محمد العبدالله… الشاعر المديني والريفي والبري

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي» من زهرة مرعي: للشاعر الراحل محمد العبد الله صولات وجولات مشهودة من المقربين منه والبعيدين عنه مع الشعر. الرجل السبعيني الذي رحل صباح أمس بعد صراع صعب وسريع مع السرطان جاء إلى بيروت من الجنوب اللبناني المكتظ بالشعر والشعراء. جاء للدراسة الجامعية كما شباب الأطراف، وقد صدف ذلك في زمن الغليان الفكري والآمال الكبار، وفي زمن كانت فيه أرض الجنوب ولبنان عامة تنتهك بشتى الأشكال من قبل الصهاينة.
فاض محمد العبدالله بالشعر، وبالمواقف، وبدأ يبزغ نجمه كشاعر في خواتيم الستينيات.
آخر الكتب الصادرة له «أعمال الكتابة» عن «دار الفارابي» من إعداد نادي لكل الناس. كتاب «بين المحكية والفصحى»، ويضم بين دفتيه ما غناه مرسيل خليفة كمثل «منفلفش الجريدة»، أميمة الخليل، علي نصّار، سامي حواط، أحمد قعبور وآخرون.
له العديد من الكتب والقصائد المشهورة جداً، ونصوص مسرحية وقصصية. «مصرع دون كيشوت» من قصائده الطويلة الساخرة ذات البناء المركب.
«رسائل الوحشة» عنوان مجموعة شعرية صدرت في نهاية السبعينيات.
وآخر حضور كبير للشاعر الراحل كان حين وقعّ كتابه «أعمال كتابة» في «دار الندوة» مطلع هذا العام، حيث شارك في قراءة أشعاره مجموعة كبيرة من الشعراء والمثقفين والروائيين. كان لقاء وديا للغاية بين الحضور وبين الشاعر.
في السيرة الإنسانية والعلمية لمحمد العبدالله أنه من مواليد سنة 1946 في بلدة الخيام. نال إجازة في الفلسفة من الجامعة العربية في بيروت سنة 1973، وحصل على شهادة الكفاءة في الأدب العربي من كلية التربية في الجامعة اللبنانية، وعلى دبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربي، وحاز على شهادة السوربون الثالثة سنة 1977. عمل في العديد من كبريات الصحف اللبنانية، وله برامج إذاعية. كما أصدر مجلة «اليوم السابع» الثقافية التي توقفت منذ زمن عن الصدور.
من أبرز مؤلّفاته: «رسائل الوحشة» (شعر) دار الفارابي 1978، «بعد ظهر نبيذ أحمر… بعد ظهر خطأ كبير» (شعر وقصص) الدار العالمية 1981، «جموع تكسير» (شعر) دار المطبوعات الشرقية 1983، «حبيبتي الدولة» (تغريبة روائية) الدار العالمية 1987، «تانغو» 1987، «بعد قليل من الحب بعد الحب بقليل» (شعر) دار الجديد 1994، البيجاما المقلمة» (قصص) دار عالم الفكر 1996، «كيفما اتفق» (نصوص) دار المسار 1998، «قمر الثلج على النارنج» (شعر) دار الفارابي 1998، «لحم السعادة» (نصوص) دار الفارابي 2000، «حال الحور» (شعر) دار الفارابي 2008، «الله معك سيدنا يليها دخلك يا حكيم» (مسرحيتان) دار الفارابي 2009، «ألف ومئة وأحد وعشر يوماً في بيروت» (سيناريو سينما) دار الفارابي 2010، «قصائد بيروت» (شعر) دار الحرف العربي 2010، «بلا هوادة» (شعر) دار الحرف العربي 2010، و»أعمال الكتابة» دار الفارابي 2015.
الشاعر عصام العبدالله، رفيق شبه دائم للراحل، وكانا يشاهدان على الدوام معاً في مقاهي الحمراء، يقرأ في إرثه الشعري وفي رحيله قائلاً: الشاعر محمد العبدالله ابن عمي وابن خالتي. هو من دمي ولحمي وهو يدي، وهو ما أسعى إليه وفيه، قرأته وحفظته عن ظهر قلب. هو أصغر مني سناً، كنت أتابعه وكنت فخوراً به. لم يترك نوعاً من الكتابة إلاّ ومارسه. من النقد، الى السياسة، إلى الثقافة. كان من أوائل الذين انتبهوا لحضور الدولة اللبنانية التي تهالكت خلال الحرب الأهلية فكتب مؤلفاً بعنوان «حبيبتي الدولة». وهو كتاب حظي بانتشار وصيت ذائعين. وهو الذي كتب شعراً كلاسيكياً بالفصحى، كتب التفعيلة والمحكية. وهو الذي كتب الأغنيات للأصوات العربية الغنائية الهادفة البعيدة عن التجارة. على الصعيد الإنساني محمد العبدالله مديني، ريفي وبريّ. يتصف كونه شخصية وعرة وصادقة وصادمة في آن. إننا نحبه كثيراً.
للشاعر محمد علي شمس الدين قراءة رقيقة وعميقة في شعر محمد العبدالله، إذ يقول: برحيله فقدنا شاعراً استثنائياً في دوحة الشعر العربي. شعر محمد العبدالله يشبه جسده. أعني أنه كان جارفاً، ساخراً ومهلهلاً لكل القيم الشعرية السابقة. هو يجمع في الكتاب الواحد القصيدة الفصحى إلى القصيدة العامية، وكذلك بالمقال وبالمسرحية الصغيرة، ويضرب هذا بذاك، ويقدم كتابته متكئاً على يومياته، وعلى لغة يأخذها ليس من المختار الشعري أو اللغوي، بل من متداول ما يقوله الناس. ولكنه يكشف الستار عن الطريف والساخر والمفاجئ في الموضوع أو الكتابة. وكأنه كان يرى الشعر موجوداً في الحياة نفسها، في تناقضاتها وفي طرائفها، ولم يكن دوره سوى أن يزيح الستار قليلاً عن جوهر الحياة.
من شعره نختار:
نجوم السماء
«يلزمك الشمس والماء
كي تُخرِج من هذا التراب الترابي
معجزة من الأصفر والأخضر والبنفسجي
حقولا من الزهر
تندى مع الفجر
تبث الأريج ملء الفضاء
يلزمك الالتفات نحو نجوم السماء
كي تتناول الحزن مبتسما
كما يفعل الشعراء».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية