الرياض – «القدس العربي»: تلتزم السعودية الصمت – كعادتها – إزاء استمرار تراجع أسعار النفط، وهذا الصمت يثير التكهنات وحتى الاتهامات بشأن الدور السعودي في هبوط الأسعار وأهداف ذلك؟ ويلاحظ محللون نفطيون ان السعودية بدلا من ان تخفض حجم إنتاجها من النفط لتواجة انخفاض الأسعار تصرفت عكس ذلك وزادت من حجم إنتاجها النفطي في سبتمبر/ايلول الماضي بمعدل 100 ألف برميل يوميا ليصل إلى 9.70 مليون برميل يوميا، الأمر الذي أثار مزيدا من الشكوك والاتهامات حول المصلحة السياسية والاقتصادية للمملكة إزاء ما يظهر من تعمد على خفض الأسعار.
وقبل مناقشة الأسباب والدوافع السعودية وراء عدم الاهتمام بانخفاض الأسعار – إذا لم نقل تعمد ذلك – يجب الإشارة إلى ان السعودية ودول الخليج الأخرى قادرة على مواجهة تداعيات انخفاض أسعار النفط لسنوات قليلة، فلقد استطاعت السعودية وشقيقاتها الخليجيات ان تكون تحوطات مالية ضخمة تسمح لها بالتعامل مع تداعيات انخفاض الأسعار . وجمعت هذه الدول احتياطيات مالية تقدر بـ 2450 مليار دولار راكمتها خلال السنوات الأخيرة بفضل ارتفاع أسعار الخام، بحسب معهد المالية الدولية. وكانت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي ولا سيما النفطية منها قد ارتفعت من 366 مليار دولار في 2009 إلى 729 مليار دولار العام الماضي، بحسب إحصائيات صندوق النقد الدولي.
بالإضافة إلى ذلك فإن ميزانيات جميع دول الخليج التي تنتج نحو 17 مليون برميل من النفط يوميا مقدرة على أساس 80 دولارا للبرميل الواحد من النفط.
ذكرت نشرة بلاتس العالمية لأسعار المنتجات والمتخصصة في أخبار النفط والبتروكيماويات ان المملكة تتحمل تبعات هبوط أسعار النفط لغاية 75 دولاراً للبرميل خلال المدى القصير.
وبحسب ما ذكرت بلومبيرغ فإن المملكة وجدت سعراً عادلاً جديداً يبدو انه 85 دولاراً للبرميل، وهو السعر الذي تحتاجه من أجل استثماراتها الاقتصادية والاجتماعية بدون ان تعاني ميزانيتها أي عجز.
وتتطابق وجهات النظر العالمية مع ما ذكره محللون اقتصاديون سعوديون خلال الأسبوع الماضي من ان المملكة قادرة على مواجهة تداعيات تراجع أسعار النفط في ظل الظروف الحالية. وقالوا: ان «السعودية لا تواجة خطورة حاليا حتى لو تراجعت أسعار النفط دون 80 دولاراً للبرميل»، مشيرين إلى ان انخفاض الأسعار لن يؤثر في الميزانية مع تحقيق إيرادات نفطية حالية تجاوزت 829 مليار ريال».
فسياسيا يبدو ان الرياض تسعى لفرض ضغوط اقتصادية على إيران وروسيا، وهما الدولتان الأكثر تضررا من تدهور وانهيار الأسعار، وبالنسبة لطهران يبدو ان الرياض لها مصلحة كبيرة في ضرب الاقتصاد الإيراني عبر تقليص ايراداتها النفطية بسب العداء المتبادل بين البلدين. أما بالنسبة لروسيا فإن الرياض تريد ان تلدغ موسكو بسبب استمرار التأييد الروسي لنظام الرئيس السوري بشار الأسد ودعمها لة بالاسلحة لمواجهة المعارضة، وربما هذا ليس بشيء جديد ولكن الذي أضاف إلى ذلك معارضة موسكو للتحالف الدولي المناهض لداعش، وزيادة حجم ونوعية التسليح العسكري الروسي لقوات النظام السوري.
وتتشارك واشنطن، التي تريد معاقبة موسكو بسبب الوضع في اوكرانيا، مع الرياض في المصلحة بفرض ضغوط اقتصادية على روسيا.
ووفق معلومات ديبلوماسية في الرياض فإن المملكة وجدت، بعد زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى جدة يوم 20 يونيو/حزيران الماضي والتي لم تسفر عن أي نتائج ايجابية، أنه لا أمل بتغيير موقف موسكو المؤيد لنظام الرئيس بشار الأسد.
وأخذت القيادة السعودية ترى ان روسيا أصبحت تقف مع الحلف المعادي لها (طهران – دمشق)، وان السنوات الثلاث الأخيرة من الحرص السعودي على الحوار مع موسكو لم تنفع في اقناع القيادة الروسية بالتخلي عن دعم وتأييد للرئيس الأسد.
من هنا يمكن القول ان الرياض وجدت مصلحة سياسية لها في تراجع أسعار النفط، إنْ لم نقل انها دفعت به، حتى تعود موسكو للحوار معها.
محللون اقتصاديون وبتروليون يرون ان للسعودية مصلحة في الدفع باتجاة تراجع أسعار النفط لأسباب بترولية واقتصادية، وأولها الحفاظ على حصتها في السوق التي تبلغ أكثر من 7 ملايين برميل يوميا والتي أصبح يتهددها تزايد الإنتاج النفطي الغربي، خصوصا الأمريكي.
وقد جاء معظمه من «المصادر النفطية غير التقليدية»، تحديداً النفط الصخري والرمال النفطية وباقي أصناف النفط الثقيل الذي كان يُعَدّ، إلى أمدٍ قريب، عصياً على الاستخراج أو غير اقتصادي. إثر استغلال هذه الموارد الجديدة الذي أتاحته – إضافة إلى ارتفاع الأسعار – وسائل تكنولوجية جديدة تسهل استخراج النفط الثقيل والعالق في الصخور الجوفية، انعكس مسار الإنتاج الأمريكي، الذي كان يتناقص باستمرار منذ السبعينيات، حتى وصل إلى 5 ملايين برميل يومياً (عام 2008)، ليرتفع اليوم إلى ما يفوق 8.5 ملايين برميل، والتوقعات تنبئ بأن يصل الإنتاج إلى أكثر من 9.5 ملايين برميل يومياً عام 2016. كلّ الإنتاج الإضافي، تقريباً، جاء من النفط «غير التقليدي». ان تسعير النفط ينطوي على معادلات معقّدة وحدود قد يؤدي تجاوزها إلى نتائج عكسيّة. هناك دائماً عتبات سعريّة تؤدي إلى تحوّلات بنيوية في السوق إذا ما تأرجح سعر النفط بشكل كبير، صعوداً أو نزولاً.
أهم هذه العوامل يتعلّق بكلفة استخراج النفط الثقيل، فإنْ كانت كلفة استخراج برميل النفط في السعودية لا تتعدى 3 دولارات فإن تحفيز النفط العالق في الصخور الجوفية، أو تسخين الرمول النفطية لتسييلها، هي مهمات مكلفة للغاية، وتعتمد على عملية صناعية تستهلك الكثير من الطاقة والموارد. لهذا السبب، ان انخفاضاً حادّاً – ومستمراً – في أسعار النفط قد يؤدي إلى إخراج هذا الإنتاج من السوق وانهيار عدد كبير من شركات الاستخراج التي تموّل مشاريعها عادة عبر الدين والقروض، والتي افترضت أسعاراً للطاقة تتجاوز مئة دولار .
ولا شك ان خروج «المصادر النفطية غير التقليدية « من الأسواق وكبح جماح الإنتاج المتزايد للنفط الأمريكي والذي يتوقع ان يصل إلى 5.9 مليون برميل يوميا عام 2016 إذا ما استمر التوسع في إنتاج «المصادر غير التقليدية» سيجعل السعودية تحافظ على حصتها وحصص شريكاتها الخليجيات في أسواق النفط العالمية وفي هذا مصلحة اقتصادية ومالية للسعودية ولعديد من دول أوبيك القادرة على تحمل حرب الأسعار. ومن هنا يمكن فهم تصريح وزير البترول السعودي علي النعيمي في سبتمبر/ ايلول الماضي الذي عبر فية عن عدم القلق من المخاوف التي أثارها هبوط أسعار النفط دون مستوى 100 دولار للبرميل.
سليمان نمر