوات جيل، عشية انتخابات 1992، والتي انتصر فيها رابين، خط تعبير «حمائم سوداء». والحمائم السوداء مثلها كمثل الحمائم البيضاء، وما يميزها هو الخطاب، الحجج والتشديدات. بينما تركز البيضاء على الاخلاق، العدالة وحقوق الجيران، تتحدث السوداء عن اضرار السيطرة على شعب آخر التي تلحق بشعبنا وليس بالشعب الاخر، دبلوماسية وديمغرافيا.
في الايام الاخيرة ثار جدال حول منظمة «نحطم الصمت». يدور الحديث عن جسم صغير يملأه مقاتلون وضباط قتاليون، مثاليون، مهتمون، قرروا قبل نحو عقد من الزمان ان يحاولوا وضع حد لمؤامرة الصمت التي تلف نشاط الجيش الإسرائيلي في المناطق. حجتان اساسيتان تطرحان ضدهم: الاولى هي انهم يضرون بالجيش، والثانية هي انهم يتلقون مالا من الخارج.
الحجة الاولى تعتمد على الفرضية في أن الجيش الإسرائيلي هو «الجيش الاكثر اخلاقية في العالم». لمصيبتنا ولسوء حظنا، بعد نحو 49 سنة من الاحتلال، مشكوك أن يكون الجيش الإسرائيلي لا يزال جيشا أم أنه شرطة، قد يكون جيش حفظ النظام او الاحتلال الاكثر اخلاقية في العالم. حين يكون اساس غاية القوات البرية هي في المناطق، فلا غرو أنه منذ حرب «سلامة الجليل»، لبنان الاولى، وحتى «الجرف الصامد» اخفق في حسم المعارك.
حجة التمويل الاجنبي مزدوجة الاخلاق بقدر لا يقل. فالمؤسسات اليمينية ومشروع الاستيطان تتمتع بتبرعات سخية من ارجاء العالم اكثر بكثير. انتبهوا إلى مستوى العلني، الرسمي، للتبرعات للسياسيين والتي تذكر في تقارير مراقب الدولة، من نتنياهو وحتى نفتالي بينيت، وستتبينون من يتبرع لمن وكم.
لو سُئلت، لأشرت إلى نحطم الصمت ان يعملوا في البلاد وفي الخارج، ان يتبنوا حججا محلية وليس كونية. تعليلات ودية للمستخدم الإسرائيلي وليس للمستخدم العالمي.
عندما ارى مظاهرة ترفع يافطات «اليهود والعرب يرفضون أن يكونوا اعداء» يكون واضحا لي بانه قضي أمرها، لان هناك غير قليل من اليهود والكثير جدا، واكثر من كثير من العرب الذين لا يرفضون، بل ويرغبون، في ان يكونوا اعداء.
وعليه، فان كل عرض لتسوية مستقبلية عبر مناظير وردية مآله الفشل. حل الدولتين ليس مثاليا، ولكنه هو الحل الوحيد في المدينة. من يفكر، أو يفكر بالاقناع بان دولة فلسطينية ستكون مختلفة عن سوريا أو العراق، مصر او لبنان، يغمض عينيه. هذه من شأنها أن تكون بالضرورة دكتاتورية وحشية اخرى، فاسدة، ذات مزايا دينية متزمتة. رؤساء الوزراء، رابين ـ باراك – شارون ـ ممن كانت لهم صلة حقيقية بعناصر الامن القومي فهموا هذا جيدا.
بعد أن اختير رئيسا للوزراء وقبل كثير من فك ارتباطه عن غزة، زار شارون قوات الجيش الإسرائيلي في القطاع.
التقى بكتيبة احتياط من الهندسة القتالية وسمع بانهم يحرسون مستوطنين ولا يتدربون. ضابط برتبة رائد قال له انه هو، زوجته وطفليه الصغيرين يسافران بعد بضعة اشهر إلى كندا ليفحصا هناك مستقبلهم. سيدي رئيس الوزراء قال الضابط، انا ابن 35، مستقل، في العقد الاخير اقضي في غزة نحو 60 يوما من ايام الاحتياط في السنة، كان ينهي لي عملي التجاري. هذا ينهيني وينهي عائلتي. شارون عاد محبطا. هذا الشاب، روى، هذا الضابط، ليس واحدا آخر مع الدهن على الشعر. وقد اخطأ بين الدهن والجل، ولكنه لم يخطىء في الاستنتاج، وحتى لو لم ينفذه على نحو صحيح وبالتدريج.
رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع بوغي يعلون، اللذان يواصلان دفع الجيش الإسرائيلي إلى التآكل في المناطق، لا يحبان نحطم الصمت، ولكنهما هما نفساهما يحطمان الحراسة.
يديعوت 20/12/2015
آمنون أبرموفتش