محكمة ميدانية

حجم الخط
0

يقارن محللون لشؤون الاحكام والاحجيات بين المحاكمة العادلة (زعما) والمحاكمة الميدانية. فالجلبة التي نشبت في أعقاب رفض محكمة العدل العليا صفقة الغاز، بسبب بند الاستقرار الذي يمس بالديمقراطية («قرار غريب»، قال رئيس الوزراء، أب آباء هذه الصفقة الاقتصادية. «كل مواطن سيدفع الثمن على هذا القرار»، هدد الوزير زئيف الكين) لن تبعد عنا الجدال الحماسي في موضوع الجندي الذي اطلق النار على المخرب الذي استلقى 11 دقيقة محيدا على الارض.
مواطنون محرضون («الجيش الاسرائيلي يعقد له محكمة ميدانية!») يخرجون للتظاهر ويعلقون يافطات ضد رئيس الاركان، يدعونه للانصراف إلى بيته وأن يأخذ معه بيبي وموشيه يعلون. وزراء كبار كنفتالي بينيت («فقدتم عقولكم؟ جندي الجيش الاسرائيلي قاتل؟») ووزراء صغار وهستيريون كـأوفير اكونيس («محظور ادانته!») يصبون البنزين على اللهيب. هكذا بعد أن تلقى ضربة من محكمة العدل العليا في موضوع الاحتكار (المحكمة الميدانية للغاز)، هناك احتمال في أن يخرج رئيس الوزراء عن صوابه وينقلب على ذاته.
لسنوات طويلة عمل نتنياهو في خدمة اليمين الديني. هو يوفر لهم الميزانيات والبؤر الاستيطانية غير القانونية وفجر المفاوضات بالتسوية، حريض ضد كل من هو من اليسار ومن الوسط، وعينهم في مناصب عامة هامة ومجدية بصفتهم «مقربيه»؛ وها هو في جلسة الحكومة أول أمس ينهض في مواجهته ممثل اليمين الديني بينيت ويتقاتل مع جلعاد اردان، فيما يقصد رئيس الوزراء، الرجل الذي سرق منه المقاعد، وهو ـ بينيت ـ ينوي وراثة كرسيه. كاد نتنياهو ينفجر.
احذر، يا اخانا: عندما ينفجر بيبي حقا، فانه سيكون قادرا على أن يضرب بك بشدة فيؤيد بالقطع رئيس الاركان، وزير الدفاع، الدولتين و «نحطم الصمت». واذا لم يعجبك هذا ولم يعجب نصف حكومته، من جهته فلتذهبوا لشرب الماء من خليج حيفا. وهو من شأنه بغضبه أن يحل الحكومة كي يشكلها مرة اخرى، مع يئير لبيد واسحق هرتسوغ وبدونكم. انظروا فقد حذرناكم!
ولكن هذا لن يحصل، لان نتنياهو جبان. لأن لديه صفقة واحتكار لاصلاحه، لأن السيدة الثانية تورطه بمحاكمات اخرى. وعليه فان اليمين الديني المتطرف سيواصل القبض على خصيتيه (مجازيا!)، حين يحاول وزراؤه ارضاء «روح الشعب» ويتنافسون الواحد مع الاخر من سيركض في رأس المعسكر، وليس مهما من يقود ومن يقاد وإلى أين.
وعودة إلى الجندي (من رجال كهانا واليمين المتطرف) الذي سيتهم، على ما يبدو، بالقتل في المحكمة العسكرية وليس في الميدان، وإلى الجمهور (نحو الثلثين يؤيدون الجندي) الذي يسعى بينيت لان يمثل بواطن قلبه. الحجة البينيتية القاطعة للاسناد والتغطية على مطلق النار: أحد لا يعرف ما مر في عقل الجندي قبل أن يطلق النار على المخرب المحيد والنازف، وكل السياسيين جلسوا في البيت، شاهدوا في التلفزيون الحالة ويسارعون في الحكم عليه.
وبالفعل، ايها الوزير بينيت، انت ايضا مثلهم شاهدت وسمعت الحالة في البيت، فكيف تقرر إذن بان «جندينا ليس قاتلا»؟ دع الجيش الاسرائيلي ينتصر في التحقيق والمحاكمة ايضا. اضبط نفسك في التحريض ضد وزير الدفاع ورئيس الاركان.
وفي موضوع ما مر على رأس الجندي في أثناء الفعلة، هناك عدة امكانيات محتملة. مثلا: «يوه، يا له هذا المخرب المسكين كيف يعاني منذ عشر دقائق ولا أحد يقدم له المساعدة. يجب تخليصه من عذابه». أو «ماذا تتوقعون مني كمسعف؟ أن اعرف أنظمة فتح النار؟ كهانا حي، هو العربي الميت!» أو «أنا سأضع له رصاصة في الرأس وربما لعدد آخر من العرابيش من المحيط ممن يبدون مشبوهين. ماذا، أمسموح لوزير الدفاع أن يؤكد قتل عظيم المخربين في تونس، وأنا لا؟».
أي جواب يناسبك، يا بينيت؟ لا يهم، المهم إلا نركض على أنغام بتسيلم.

معاريف 29/3/2016

اسحق بن نير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية