إسطنبول ـ «القدس العربي»: انتهى الحديث في تركيا عن الانتخابات ونتائجها والطريقة التي تمكن من خلالها حزب العدالة والتنمية من كسر التوقعات والحصول على أكثر من 49٪ من أصوات الناخبين، وبدأ البحث في شكل النظام السياسي خلال السنوات المقبلة وكيف ستؤثر هذه النتائج على الملفات الكبرى سياسياً وأمنياً واقتصادياً على الصعيدين الداخلي والخارجي.
خارجياً تبدو الأمور أكثر وضوحاً من حيث عزم حزب العدالة والتنمية على توسيع مشاركته في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، ومحاولته استعادة دور تركيا في الملف السوري، والعمل على تحصين الدولة من المخاطر المتزايدة نتيجة التغيرات السياسية والأمنية المتلاحقة في محيطها المتوتر.
لكن الملفات الأبرز والتي حسمت نتائج الانتخابات كانت تتعلق بالملفات الداخلية الشائكة، الاقتصادية منها والسياسية، فالفوز الكبير الذي حققه الحزب الأقوى في البلاد منذ 13 عاماً، أعاد إلى الواجهة طموح الرئيس رجب طيب أردوغان إلى كتابة دستور جديد للبلاد يضمن تحويل النظام السياسي إلى «رئاسي»، وسيعزز هذا الفوز من زخم الحرب المتواصلة ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني «بي كا كا» والعدو الأكبر له جماعة فتح الله غولن، وذلك بحسب محللين سياسيين تحدثوا لـ«القدس العربي».
أولويات قبل الاستحقاقات
قدم حزب العدالة والتنمية خلال حملته الانتخابية جملة من الوعود الاقتصادية للمواطنين تتمثل في زيادة الرواتب وتحسين ظروف العمل ومميزات الوظائف الحكومية والأعمال الخاصة، ووعد داود أوغلو برفع أجور المتقاعدين ورفع المنح الحكومية للطلاب الجامعيين، وتحسين ظروف سكن الطلاب الجامعيين والمنح ورفع الحد الأدنى للأجور وتقديم منح مالية وقروض بدون فوائد للشباب للعمل على بناء مشاريع خاصة.
وخلال الـ100 يوم الأولى بعد تشكيل الحكومة التي لن يواجه مشاكل في تمريرها بسبب حصوله على «الأغلبية البرلمانية»، سيعمل الحزب المنتصر على تحقيق هذه الوعود أو جزء منها كي لا يخسر ثقة الناخب، والعمل على تعزيز الأوضاع الاقتصادية بشكل عام وهذا ما بدأت تظهر معالمه في انتعاش البورصة وارتفاع الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي واليورو، وعودة الحيوية للاستثمارات الخارجية في البلاد التي توقفت بسبب حالة الفراغ السياسي الذي مرت به في الأشهر الماضية، كل ذلك يعد أولوية مستعجلة قبل الخوض في الاستحقاقات الكبرى.
دستور جديد
كتابة دستور جديد للبلاد كان ولا يزال حلم حزب العدالة والتنمية منذ توليه السلطة عام 2003، لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب عدم حصوله على الأغلبية الكافية في البرلمان التي تمكنه من ذلك، وبات هذه المرة أقرب من أي وقت مضى لاجراء ذلك، حيث حصل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التي جرت الأحد الماضي، على 49.5٪ من أصوات الناخبين، ما يعادل 317 مقعداً في البرلمان، من أصل 550.
النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية رسول طورسون أكد أن «كتابة دستور جديد للبلاد سيكون من أهم أولويات حزب العدالة والتنمية»، مضيفاً في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي»: «عدد المقاعد الحالي لا يكفي ويحتاج العدالة والتنمية إلى 13 نائباً لكي يطرح الأمر لاستفتاء شعبي».
الأكاديمي والمحلل السياسي برهان كوز أوغلو قال إن أولويات العدالة والتنمية بعد تشكيل الحكومة والإيفاء بالوعود الاقتصادية العمل على كتابة دستور جديد للبلاد، لافتاً إلى أن الخطوة الأولى في هذا الإطار ستكون من خلال تقديم مشروع للأحزاب الأخرى من أجل مناقشته وبحث إمكانية دعمه من هذه الأحزاب.
وأضاف كوز أوغلو في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي»: «إذا لم توافق الأحزاب على ذلك سيلجأ العدالة والتنمية إلى الخطة الثانية وهي طرح الدستور على الاستفتاء الشعبي العام بعد تأمين الأصوات التي تؤهله لذلك».
وبموجب القانون التركي فإن التغيير في الدستور يحتاج إلى دعم ثلثي أعضاء البرلمان (367 من أصل 550) نائباً، وهو رقم بعيد عن ما حصل عليه العدالة والتنمية، بينما يحتاج طرح الدستور للاستفتاء الشعبي إلى 60٪ من أصوات نواب البرلمان (330 نائباً) وهو رقم ليس بعيداً عما حصل عليه العدالة والتنمية (317 نائباً) اذ ينقصه فقط 13 صوتاً.
الطريق إلى الاستفتاء
وعن طرق تأمين أصوات 13 نائباً لكتابة دستور جديد، يقول سعيد الحاج المختص بالشأن التركي: «اعتقد أن الحزب لن يلجأ لحيلة ضم نواب من أحزاب المعارضة ليكسب 13 نائباً يحتاجهم للوصول إلى 330 صوتاً، إذ سيخصم هذا الأمر من رصيده».
يضيف الحاج: «سيحاول العدالة والتنمية الحوار أولاً مع «الشعب الجمهوري» للحصول على توافق يحظى بحاضنة شعبية أكبر (يملك الحزبان معاً 451 نائباً)، وإلا سيلجأ لحوار جماعي مع الأحزاب الأربعة وربما إعادة تشكيل لجنة منهم لصياغة الدستور».
وتابع: «ربما يبدو حزب الحركة القومية أقرب للعدالة والتنمية من جهة الأيديولوجيا والحاضنة الشعبية، بيد أن المشتركات مع حزب الشعوب الديمقراطي (ذي الجذور الكردية) أكبر بكثير رغم الخصومة الشديدة في الفترة الماضية، خصوصاً وأن الدستور الجديد يفترض أن يجسد المواطنة الكاملة ويرسخ الحقوق المدنية والسياسية والثقافية للأكراد، وهو ما قد يشجعهم على التعاون مع العدالة والتنمية».
ويشير الحاج الى خيار آخر للحزب وهو أن «التطورات داخل حزب الحركة القومية بعد الفشل الذريع وسياسات رئيسه العدمية تبدو فرصة للعدالة والتنمية، إذ قد ينشأ عنها انشقاق أو عدة تيارات وآراء داخل كتلته البرلمانية، قد يستطيع الحزب الحاكم استمالة و/أو إقناع بعضها بالتصويت بالإيجاب على مشروع الدستور الجديد، سيما وأن الاقتراع سيكون سرياً».
والخميس، قال نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، المتحدث باسم الحزب، عمر جليك، إن صياغة دستور جديد في البلاد على رأس أولويات الحزب، داعياً الأحزاب السياسية في البلاد إلى صياغة دستور جديد «يحمل تركيا إلى مستقبل معاصر ويركز على الإنسان المدني.. تعالوا لنصيغ دستوراً مدنياً يحمل تركيا إلى عام 2023».
وأعرب جليك عن الحاجة الشديدة إلى دستور جديد في البلاد «من أجل الاستجابة لنمو الاقتصاد والديمقراطية التركية، ومقارعة بعض التحديات في العالم المعاصر»، مشيراً إلى أن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق حزب العدالة فقط، وإنما على كافة النواب الذين أوصلهم الشعب إلى البرلمان.
تغيير النظام السياسي
إلى «رئاسي»
يهدف حزب العدالة والتنمية من خلال الدستور الجديد إلى حل العديد من القضايا الجوهرية والمشاكل التاريخية في البلاد، لكن مسألة تحويل النظام السياسي إلى «رئاسي» تبدو على رأس أولويات الرئيس أردوغان الذي ما زال يمتلك نفوذاً كبيراً داخل «العدالة والتنمية» الذي أسسه واضطر للاستقالة منه عقب توليه منصب الرئيس في آب/أغسطس 2014.
في الانتخابات السابقة ركز حزب العدالة والتنمية في حملته الانتخابية على التأكيد على أن أهم خطواته بعد الانتخابات ستتمثل في تحويل نظام الحكم إلى رئاسي من خلال كتابة دستور جديد، وهو الأمر الذي واجه توجساً شعبياً من زيادة صلاحيات الرئيس أردوغان. وتفادياً لذلك، رفع الحزب هذا الشعار من حملته للانتخابات الأخيرة، ولم يتطرق سواء الرئيس أردوغان أو داود أوغلو الحديث إلى هذا الأمر في محاولة لطمأنة المتخوفين من توسيع أردوغان لنفوذه وسلطته داخل الدولة، لكن ذلك لا يعني أن أردوغان تخلى عن هذا الطموح، وسيعمل على تحقيقه بكافة الأشكال، بحسب المحللين الذين تحدثوا لـ«القدس العربي».
مستقبل «عملية السلام الداخلي»
بعد الانتخابات مباشرة، بدت تصريحات المسؤولين الأتراك من قيادات العدالة والتنمية أكثر تشدداً تجاه عملية السلام مع الأكراد والحرب ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني، وهو ما يراه مراقبون بداية لتوسيع العمليات العسكرية ضدهم ومحاولة تحسين شروط الحكومة في حال تم استئناف المفاوضات بين الجانبين.
ويقول كوز أوغلو: «عملية السلام ستستمر بصيغة مختلفة والمفاوضات ستكون بشكل مختلف، العدالة والتنمية سيدعم استئناف المفاوضات ومحاولة التوصل إلى حل نهائي لكنه لن يتهاون مع الإرهاب وسيضرب بقوة مسلحي العمال الكردستاني».
من جهته، قال الناطق باسم حزب العدالة والتنمية رداً على سؤال حول مسيرة السلام الداخلي أنهم لن يطرحوا مسألة المسيرة إلا بعد ضمان النظام العام بشكل كامل في البلاد، مؤكداً أنهم لن يسمحوا لأحد باستخدام مسيرة السلام كذريعة من أجل الإضرار بالنظام العام وتدميره، على حد تعبيره.
ومنذ انتخابات الأحد الماضي، شنت الطائرات الحربية التركية سلسلة غارات عنيفة على مواقع المسلحين الأكراد في جنوبي تركيا وشمالي العراق، وأعلنت هيئة الأركان التركية قتل العشرات من المسلحين الأكراد في الغارات الجوية وعمليات الجيش.
القضاء على «الكيان الموازي»
يجمع مراقبون على أن حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان سيعملان على القضاء بشكل نهائي في هذه الجولة على ما يسمى بـ»الكيان الموازي» وهو النفوذ الهائل لرجل الدين فتح الله غولن في جميع مفاصل الدولة التركية والمتهم بمحاولة تنفيذ انقلاب ضد حكومة أردوغان آنذاك.
النائب السابق عن العدالة والتنمية رسول طورسون أكد أن «الكيان الموازي وزعيمه غولن باتا بحسب القانون التركي منظمة إرهابية، ستعمل الحكومة من أجل القضاء عليها خلال الفترة المقبلة».
كما يرى المحلل السياسي بورهان كوز أوغلو أن «الكيان الموازي يجب أن تتم تصفيته خاصة العناصر المتورطة بمحاولة الانقلاب»، متوقعاً أن الحرب ضد التنظيم «ستستمر وستتوسع ضد كل أتباعه في جميع مفاصل الدولة كونه بات منظمة إرهابية»، على حد تعبيره.
إسماعيل جمال