حاوره: عبد اللطيف الوراري: محمد الميموني شاعر مغربي من رعيل الحداثة الشعرية الأول والمؤسِّس. بدأ مغامرة كتابة الشعر منذ سنة 1958 ولم ينقطع عنها إلى الآن.
صدر لها ما ينيف عن عشر مجاميع شعرية ابتداءً من «آخر أعوام العقم « (1974)، مرورًا بـ»الحلم في زمن الوهم» (1992) و»ما ألمحه وأنساه» (2000) و»موشحات حزن متفائل» (2008)، وانتهاءً بـ»رسائل الأبيض المتمرد» (2013). كما له إسهام طيب في النقد الأدبي والترجمة.
وإنّ شاعراً مثله لا يكتب الشعر وكفى، إنّه يحلم عبر شعره بقدر ما هو يضيء جوهر الحياة ويجعلنا قادرين على الانفعال بها. فلا نلمح في الشعر الذي يكتبه سوى شعر التجربة نفسه، حيث لا يد على ذات الشاعر، الذات المُفكّرة والمنفعلة بما حواليها. في هذا الحوار، يستعيد الشاعر المغربي تجربته الشعرية وتطوُّرها، وطقوس كتابته وأطرافًا من سيرته الذاتية.
■ بصفتك واحدًا من أهمّ شعراء جيل الستينيات في الشعر المغربي، الذي اضطلع بمشروع الحداثة وفكّر فيه نصّيًا ونقديًّا. أسألك ماذا بقي من هذا الجيل الفارق؟
□ أهم ما بقي منه جرأته على اقتحام تجارب تستند أوّلًا إلى المواهب والعصامية وحب المعرفة والقراءات الكثيفة بصمت وتواضع وإصرار. إذا حسبتني أحد أفراد هذا الجيل أضيف أنني، منذ غامرت بنشر إحدى محاولاتي في بحر الخمسينيات، لم أسع قط إلى شهرة ولا مغنم، بل كان دافعي الوحيد هو حب الشعر والبحث عن جديده والمساهمة في الملحمة النضالية التي كان المثقفون يخوضونها، إذ كانت الكتابة وسيلة نضال ومقاومة لا تنفصل عن النضال السياسي المباشر.
■ من شفشاون إلى تطوان، أفكر في درب المغامرة الشعرية التي اجترحتها لوحدك أو ضمن قلة هائلة من الشعراء. كيف تستعيد أصداء ذلك الدرب في هذه المرحلة من العمر؟
□ أستعيد المغامرة خطواتٍ في المجهول بلا مرشد ولا نموذج .لم تكن تجارب الشباب العصامية تثير انتباه من كانوا يعتبرون سدنة صناعة الأدب وقرض المدائح والمنظومات المقلِّدة التي تعتنق التعريف المأثور: «الشعر هو الكلام الموزن المقفى»، أما محاولات الجيل الجديد فلم تكن في ملة الأوصياء (الشرعيين) إلا هذيانًا. كانت وسائل النشر نادرة، والموجود منها محتكر ومقصور على أصحاب المطولات المغرقة في التقليد. وشيئًا فشيئًا بدأ بعض المزودين بالوعي الجديد الآخذ في النمو على صعيد المواجهة السياسية، كما في المجال الثقافي، يتموقعون في بعض مكاتب تحرير وسائل النشر المكتوبة (عبد الجبار السحيمي) مثلًا، فوجد الإبداع الجديد مساحة للتعبير عن وجوده، فاستثمر كُتاب شباب، ومنهم شعراء، ما أتيح لهم من تلك المساحة، وسرعان ما اكتسحوها حتى كادوا يستأثرون بها خلال الستينيات وما بعدها.
■ بعد ديوانك الأول «آخر أعوام العقم» (1974)، الذي يبين مفهوم الالتزام بسبب الحقبة التاريخية الحرجة التي عشتها أنت وأبناء جيلك، كرست عبر دواوينك التالية كتابة ذاتية رائية، حيث ترتفع أنا الشاعر بأشواقها وأحلامها وتجاربها، داخل متاهة التأويل والكشف والانخطاف، إلى مرتبة اليوتوبيا والأسطورة الشخصية. ما هي أهم المصادر التي استلهمتها وعدت إليها؟
□ لم أنفض يدي إلا من الالتزام بمحدداته الحزبية الضيقة. منذ أوائل الثمانينيات توجهت بكل اهتمامي إلى الاطلاع على تجارب شعرية إسبانية وأمرولاتينية، وانصرفت مؤقّتًا عن قراءة الشعر العربي. كان لكارثة سقوط فلسطين من جهة، ولإحباط طموحات جيلي جراء السياسة الخرقاء في المغرب والعالم العربي من جهة أخرى، دور في هذا التحول. وجدت في الأدب الأمرولاتيني مفهومًا للالتزام أشمل، التزام بقضايا الإنسان وهو يعارك وجوده، ويحاول فهم ذاته كجزء لا يتجزأ عن الذات الإنسانية العامة. وجدت فيه فضاء وحساسيات لا عهد لي بها.
وقد أثار غارسيا ماركيز اهتمامي بواقع عجائبي ليس بديلا عن الواقع اليومي المباشر، وإنما هو مواجهة هذا الواقع المباشر بالعجائبي الذي يلغي الخط الوهمي الفاصل بينهما بواسطة إبداع صور تخييلية تبدو فيها الأشياء غير المتوقعة مألوفة، من دون الإخلال بسياق الواقع. فالعالم لديه لغة، والحقيقة لا تكتسب صدقيتها إلا من اللغة التي صيغت بها. وهذا عالم لا يختلف في واقعيته الغرائبية عن عالم بورخيس. هذان الاسمان بعضٌ من كل واسع كثيف، يتكوّن من كوكبة من المبدعين يشكلون أوركسترا متنوعة منسجمة في إطار الواقعية السحرية المدهشة. وإذن، لم أتخل عن الالتزام، بل توسع مفهومي له باعتباره يسع الالتزام بقضايا الإنسان وهمومه حيث ما كان. كان لي رصيدي قبل أن أنخطف إلى عالم الواقعية السحرية. فقد كنت بصدد إعداد دراسة عن الحكاية الشعبية المغربية، وجمعت العشرات من الحكايات الشفوية والمكتوبة، ومنها كتاب في جزءين عن الحكاية الشعبية اليهودية المكتوبة بلغة إسبانية، كان اليهود في الشمال يتخاطبون بها في ما بينهم، في الغالب. ويضم هذا الكتاب عشرات القصص الشعبية المتداولة بين اليهود المغاربة، ويرسم صورة عجيبة قوامها رؤية إلى صميم الواقع الاجتماعي المغربي من داخله، ومن وجهة نظر أخرى.
وبديهيٌّ أن تتداخل هذه العناصر مع قاعدة تكويني الأساس، أي الأدب العربي على امتداد عصوره ومدارسه، فكان لا بد لهذا المزيج أن ينتج (مخلوقاً) له خصائصه.
لم أكن في أي مرحلة من مسار كتاباتي مهووسًا بالتفوق واحتلال موقع الصدارة والريادة في ما كتبت وأكتب. ولكنني شديد الاهتمام بكسب خانة تُميِّزني عن غيري من الشعراء، لا يهمني موقع هذه الخانة في سلم التصنيفات. وقناعتي هي أنه من الخير للمبدع في أي مجال، إذا لم يوفق إلى احتلال موقع يميزه مهما كان متواضعًا، أن ينسحب راضيًا بلا حسرة ولا إحباط.
■ الرؤيا، الذات والإيقاع، هي في اعتقادنا، أقانيم تجربتك الأساسية التي لا تشتغل إلا مُجْتمعةً. بالنسبة إلى الإيقاع، يكتشف الدارس أنك تتجاوز كِتابيًّا أطر العروض ومقرّراته المسبقة عبر اجتراحك لصيغ وتشكُّلات وزنية- إيقاعية جديدة تعتمد أساسا على التوازي والترجيع والموازنات الصوتية؟
□ أعتقد أن كل تجربة أغامر باقتحامها، تعثر تلقائيًّا على إيقاعها الملائم، من دون أدنى تدخل مني. فلا يزيد عملي في هذا الصدد عن مواصلة الإيقاع الذي ألتقي به رُبّما صدفة أو استجابة لدواعٍ لاشعورية. لا ألتفت حتى لاسم البحر العروضي، ولكنّني أحرص على إيقاع ينتظم النص من مطلعه حتى مختتمه. ولا تستجيب شاعريتي وتواصل التدفق إلا على إيقاع عفوي لم أتخيره، بل يتم اختياره في غيابي بتواطؤ بين عالم القصيدة ونبضات لغتها. أتوقع أن كثيرًا من القراء ممن لا خبرة لهم بالعروض يقرأون القصيدة كنص منثور، خاصة حين أُدوّر الأشطر بحيث تنتهي التفعيلة في الشطر الموالي، وفي بالي أن بعض القراء لا يحسون بهذا التتابع الإيقاعي. هذا ما لمسته من حواراتي العابرة والعفوية مع بعض القراء. ولا شك أن بينهم من هو أكثر معرفة مني وأحدّ إحساسًا بالإيقاع ..
عن الذات والموضوع في الشعر ليس لي ما أضيفه إلى ما يقوله كل المهتمين بالشعر كل من موقعه الثقافي والمعرفي، أي أن حضور الذات في نص شعري مهما ادّعى من واقعية هو ما يميزه عن الخطاب الإخباري أو الوصفي المباشر. الذاتية هي مطعن خصوم الشعر من سياسويين ومقاولين ومن في حكمهم. وأنت أدرى بذلك كشاعر. أحبُّ أن أضيف أن الذات التي تشغل اهتمامي هي الذات المشتركة التي توحدها الهموم والمخاوف نفسها، وليس الذات المنطوية على عالمها الفردي الخاص.
■ مما نكتشفه داخل نصوصك، وربّما ميّزك عن كثير من الشعراء المعاصرين، هو أنّك تفكر في شعرك من داخله عبر ما ندعوه اصطلاحيًّا بـ)ميتا شعر)، هل هو قلق الكتابة، أم ضوء عزاء في متاهة التأويل والخشية من إساءة القراءة؟
□ إن الكلام الشعري ليس كأي كلام. إذا كنا نكتفي بتوظيف وسائل النطق والسمع والفهم… في خطاباتنا اليومية، فإن الخطاب الشعري لا تكفيه تلك الوسائل والقدرات. علينا لكي نكتب عبارة شعرية أن نهيب بكل كياننا الوجداني والعقلي، وأن نستحثّ مخيلتنا ومعارفنا وتجاربنا، وهي الوسائل نفسها التي علينا توظيفها لقراءة الشعر. الشاعر يفرغ كل كيانه في العبارة الشعرية ليرتفع بها عن مستوى الخطاب اليومي ويكسبها ميزة صفة الشعر.
■ هل لك طقوس معينة في كتابة القصيدة؟ وهل تعود إليها من أجل تنقيحها وإعادة كتابتها؟
□ ليست طقوسًا بقدر ما هي عادة: يلزمني الاختلاء بذاتي وخلو الفضاء الذي أوجد فيه من أي مثير. لا أستطيع الكتابة وأنا منشغل أو مهموم بأي شأن من شؤون الحياة اليومية. أجمد أحزاني وأفراحي وآلامي وأتفرغ بكل وعيي للقصيدة، حتى الموسيقى، مهما كانت عذبة، تشوش على تركيزي. ولا حاجة لي في أي مثير أو منبه إذا ساد الصمت من حولي، باستثناء أصوات الطبيعة من رياح وأمطار وأمواج بحر وهزيم رعد… أعود إلى القصيدة مرات للتحقق من سلامتها من الخطأ اللغوي والكتابي قدر المستطاع. أغير لفظة هنا وتعبيرًا هناك قبل نشرها، ونادرًا ما أعود إليها وقد نشرت وأصبحت ملْك القارئ.
■ أقدمت في الآونة الأخيرة على إصدار سيرتك الذاتية تحت عنوان: «كأنّها مصادفات». لماذا جنّستها بـ»تداعيات سير ذاتية»؟ وهل تشعر بأنّ فصول هذه السيرة بزخمها وعرامتها لا تستطيع القصيدة كخطاب خاص ونوعي أن تتحمّله؟
□ كتاب «كأنها مصادفات» ربما اكتسب صفة السيرة الذاتية (مصادفة)، فلم يكن في حسباني تسجيل سيرة حياتي، لولا حوار مطول أجراه معي صديقان ونشر في جريدة «القدس» اللندنية. معرفة الصديقين ببعض تفاصيل حياتي استثار ذكراتي وأعادني إلى مراحل لم تتطرق لها أسئلة الصديقين فظهر لي أن استكملها. أعدت قراءة الحوار بكل ما أستطيع من الموضوعية، وظهر لي أن عليّ أن أملأ الفراغات بما تسعف به الذاكرة على مهل وبعيدًا عن هاجس النشر. وهكذا، وبكل تلقائية، شرعت الذكرى تستدعي زمانها ومكانها وأناسها من الأموات والأحياء. وتوقظ ذكرى صاحبتها أو والتها أو سبقتها. بعد ذلك أعدت قراءة ما تذكرت، وأنا أرتب الأحداث زمنيًّا وفق ما أرادت ذاكرتي. فهي إذن تداعيات أكثر منها مُذكِّرات. ليس ما ورد في «كأنها مصادفات» شاملًا لما عشت وعاينت، بل هو ما تداعى إلى ذاكرتي تلقائيًّا. فلم يسبق أن سجلت حدثًا وأنا أعيشه، فالكتاب إذن عودة إلى ماض لم يبق منه في ذاكرتي إلا ما هو منحوت على صخرة ثابتة في الطريق الذي صادفني أو صادفته، وما زال مفعوله ساريًا في حياتي.
استلهمت العنوان «كأنها مصادفات» من قناعتي أن ما نضع من خطط لن يتمَّ كما تصوّرنا أبدًا، بل تتداخل عوامل، لست أدري أهي مصادفات، أم بفعل فاعل، فتفاجئنا بأحداث تتلاقى أو تتصادف لتغير دفة مسيرة حياتنا وتتوالد عنها أحداث لم تكن في حسباننا. هذا ما طبع المفاصل الفارقة في حياتي، ولست أدري هل باقي حيوات الآخرين تسير على هذه الوتيرة أم أن هناك من يخطط فتصدق خططه.
لعلني قلت في تداع ما من الكتاب أن الشاعر قد يكون في غنى عن سرد حياته في سيرة ذاتية، فقد تكفل شعره بتسجيل كل مفاصلها. هذا ما أعتقد فيما يخصُّني، لكن لغة الشعر لا تقبل بعض التفصيلات والتسميات والتواريخ فلا بأس إن أعاد الشاعر صياغة بعض أحداثها سردًا إن (صادف) ما يدفعه إلى ذلك.
■ في سحيق طفولتك، ثمّة مصدر رئيس كنت تستوحي منه مشروع قصيدتك بغنائيتها الخاصة، قبل احتكاكك بالطبيعة والكتب والسجال الثقافي العارم منذ خمسينيات القرن الفائت، وهو الأم. لماذا وصفتَها في سيرتك بـ»القطب الأقوى»؟
□ القطب الأقوى الذي قصدت، لا يقف عند أمي بل ينطلق منها ثم يشمل الأنثى عامة، فقد أقنعتني ما خبرت وعشت من أحداث أن الأنثى هي القطب الأقوى في الثنائية البشرية. وما ذكرته عن أمي ومن صادفت عداها من النساء هو نتيجة قناعتي بهذه الحقيقة. وبقي في نفسي كثير مما ينبغي أن يقال عن قوة المرأة وقدرتها على المبادرة والمباشرة، إن نحن رفعنا عنها وصية الذكر الذي هو صنيعتها، ولكن نزعته المنحدرة من عهود الحريم تحجب عنه حقيقة موقعه من هذه المعادلة الثنائية الإنسانية.