محلل سعودي يعترف: «الجزيرة» تمارس حربا نفسية ضد الرياض… وخبير من واشنطن يكشف صفقة ترامب وبن سلمان!

كانت ثمة عبارة متداولة في اللغة السياسية والإعلامية تفيد أن بعض العرب يحاولون أن يكونوا «أكثر فلسطينيةً من الفلسطينيين أنفسهم». وعلى غرارها، يمكن أن نصوغ اليوم عبارة أخرى، وهي أن عددا من المحللين السياسيين السعوديين يسعون إلى الظهور بمظهر كونهم «أكثر إسرائيلية من الإسرائيليين أنفسهم»، إذ يؤكدون على الحق التاريخي والشرعي لإسرائيل في الوجود، بل منهم من يذهب إلى القول إنه لا حق للفلسطينيين في ذلك. فلا عجب، إن وجدنا القنوات التلفزيونية الإسرائيلية تحتفي بكلامهم وتترجمه إلى اللغة العبرية، وتعمل على استضافة رموز هذا التوجه التطبيعي السافر.
أن يأتي هذا الخطاب الجديد من السعودية يعد شيئا غريبا ومستهجنا، خاصة وأن «بلاد الحرمين الشريفين» كانت معروفة بتشددها إزاء الكيان الصهيوني (على الأقل في الصورة الظاهرة للعيان)، سواء لدى خطاب الساسة ومواقفهم، أو لدى رجال الدين الذين كانوا يتفننون في الدعاء على الصهاينة (وإن كانوا لا يفصلون بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كتوجه عرقي استئصالي)، ويتردد صدى ذلك الدعاء ومعه عبارة «آمين» الصادرة من حناجر المصلين عبر القنوات الدينية السعودية وغيرها. كما يُشهد للسعودية أن عاهلها الراحل الملك فيصل قطع البترول عن البلدان الغربية، التي تدعم إسرائيل في احتلالها للبلاد العربية.
كل هذا التراكم صار ينتمي إلى الماضي، وأمسى كل همّ المحللين السعوديين الترويج ـ عبر القنوات العربية والعالمية ـ للمواقف والخطوات التي يقدم عليها ولي عهد بلادهم الأمير محمد بن سلمان، والمتمثلة في الانغماس في مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط والخليج، والشروع في التطبيع السياسي والاقتصادي والعسكري مع الكيان الصهيوني، في مواجهة «البعبع» الذي يخيفهم جميعا (أقصد الرياض وتل أبيب وواشنطن) وهو إيران.

مَن يستغل مَن؟

التخوف من إيران كان واضحا في كلام المحلل السعودي خالد بن فيحان الزعتر عند استضافته في برنامج حواري على قناة «أون إي» منذ بضعة أيام، في مواجهة ضيف ثان من واشنطن، هو الخبير الأكاديمي في فض النزاعات الدكتور محمد الشرقاوي (من جامعة ميسن)، إذ اعتبر الزعتر أن السعودية تواجه حربا نفسية من طرف بعض الأطراف الإقليمية التي تحطمت مشاريعها الفوضوية في المنطقة، مثل إيران وتركيا. وبالطبع، لم ينس المحلل السعودي ذكر دولة قطر التي غرست شوكة في حلق بعض الوجوه السياسية والإعلامية السعودية، وليست تلك الشوكة سوى قناة «الجزيرة» شاغلة الناس ومالئة الدنيا.
الإعلامية التي أدارت الحوار كانت ذكية في طرح سؤال أشبه باللغم، حيث قالت: ألا يمكن اعتبار الأمير محمد بن سلمان أحد عرّابي صفقة القرن بين العرب وإسرائيل بامتياز؟ فردّ المحلل السعودي قائلا إن هذا كلام غير واقعي، وغير منطقي عندما يتحدث عن علاقة اقتصادية محتملة للسعودية مع إسرائيل، فهذا يأتي في سياق المبادرة العربية في إطار تسوية عادلة. لكن الضيف الثاني من واشنطن أوضح أن عبارة تسوية عادلة قد نسقطها على المبادرة العربية، وقد نسقطها على اتفاق أوسلو، وقد نسقطها ـ كما ينحو إليها كوشنر وترامب ـ على صفقة القرن.
والظاهر أن الصفقة لا تقتصر على الوضع في الأراضي المحتلة فقط، بل تشمل بلدانا أخرى شرق أوسطية، وبهذا الصدد أوضح الخبير في فض النزاعات أن ترامب يريد أن يحصل على تعويض مالي يجعله يمدد بقاء القوات الأمريكية في سوريا. وأشار إلى أن كاميرات البيت الأبيض أظهرت اللوحات الاستعراضية التي عرضها ترامب خلال لقائه بولي العهد السعودي لإبراز حجم صفقات الأسلحة المبرمة مع السعودية والتي تقدر بملايير الدولارات. وتأسف الخبير العربي من واشنطن لكون ترامب استطاع أن يطوع العلاقات الأمريكية السعودية ضمن «النظريات الصفقاتية» بعيدا عن الروابط التاريخية التي جمعت بين البلدين منذ 75 عاما. وتساءل المتحدث نفسه: مَن يستغبل مَن؟ هي استراتيجية محمد بن سلمان إزاء ترامب؟ أم استراتيجية ترامب إزاء محمد بن سلمان ومحمد بن زايد وبقية العواصم الخليجية لأنه سيبدأ في تصعيد النبرة وربما إجراء عسكري ضد إيران؟
ودافع المحلل السعودي عن موقف قيادة بلاده بالقول إن بقاء القوات الأمريكية في سوريا ضرورة للتوازن وحصر النفوذ الإيران والتوغل التركي. وواضح أن في هذا التحالف السعودي مع واشنطن وتل أبيب تأكيدا لمقولة التحالف مع الشيطان، في مواجهة خصم مرعب هو طهران، وخصم آخر سلاحه «الحرب النفسية» هو الدوحة التي تستعمل سلاح «الجزيرة» للهمز واللمز في الرياض.

رائد «الحداثة السعودية»!

من جانب آخر، تحدث محمد الشرقاوي ـ في مداخلته التلفزيونية ـ عن الخطاب الذي يحاول ولي العهد السعودي الترويج له، حيث قال إن اللغة التي يعتمدها سواء في الرياض أو لندن أو واشنطن ذات حمولة سياسية واستراتيجية، إذ يريد أن يظهر أمام أعين العالم بأنه رائد الحداثة السعودية وإدخال البلاد إلى القرن 21، وأنه سيجعل المجتمع السعودي منفتحا ويعيد النظر في مجموعة من القضايا الإقليمية والعربية. وعندما يتحدث الآن ـ وهنا مربض الفرس ـ فهل هو يتكلم بمنطق تأكيد نص المبادرة العربية على أساس الدفاع عن شرعية حل الدولتين: دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية تعيشان جبنا إلى جنب بسلام، أم يتحدث عن حق إسرائيل في الأراضي العربية؟ وهذا ما يثير التفسيرات المتضاربة لتلك الجملة. ولاحظ أن ثمة تذبذبا في موقف ولي العهد السعودي، لأن السعودية كانت رمزا لبعض المواقف القومية والعربية، لكن الآن يلاحظ أنها ربما تأتي بالنقيض!

محللو آخر زمان!

آفة بعض المحللين السياسيين العرب أنهم لا يميزون بين الخطاب الذي يمكن أن يروج تلفزيونيا للاستهلاك المحلي، وبين الخطاب الذي ينبغي أن يوجه للمتلقي العالمي والذي يتطلب قدرا أكبر من التسلح بأدوات الإقناع وبالإيمان بقيم الاختلاف والرأي الآخر.
على أن هذا لا يعني مطلقا أن الخطاب الموجه للداخل يُفترض فيه أن يكون مبتذلا وتبسيطيا وديماغوجيا. بالعكس، إن الموضوعية والتحليل العقلاني مطلوبان فيه، وليس ترديد الشعارات و»الكليشيهات»، مثلما يفعل بعض «المحللين» الذين امتلأت بهم القنوات التلفزيونية المغربية هذه الأيام في ارتباط مع موضوع الصحراء المغربية وتحركات «البوليساريو» في المنطقة العازلة. إنهم يرددون الكلام نفسه الذي طالما تفوه به السياسيون لسنوات عديدة، والذي يندرج ضمن ما يطلق عليه «لغة الخشب».
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة، هل تتوخى القنوات الرسمية من دعوة أولئك المحللين لنشرات الأخبار والبرامج السياسية إقناع الرأي العام المحلي وتنويره بخلفيات التطورات الميدانية؟ والحال أنه متقنع أصلا بعدالة قضيته الوطنية؟ أم أن تلك القنوات يهمها توجيه الخطاب إلى الخارج وإلى الجيران تحديدا، من باب «إياك أعني وافهمي يا جارة»؟ غير أن مَن يقدّمون كمحللين غير مؤهلين للقيام بهذه المهمة على الوجه المطلوب، لاستبعادهم الأدوات المنهجية الضرورية للتحليل والإقناع ومقارعة الحجة بالحجة.

كاتب صحافي من المغرب

محلل سعودي يعترف: «الجزيرة» تمارس حربا نفسية ضد الرياض… وخبير من واشنطن يكشف صفقة ترامب وبن سلمان!

الطاهر الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية