دمشق – «القدس العربي» : بالرغم من إجماع الكثيرين على حتمية معركة إدلب على اعتبارها ملحمة الحسم التي لم يتضح توقيتها بعد، الا ان قيادات عسكرية سورية وخبراء معارضين استبعدوا اندلاعها في الوقت الراهن، معتبرين ان قرارها مرهون بنتائج التفاوض السياسي بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، وبمدى قوة الموقف الميداني داخل إدلب، مرجحين التوصل لصيغة سياسية – تحت أزيز الرصاص – تتطلب إرادة دولية وإقليمية قادرة على لجم النظامين السوري والروسي عن اتخاذ خطوات انتقامية، وإفساح المجال للمقاربات المحلية التي تحظى بغطاء إقليمي ودولي شرعي لأن تتعامل مع الملفات الإشكالية بما يجنب المنطقة تداعيات كارثة إنسانية بما ينذر بويلات لا يغطيها مشهد الانتصار العسكري للنظام وروسيا.
وبينما ذهب مراقبون موالون للنظام السوري إلى ان معركة إدلب قادمة لا محال وقرار الحسم قد اتخذ، تتويجاً لتفاهمات تركية – روسية، حيث بدأ الإعداد للمعركة «الملحمية» في الميدان الذي سجل أكبر حشد عسكري، أمام ابوب الحل السياسي الموصدة، مع الإشارة إلى ان العائق الوحيد امام المعركة هو الهواجس التركية المتمثلة باقتراب موجة نزوح جديدة قد تثقل على أنقرة في ظل ازمة اقتصادية وضغوط أمريكية ضد تركيا.
إخراج ميليشيات الطرفين
الباحث السياسي لدى مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أيمن الدسوقي أوضح ان الوضع في إدلب مرهون بنتائج التفاوض السياسي، فإذا ما كان هنالك تفاهمات مشتركة فهذا سوف يعزز من التوصل لصيغة حل ما، على ايقاع أصوات الرصاص والقنابل، أما عدم التوافق فيعني ان يلجأ كل طرف إلى سياسة كسر العظم، وبمقدار ما يكون الموقف الداخلي بإدلب موحداً فذلك سيدفع الطرفين الروسي والنظام للتفكير بحجم الكلف العالية لأي عمل لهم.
ومع ذلك رأى المعارض السوري لـ»القدس العربي» أن المعطيات الحالية تحتاج إلى إجراءات سريعة عبر حل التنظيمات المصنفة «إرهابياً» بداية والتي يجب أن تكون موازية لحل جميع الميليشيات العاملة في سوريا سيما تلك المذهبية، لأن بقاءها يعني استمرار الاستقطاب المذهبي.
وحسب الدسوقي ولحل التنظيمات الجهادية يجب أن يتبع ببرامج لإعادة تأهيل المقاتلين المحليين المنضوين ضمنها، وتمييزهم عن المقاتلين الأجانب ممن يتوجب العمل مع الأطراف كافة على إيجاد حل لمسألة تواجدهم في سوريا، وحسب رؤية المعارض السوري، الذي لفت إلى أهمية دعم فصائل المعارضة الموسومة بالمعتدلة يجب إيجاد مظلة شرعية محلية ركيزتها الأساسية المجالس المحلية «مؤتمر عام»، يهدف إلى إدارة المنطقة.
توافق روسي – تركي
من وجهة نظر مؤيدين للنظام السوري قال المحلل السياسي نضال السبع لـ «القدس العربي»، إنه لا وجود لأي مخرج أو حل سياسي أمام معركة الحسم في ادلب، فالقرار من وجهة نظره قد اتخذ بعد مباحثات مكثفة بين الجانبين التركي والروسي، ووفقاً لنتائج تلك المفاوضات تحاول «تركيا الان دفع بعض الفصائل للنأي عن جبهة النصرة، وبالتالي المعركة قادمة ويعيقها بعض الامور اهمها القلق التركي والتهديدات الأمريكية التي تصاعدت في المرحلة الأخيرة».
وأضاف «كل ما روي عن انسحاب حزب الله وعدم اشتراكه في المعركة هو كلام لا اساس له من الصحة وما يعيق العملية الان تقديرات الامن التركي وتخوفه مما سينتج عن معركة ادلب، من تدفق ربع مليون مواطن سوري باتجاه الاراضي التركية، وهو ما يقلق الحكومة التركية التي تعاني من أزمة اقتصادية».
بعد زيارة وزير الدفاع الإيراني إلى دمشق تم تعزيز العلاقة بين الطرفين، بتوقيع جملة اتفاقات مع النظام السوري، وهذا ما يشير حسب السبع إلى حضور ايراني قوي، ودلل على ذلك بالقول «عندما زار الوزير لافروف إسرائيل قبل أسابيع، والتقى مع بنيامين نتنياهو، لم يطرح لافروف خروج إيران من سوريا، حيث قال المحلل السياسي « إيران حاضرة لاننا مقبلون على معركة كبيرة في إدلب، وبالتالي الروسي بحاجة إلى مساعدة الايرانيين على الأرض».
«محرقة الأجانب»
وقال السبع إنه لا توجد أي خطة لاخراج المقاتلين الاجانب من ادلب من أجل الحل السياسي، ونحن ذاهبون باتجاه معركة حاسمة لاجتثاث الإرهاب، مع غياب اي دولة قابلة لاستقبال هؤلاء على أراضيها، وذكر معلومة لـ «القدس العربي» بأن «العديد من الفصائل المعارضة تواصلت مع الجانب الروسي المتمثل بالجنرال ألكسندر زورين وذلك قبل 10 ايام في حماة حيث عقد لقاءات مطولة مع فصائل معارضة تمهيداً لعملية تسليم ورفع العلم بعد تقدم الجيش في مناطق عدة ، وذلك في اطار عملية «المصالحات».
وحول حلول لتفادي كارثة تهدد حياة نحو 4 ملايين نسمة، قال المحلل السياسي نضال السبع، لا شك نحن مقبلون على كارثة نتيجة الحرب المقبلة على إدلب، ولكن لا خيار امامنا».
مصطفى سيجري رئيس المكتب السياسي في لواء المعتصم، أحد التشكيلات الرئيسية في درع الفرات المدعومة من قبل أنقرة، رد على سؤال حول حتمية معركة إدلب، بالقول ان النظام السوري لا يملك قرار البدء بعمل عسكري على إدلب ومحيطها، مضيفاً «المعركة تكون فقط عند الخلاف الكامل بين الروس والأتراك والوصول إلى طريق مسدود، ثم يصل الخلاف درجة أن يغامر الروس بعلاقتهم ومصالهم مع الأتراك في مقابل احتلال إدلب ومحيطها» لكن إلى الان لم يصل التفاهم بين الروس والاتراك لدرجة أن تصبح إدلب ومحيطها في مأمن، ولم يصل الخلاف بينهما حد البدء بعمل عسكري، مازالت المفاوضات مستمرة حسب المتحدث. وقد أثبتت التجارب وفق سيجري «أنه لا يوجد شيء مستبعد، ولذلك نحن نتخذ الخطوات اللازمة على اعتبار أن السيناريو الأسوأ هو الأوفر حظاً».
ضرب من المستحيل
وبالعودة إلى الطرف النقيض جزم المحلل السياسي بسام البني وهو مختص بالشأن الروسي، انه لا بديل عن المعركة في إدلب، وعودة المنطقة إلى سيادة النظام السوري، اما الحديث عن حل سياسي برأيه فهو «ضرب من المستحيل لان ادلب تجمع كل المتطرفين ممن رفضوا رمي السلاح ومصالحة الدولة، وأصبحت بؤرة لا يمكن ان تسري عليها اتفاقيات درعا وغيرها وهو ما يجبرنا على الحلول العسكرية «.
وأشار إلى تفاهمات مبرمة بين طهران وانقرة وموسكو، موثقة عبر اتفاق موقع على احترام سيادة الدولة السورية، والحفاظ على سوريا بحدودها قبل الأزمة، يضاف إلى ذلك ان «المجتمع الدولي كامل وعلى رأسهم روسيا يريد ان يحارب الارهاب، بعد ان تركوا لتركيا الوقت المطلوب، بناء على تعهداتها لفصل النصرة عن المعارضة المعتدلة».
والحل الوحيد هنا «امام النصرة بترك السلاح والذهاب إلى الحياة المدنية والضياع بين المدنيين، اما التشكيلات المعارضة فهي اما خيار الإعلان عن استعدادها للانضمام إلى الجيش السوري تحت ضمانة تركية من اجل ملاحقة ومحاربة الخلايا النائمة بعد ان تعود ادلب إلى السيادة السورية» حسب المتحدث.
معركة الحسم
كل المؤشرات تشير إلى معركة مقبلة، وحجمها غير واضح، وما هو مقبول دولياً حول وضع المقاتلين هو محل التفاوض حسب ما قال المفكر والباحث السياسي لؤي صافي، مضيفاً ان نظام الأسد منهمك منذ أسابيع في الاعداد لمعركة حاسمة لاقتحام إدلب، وهو يفعل ذلك بدعم سياسي وعسكري من حليفيه الأساسيين إيران وروسيا. التباين في القدرات العسكرية بين المقاتلين في إدلب وقوات النظام وحلفائه كبير، مما يجعل أي محاولة للدخول في صراع عسكري من قبل المقاتلين المعارضين للنظام اشبه بعمل انتحاري. طبعاً المشكلة الكبيرة هي في حجم الدمار الذي سيلحق بالمدنيين لعدم وجود ردع جوي يمنع سلاح الجو الروسي من تدمير المدن والقرى على رؤوس سكانها، كما فعل في مناطق تخفيض الصراع من قبل، وآخرها الغوطة الشرقية.
ورأى ان الجناح السياسي للثورة والذي يمثله حالياً الائتلاف الوطني وهيئة التفاوض غير قادر على التأثير في المشهد السياسي على الصعيد الدولي والمحلي، بعد أن استفردت القوى الدولية في توجيه مسار الأحداث بصورة مباشرة، وبعيداً عن التشاور مع المعاوضة منذ عام 2015. أضف إلى ذلك أن العلاقة بين الجناح السياسي والعسكري بقيت هشة لأسباب عديدة، لعل أهمها انقسام الدول الداعمة للمعارضة على نفسها، ونقل هذه الانقسامات إلى صفوف المعارضة باستخدام الدعم الإنساني والعسكري ورقة للضغط على كتائب الجيش الحر ومؤسسات المعارضة.
وحول منع وقوع كارثة في إدلب قال صافي ان ذلك يتوقف على حراك سياسي دولي واقليمي، هو «خارج دائرة تأثير السياسيين والمثقفين السوريين. القوة الإقليمية الوحيدة التي تسعى لمنع وقوع هجوم عسكري على ادلب هي تركيا، التي تسعى إلى اقناع الروس بقدرتها على تفكيك جبهة تحرير الشام، أو جبهة النصرة كما يشار إليها في الدوائر الدبلوماسية. فقدرة الاتراك في اقناع الروس بعدم اقتحام ادلب ضئيلة، لأسباب تتعلق بالتفاهمات الروسية – الأمريكية – الإسرائيلية، والتي سمحت للروس بالدخول عسكريا إلى سوريا بحجة القضاء على المنظمات الإسلامية المتشددة، وفي مقدمتها تنظيم «الدولة» في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة، بالإضافة إلى احرار الشام قبل حل قواتها».
اما الورقة الوحيدة لوقف العمليات العسكرية ضد إدلب، فهي التحركات الأوروبية – الأمريكية الأخيرة، والتي تقودها المستشارة الألمانية ميركل، أما التحركات الدبلوماسية الأمريكية فتدور في مجملها حول اخراج إيران من سوريا، وستعطي إدارة ترامب أولوية لهذا الهدف مقابل إدلب، مما يجعل مصير المحافظة وسلامة المدنيين فيها ورقة تفاوضيه في السعي لتحقيق الهدف الأمريكي – الإسرائيلي.
وتبقى الورقة الوحيدة في يد السياسيين والمثقفين السوريين هي الورقة الحقوقية، وبالتحديد الانتهاكات الوحشية والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام ولازال يمارسها ضد الأغلبية المعارضة لحكم أسرة الأسد، واستبداد النظام. وهي ورقة كان يمكن استخدامها بصورة حاسمة لوقف الهجوم.