لندن ـ «القدس العربي»: هل أثرت الأوامرالملكية التي أصدرها الملك سلمان يوم السبت على خطة الإصلاح التي يقودها نجله.
ولماذا قرر الملك إلغاء سلسلة من الإجراءت التقشفية والتي تم فيها استقطاع البدلات والعلاوات والمزايا المقدمة لموظفي الدولة مدنيين كانوا أم عسكريين؟
يرى المسؤولون السعوديون أن التحرك الملكي جاء نتيجة للوضع المالي المستقر فيما يقول محللون إنه محاولة للتخفيف من مشاعر الحنق بين المواطنين السعوديين الذين عبّروا عن قلقهم من كلفة الكهرباء والماء والوقود.
وشملت القرارات تعيين نجلين من أبنائه في مناصب بارزة بالإضافة لولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يعتبر من المؤثرين في البلاد من خلال منصبه كوزير للدفاع ومشرف على الحملة التي تقودها البلاد ضد المتمردين الحوثيين في اليمن وراع في الوقت نفسه لخطة التحول الإقتصادي وتقليل اعتماد البلاد على النفط والتي تشمل على برنامج التحول الوطني 2020 ورؤية 2030.
وناقش سايمون كير في صحيفة «الفايننشال تايمز» تداعيات القرارات الملكية التي شملت أيضاً تعديلات وزارية بالقول إن خطة نائب ولي العهد ستتأثر بالقرارات الجديدة التي جاءت بعد عام من تخفيض النفقات الحكومية.
وأثرت القرارات التي اتخذت العام الماضي وشملت تخفيضاً بنسبة 20% من نفقات عدد من الوزارات الأشد التي واجهها السعوديون منذ عقود ولمواجهة تراجع أسعار النفط وتركت آثارها على ثقة المستهلك وأثارت حنق رجال الأعمال. ويقول كير إن التراجع عن القرارات يعتبر مضراً لإصلاحات الأمير محمد بن سلمان.
ويبرر المسؤولون السعوديون التراجع السريع عن الإجراءات السابقة بقولهم إن الوضع المالي تحسن بعد عامين من سياسة تخفيض النفقات. ويرى مازن السديري، رئيس دائرة البحث في شركة الراجحي كابيتال «كنت أتوقع بعض المحفزات من الحكومة ولم نتوقع إعادة العلاوات بشكل سريع».
ويرى السديري أن تخفيض النفقات في قطاع الخدمة المدنية أدى إلى توفير ما بين 36- 40 مليار ريال سعودي. وأضاف أن سعر برميل النفط المستقر على 50 دولاراً ساعد الحكومة على اتخاذ القرار الاخير خاصة أن السياسة المالية قامت على أساس هذا السعر.
وقال: «كان العام الماضي صعباً وستعود الحكومة للإنفاق على الإقتصاد من جديد».
ويأتي التعديل الوزاري والقرارات الملكية في وقت تحاول السعودية إعادة بناء العلاقات مع الولايات المتحدة بعد سنوات من التوتر في ظل إدارة باراك أوباما.
سفير جديد
ويأمل السعوديون بدعم من إدارة دونالد ترامب في حربهم في اليمن ضد الحوثيين ومواجهة التأثير الإيراني في العراق وسوريا واليمن، ومن هنا فقد جاء تعيين الأمير خالد بن سلمان سفيراً للرياض في واشنطن بدلاً من الأمير عبدالله بن فيصل بن تركي.
وكان الأمير خالد قد عمل طياراً عسكرياً وشارك في الطلعات الجوية ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا. وعلّق كير على تعيينه بأنه مثال على دفع الملك سلمان بالجيل الجديد من الأمراء للأمام.
وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» إن القرارت الأخيرة هي جزء من محاولات القيادة السعودية تكييف مالية المملكة التي تأثرت بسبب تراجع أسعار النفط.
وتضيف إن تأكيد استقرار الميزانية نابع من رغبة المسؤولين إحداث توازن بين النفقات والحفاظ على دعم المواطنين الذين تعودوا على البدلات والدعم الكريم، مشيرة إلى أن إجراءات العام الماضي تسببت بالكثير من التذمر، خاصة أن ثلثي المواطنين السعوديين يعملون في مؤسسات الدولة خاصة أن العلاوات كانت تمثل جزءاً كبيراً مما يحصلون عليه من رواتب شهرية.
وكجزء من التغييرات عيّن الملك نجله الأمير عبد العزيز بن سلمان في منصب وزير للطاقة بعدما كان يعمل نائباً لوزير النفط. وعليه سيكون للأمير عبد العزيز دور في خصخصة أسهم من شركة النفط العملاقة «أرامكو» وفي الوقت نفسه سيلعب دوراً في القرارات التنفيذية.
وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» إن الملك منذ توليه السلطة عام 2015 فوّض الكثير من السلطات لأبنائه خاصة الأمير محمد، الثاني في ولاية العهد بعد ابن عمه الأمير محمد بن نايف.
وترى أن المهمة الأولى للسفير الجديد في واشنطن هي تحسين العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة بعد سنوات الخلاف مع أوباما بسبب مصر وسوريا وتوقيع الرئيس السابق الإتفاقية النووية مع إيران.
وتقول الصحيفة إن المسؤولين السعوديين تحدثوا بإيجابية عن لقاءاتهم مع الرئيس ترامب.
تقارب
وفي السياق علقت صحيفة «وول ستريت جورنال» على عملية التغيير بالمناصب الدبلوماسية في واشنطن على أنها جزء من التقارب مع الولايات المتحدة مشيرة إلى أن الأمير خالد يعتبر قريبا من شقيقه محمد ورافقه في زيارته لواشنطن في حزيران/يونيو العام الماضي، ويعتبر الإثنان من الدائرة المقربة للملك.
وعلى خلاف شقيقه محمد الذي درس في الجامعات السعودية فقد تلقى الأمير خالد تعليمه في جامعة جورج تاون وعمل في سلاح الجو السعودي وتلقى تدريبه في قاعدة نيليس الجوية في نفيادا وكولومبس في المسيسبي. وشارك في الحرب الجوية ضد الحوثيين باليمن. وتأمل السعودية بالحصول على دعم أمريكي في هذه الحرب.
وفي زيارة قام بها وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس للرياض الأسبوع الماضي قال مسؤولون رافقوه إن الولايات المتحدة تفكر في سلسلة من الدعم العسكري للمملكة على أمل مقاومة المتمردين الحوثيين ومواجهة التأثير الإيراني.
وفي تصريحات لوزير الدفاع قال إن من المهم المساعدة في «تعزيز مقاومة السعودية للمشاكل التي تسببها إيران».
وتعتبر السعودية تقليدياً من أكبر المستوردين للسلاح الأمريكي وسيلعب الأمير خالد دوراً في توقيع صفقات جديدة.
وقالت لوري بلوتكين بوغارد وسايمون هندرسون من معهد واشنطون لدراسات الشرق الأدنى في مقالة لهما في شهر شباط / فبراير «ينظر إليه على أنه نسخة جديدة لبندر بن عبد العزيز والذي تلقى تدريبه كطيار حربي قبل أن يتسيد العلاقات الأمريكية ـ السعودية لأكثر من عقدين كسفير في واشنطن».
رسالة واضحة
وكتب غوردن لوبولد في «وول ستريت جورنال» عن زيارة ماتيس التي شملت السعودية ومصر وإسرائيل.
وحمل معه رسالة من إدارة ترامب تؤكد على إعادة ترتيب العلاقة مع هذه الدول والتأكيد على أن واشنطن ودول المنطقة لديها مصالح مشتركة مثل مقاومة الإرهاب.
ولاحظ الكاتب أن النبرة التي برزت في كلام ماتيس هي الحديث المستمر عن إيران الخبيثة «في أي مكان نظرت فيه مشاكل بالمنطقة فستجد إيران».
وقال «ضع إيران في الزاوية ومستوى التشويش الذي يتسببون به وعدم الإستقرار».
ويقول الكاتب إن تشكيل تحالف يخدم كحاجز ضد إيران يمثل فرصة رحب بها زعماء المنطقة. ففي أثناء عمله في إدارة أوباما كجنرال بأربع نجوم كان ماتيس ناقداً للسياسات الإيرانية فيما انشغلت فيه الإدارة بملاحقة المفاوضات مع إيران بشأن ملفها النووي.
ويعتقد أن مواقفه الناقدة كانت وراء إعفائه من مهامه كقائد للقيادة المركزية في الشرق الأوسط عام 2013 قبل أن ينهي مهامه التي تمتد عادة على ثلاثة أعوام.
واليوم وقد أصبح الجنرال المتقاعد وزيراً للدفاع فلديه القدرة على تشكيل والتأثير على السياسات المتعلقة بإيران.
وفي زيارته للمنطقة الأسبوع الماضي تحدث ماتيس عن دعم إيران للحوثيين وحزب الله اللبناني وتأثيرها في سوريا.
وأثرت تصريحاته على مواقف الإدارة في واشنطن حيث تحدث الرئيس ترامب عن أن إيران لم تف بروح الإتفاق الموقع عام 2015.
ويقول الكاتب إن الكثير من قادة الشرق الأوسط عبروا عن ارتياحهم. وفي بعض الحالات كان وجود ماتيس في القاهرة والرياض والقدس هي الإشارة الوحيدة لإقناع هؤلاء الحلفاء أن العلاقات عادت لمجاريها.
وأثنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ما سمّاه العهد الجديد قائلا « نشعر بأنها هناك تغير في اتجاه السياسة الأمريكية».
ومع ذلك فلم يظهر بعد توجه للسياسة الخارجية الأمريكية وطريقة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية مثلا أو التعامل مع النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
وقاد قرار الإدارة توجيه ضربة للنظام السوري واستخدام قنبلة ضخمة «ام القنابل» في أفغانستان للتساؤل عن طبيعة الإستراتيجية التي تعتمد عليها الإدارة.
وعليه فقرار مصر الإفراج عن مواطنة أمريكية معتقلة في السجون المصرية قدم إشارة حول طبيعة إعادة ترتيب العلاقات التي تريدها إدارة ترامب. فقد برأت محكمة مصرية آية حجازي، 30 عاما من التهم الموجهة لها.
ويقول مسؤولون إن ترامب اهتم شخصيا بموضوعها. وفي أثناء رحلته التي استمرت اسبوعا زار ماتيس جيبوتي وقطر لم يخف حديثه عن الدعم الذي ترغب الولايات المتحدة تقديمه لهذه الدول والذي ترغب أن يخدم مصالح أمنية معينة وقد تضم أنظمة دفاع صاروخية.
ففي السعودية مثلا ربما أعطت إدارة ترامب الضوء الأخضر لبيع مقذوفات موجهة. وكانت إدارة أوباما قد أوقفت صفقة بقيمة 400 مليون دولار بسبب الخسائر بين المدنيين في اليمن. وبدأت واشنطن تعاونا أمنيا مع الإمارات وقدمت لها دعما استخباراتيا في القتال بداخل اليمن.
وفي هذا البلد لا تزال الولايات المتحدة مهتمة بملاحقة تنظيم «القاعدة» والتي تمثل تهديدا مباشرا على الولايات المتحدة أكثر من تنظيم «الدولة». إلا ان واشنطن لديها مصلحة بتسوية سياسية في اليمن من أجل تركيز الجهود على «القاعدة».
ويظل تحقيق هذا الأمل بعيدا في الوقت الحالي إلا أن ماتيس يرى تقديم الدعم لحلفاء مثل السعودية سيجبر الحوثيين على التفاوض.
تحقيق الرؤية
وكان ديفيد إغناطيوس قد تحدث قبل أيام مع الأمير محمد بن سلمان في لقاء استمر 90 دقيقة وحدد من خلاله رؤيته الإقتصادية والإجتماعية.
وفي مقاله الذي نشره بصحيفة «واشنطن بوست» أشار إلى خطط خصخصة أرامكو واللبرلة وقطاع الترفيه رغم ما يمكن أن تقدمه الدوائر المحافظة من احتجاجات. وقال بن سلمان إن أهم نقطة هي رغبة الراي العام لتغيير التقاليد.
ويقول إغناطيوس إن التغيير بات مرغوبا في هذا البلد الشاب والمضطرب. ففي استطلاع سعودي جرى في فترة قريبة وجد أن 85% من الرأي لو طلب من الإختيار بين الحكومة أو السلطات الدينية في شؤون السياسة لاختار الأولى.
وقال عبدالله الحقيل، مدير مركز حكومي للرأي العام إن نسبة 77% من الذين تم استطلاعهم عبروا عن دعمهم لرؤية 2030 ودعمت نسبة 82% الحفلات الموسيقية والتجمعات العامة التي يختلط فيها الرجال والنساء.
ولم يتم التأكد من صحة هذه الأرقام إلا أنها تؤشر للمسار العام ورغبة الناس بالتغيير وتلقى دعما من روايات كثيرة.
وقال «ام بي اس» كما يطلق عليه المسؤولون الأمريكيون أنه متفائل برئاسة ترامب. ووصف الرئيس الأمريكي بأنه «سيعيد أمريكا لمسارها الطبيعي» وقال «لم يكمل ترامب مئة يوم بعد ولكنه أعاد كل التحالفات الأمريكية مع حلفائها التقليديين».
ويقول إغناطيوس الذي سافر كجزء من الفريق الصحافي المرافق لجيمس ماتيس للرياض إن زيارة وزير الدفاع هي صورة عن التحول في العلاقات.
ويشير الكاتب هنا إلى أن محمد بن سلمان يحاول التقرب من روسيا وقدم توضيحا غامضا حول هذا التوجه «الهدف هو أن لا تضع روسيا كل أوراقها بالمنطقة خلف إيران».
ومن أجل إقناع روسيا أن السعودية رهان أحسن من إيران «فنحن نقوم بتنسيق سياستنا النفطية في الفترة الأخيرة» مع موسكو والتي «قد تكون أحسن صفقة اقتصادية تحصل عليها روسيا في الأزمنة الحديثة».
ولاحظ الكاتب أن التوتر في البلاد أقل مما كان عليه العام الماضي، حيث جرى الحديث عن منافسة بين ولي العهد محمد بن نايف ونائبه محمد بن سلمان.
ومهما كانت الحال فبن سلمان يمسك الآن بزمام المؤسسة العسكرية والتغييرات الإقتصادية وجمع حوله فريقا من التكنوقراط والناشطين.
وتسير خطط الإصلاح ببطء ولكن بشكل ثابت. وقال بن سلمان إنه تم تخفيض العجز في الميزانية وزادت واردات القطاع غير النفطي ما بين 2014 ـ 2016 بنسبة 46% ويتوقع زيادتها هذا العام بنسبة 12%.
ولا تزال مشكلة البطالة والإسكان ولن تتغير إلا في عام 2019 و2021. أما التغير الإقتصادي الكبير فهي خطط خصخصة نسبة 5% من أرامكو التي يقول الأمير أنها ستحصل في العام المقبل.
ومن المتوقع أن يدر البيع مليارات الدولارات وسيكون أكبر بيع في التاريخ المالي. وأخبر الأمير الصحافي أن البيع يعتمد على وضعية السوق االمالي ووجود خيارات استثمارات جيدة.
وواحد من الأسباب الداعية لهذا المشروع هو تنويع الإقتصاد لمجالات اخرى منها قطاع التعدين والذي قد يؤدي إلى ثروة بقيمة 1.3 تريليون دولار.
وحدد المسؤولون السعوديون عدداً من أهداف الإستثمار: بناء صناعة محلية وتخفيض نفقات المملكة السنوية على السلاح التي تقدر بقيمة 60-80 مليار دولار.
وتخفيض الإنفاق على العربات والسيارات التي تنفق الدولة 14 مليار دولار من أجل استيرادها سنويا وإنشاء قطاع للترفيه والسياحة للحصول على حصة من 22 مليار دولار ينفقها السعوديون في الخارج سنويا.
ويظل هذا القطاع من الأمور المثيرة خاصة في كيفية تطبيقه، ففي هذا الشهر قدمت أوركسترا يابانية عرضا شارك فيها رجال ونساء.
وتم تنظيم معرض للأبطال الخارقين في جدة. وتعتبر هذه تطورات كبيرة وثورة في بلد كان المكان الوحيد للترفيه هو المطاعم ومراكز التسوق.
ويأتي العالم بكل مصادره إلى السعودية ففي الشهر الماضي تم تنظيم سباق للسيارات السريعة «مونستر جام» في استاد الملك فهد الدولي « وهناك خطط لتطوير منتزه ضخم للترفيه في الرياض.
ويرى الكاتب أن ما يهم هو أن يستمر الأمير في التحالف مع الولايات المتحدة دونما أن ينظر كتابع لها. ويقول «لقد تأثرنا بكم كثيرا» و «ليس لأنكم مارست ضغوطا علينا، فلو مارس أحدهم ضغطا علينا فسنمشي في الإتجاه الآخر، لكن لو عرضتم فيلما في السينما فسأشاهده وأتأثر به».
وقال «كنا سننتهي مثل كوريا الشمالية» و»بتحالفنا المستمر مع الولايات المتحدة، فسنندمج أكثر مع العالم».
وعندما سئل عن المؤسسة الدينية كان الأمير حذراً حيث يتعامل معهم كحلفاء ضد الراديكالية وليس كأعداء.
وقال إن ظاهرة التطرف حديثة وجاءت نتاجا للثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 واحتلال الحرم من قبل أتباع جهيمان.
وقال «أنا شاب، و70% من السكان شباب» و«لا نريد تضييع حياتنا في هذه الدوامة التي نعيش فيها منذ 30 عاما، ونريد إنهاء هذا العصر الآن. ونريد أن يتمتع السعوديون في الأيام المقبلة ويركزون على تطوير مجتمعنا وتطوير أنفسهم كأفراد وعائلات ونحافظ على ديننا وتقاليدنا، ولن نستمر في فترة ما بعد السبعينات فقد انتهى هذا العصر».
إبراهيم درويش