محمد الحارثي: حياتي قصيدةٌ وددتُ لو أكتبها

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلاّمي: ترحّل عن دنيانا الشاعر العُماني محمد الحارثي عن عمر ناهز ستةً وخمسين عاما، بعد أن جرَّب الرحلةَ وعاشَها بعُمق في اللغة وفي الأرض وفي الوجودِ. فالراحل زار أجناسًا من الكتابة عديدةً، وضرب في تُربتِها خيامَ معانيه، حيث كتب الشّعرَ بعَمُودِيِّه ونثْرِيِّه، وكتب المقالةَ الأدبيّةَ، وألّف في أدب الرحلة بنَفَسٍ شِعْريٍّ، وجرّب كتابة الرواية والتحقيقَ الأدبيَّ.
وفي أثناء ذلك، جرّب السِّجنَ بوصْفه بحثًا عن الحريّةِ، ولم يهدأ فيه توقُه إلى غُبَار الطريق وصخب المطارات، فظلّ مسافِرًا من أرضٍ إلى أخرى، مُدوِّنًا أدقّ تفاصيل مشاهداته، ليبني منها معنى الجغرافيا وهي تصوغ سردياتِها بأجساد سُكّانها وأحلامهم وعنادهم، «واصِفاً «كأنني البُحتري» حقولَ الشّايِ ومعابِدَ بُوذا وحديقةَ بيت محمود سامي البارودي الذي نَفَتْهُ حماقاتُ الإنكليز الكولونياليَّةُ إلى نعيم ذلك الفردوس» على حدّ قوله. وككلّ مشّاءٍ يسكنُ حقيبتَه، سافر منذ ثلاثة أيام، بعد مواجهةٍ عنيدةٍ مع مرضٍ مُعانِدٍ، إلى جِوارِ الرّفيقِ الأعلى، تاركا في المشهد الإبداعيّ العربيّ مجاميعَه الشعرية «عيون طوال النهار» و«كل ليلة وضحاها» و«أبعد من زنجبار» و«فسيفساء حواء» و«لعبة لا تُمل» و«عودة للكتابة بقلم رصاص»، بالإضافة إلى رواية بعنوان «تنقيح المخطوطة» وكتابيْن في أدب الرحلة هما «عين وجناح» الفائز بجائزة ابن بطوطة العربية لأدب الرحلات عام 2003، و«محيط كتمندو»، كما نشر كتابَ مقالاتٍ بعنوان «ورشة الماضي»، وقام بجمع وتحقيق الأعمال الكاملة لأبي مسلم البهلاني، وهو أحد أبرز الشعراء الكلاسيكيين في عُمان. وقد احتفت مجموعة من الكتاب العُمانيّين والعرب بتجربة محمد الحارثي الإبداعية، ضمن كتاب موسوم بـ«حياتي قصيدة وددتُ لو أكتبها» أعدّه وحرّره الكاتب سعيد بن سلطان الهاشمي.
واعتبر الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب العرب، أنّ «فَقْدَ الشاعرِ والكاتبِ الكبيرِ محمد الحارثي يُعَدُّ خسارة فادحة للواقِعَيْنِ الأدبيِّ والثقافيّ في عُمان ومنطقة الخليج، وقال «إنّ الراحل كان مثقفًا فاعلًا في محيطه، وكاتبًا وشاعرًا له مذاقه الخاص، وإنسانًا راقيًا قبلَ كلِّ هذا وبعدَه». كتب عنه الروائي والقاص سليمان المعمري لـ«القدس العربي»: «ربما الميزة التي يمتاز بها محمد الحارثي عن غيره من الكُتّاب أنه كان شبيها بنصّه، وتجسيدا لكتابته؛ تلك الكتابة التي منحها حياته كلها تقريبا، بدون أن يزاحمها أي هَمٍّ دنيوي آخر، إلا ذاك الهَمّ الذي يقرّبها منه أكثر. كانت شغله الشاغل لدرجة أنها احتلت عناوين كتبه «عودة للكتابة بقلم رصاص»، «قارب الكلمات يرسُو»، «تنقيح المخطوطة». كان شاعراً رحّالاً يقول عن نفسه إنه مدين للترحّل بثيمات قصائده. وأنا أضيف أيضاً أننا كقراء للحارثي مدينون لهذا الترحّل والسفر والشغف بالأمكنة غير المكتشفة وسرد قصصها لأنه أتيح لنا أن نقرأ كتابَيْن أرى شخصياً أنهما من أجمل ما كُتِب في أدب الرحلات العربية، وأعني بهما «عين وجناح» الفائزة بجائزة ابن بطوطة عام 2003، و«محيط كتمندو» الذي نجح في أن يُمسك فيه بتلابيبي كقارئ منذ أول جملة وحتى آخر صفحة، ولكي يكتبه لم يكتف بزيارة واحدة للنيبال، بل تردد عليها خمس مرات متباعدة في ثماني سنوات، وأقام هناك فترات طويلة جعلته يتشبع بالمكان وروائحه وعاداته وتقاليده. وإذا كنا نتذكّر الحارثي الشاعر والكاتب، فإنه من باب أولى لن ننسى الحارثي ذا المواقف الوطنية المشهودة، الذي كان يؤمن أن الدور الطبيعي للمثقف أن يكون في الجهة المضادة للسلطة لحفظ توازنه وتوازنها، كما يقول، لذلك وجدناه صادحاً بكلمة الحق، كتابةً في الصحف، ونضالاً في الساحات، وحديثاً في الفضائيات، متعرضاً للاعتقال أحيانا بسبب آرائه ومواقفه».
ورثاه الكاتب حمود بن سالم السيابي بقوله: «لقد غادر الشاعر الكبير والرحالة الأشهر محمد الحارثي دنيانا التي لم تتصالح معه ولا اتسعت لأحلامه. ولعل الحارثــــي أخطأ كالكثيرين، وتسرع كالكثيرين، وثار كالكثيــــرين، ولكنه يبقى ذلك الشاعر الذي يكبر الوطن في قلبه بقياساته لا بقياسات مساطر الآخرين، فصدم البعضَ، وضاق به البعضُ، ولم يلتمس له العذر البعضُ الآخر.
وبرحيل هذا الشاعر يكون الوطن قد خسر ومضة من ومضاته، وتقلصت مساحة الضوء التي تزين سماءه». كما نعته الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، وعدد من المنابر الثقافية العربية.
أمّا الباحث محمود الرحبي، فقد كتب في تدوينة عنه قائلا: «في آخر أيامه، عاش محمد صراعا مع أكثر من مرض، كانت الأمراض تصارعه فيصرعها في أحيان كثيرة ليخرج بكامل حياته وعنفوانه شادًّا الرحيلَ إلى أفق جديد». و«برحيل محمد الحارثي يتوقف مسارُ إبداعٍ عُمانيٍّ متدفِّقٍ خبر الدنيا طولا وعرضا، شرقا وغربا، ونال منها جرعات من الصراع والألم والسعادة والتأمل والشعر».
مقطع من قصيدة: رجل لصباحٍ مهزومٍ
«كأنما قادمٌ من اللَّيْلِ
كأنما ذاهبٌ إلى الوظيفةِ
بلا يدٍ تُلوِّحُ لشجرةٍ في المحطةِ
يُداعب غفوةَ المقاعد في قاطرةٍ
تستدرجُ صباحًا صغيراً إلى حَتْفِه».

محمد الحارثي: حياتي قصيدةٌ وددتُ لو أكتبها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية