الدوحة ـ «القدس العربي»: ينقل ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مسار علاقات المملكة العربية السعودية مع إسرائيل، من الدوائر المغلقة بمساراتها السرية، إلى الفضاء العام، عبر قنوات رسمية، عبر رسائل مباشرة يبعث بها جملة، ويقطع الشك باليقين في تحديد نظرته لمستقبل علاقات بلاده مع سلطات الاحتلال.
قالها صراحة، ومن دون مواربة، أنه «يقر بحقوق الشعب اليهودي أرض أجداده». ويؤكد أن بلاده تطمح لمزيد من المصالح والمنافع المتبادلة مع إسرائيل.
لم يعد خافيا أن ما كان عبارة عن مؤشرات غير واضحة المعالم، وتلميحات تقال في جلسات مغلقة، حول حقيقة قنوات التواصل بين الرياض وتل أبيب، ارتسم الآن بشكل واضح وجلي، يستند على خريطة طريق بينة المعالم ومعلنة رسميا على لسان الحاكم الفعلي للبلاد.
جيفري غولدبيرغ يعلنها صراحة أن «هناك عضوا رئيسيا آخر على الرغم من كونه خفيا، في تحالف الأمير محمد بن سلمان مع إسرائيل، وهي الدولة التي لم يكن لدى الأمير كلمة سيئة ليقولها عنها. ويوضح قائلا: «عندما سألته ما إذا كان يعتقد أن لدى الشعب اليهودي الحق في دولة قومية في جزء من موطن أجداده على الأقل، قال بن سلمان: أعتقد أن كل شعب، في أي مكان، له الحق في العيش في سلام». يستطرد الصحافي، «أعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة بهم». عبارة الحق في أرض أجداده أي أرض الإسرائيليين في فلسطين، ولم يستوقفه بن سلمان في جوابه، أو يشير إلى معلومة بديهية يعلمها العرب وأصحاب الحق، أن تلك الدولة، أصلا، أرض فلسطينية وليست ملكية للصهاينة، وكان حريا به التوضيح بجملة اعتراضية بسيطة لتصحيح المعلومة.
حاكم السعودية الفعلي، لم تستوقفه سموم الصحافي، ومضى أبعد معه بتأكيده حق المحتلين في السيطرة على الأرض التي انتزعوها من سكانها وفق توصيف الأمم المتحدة التي تعتبر المستوطنات أرضا محتلة.
الصحافي يطربه الحديث الذي يستمتع له، وتنبسط أساريره لرد محاوِره، قائلا أنه: «وفقا لمفاوض السلام الأمريكي السابق دينيس روس، فقد تحدث القادة العرب المعتدلون عن حقيقة وجود إسرائيل، لكن الإقرار بأي نوع من (الحق) في أرض الأجداد اليهود كان خطا أحمر لم يعبر عنه أي زعيم حتى الآن».
بن سلمان لم يعبر ولو بكلمة استنكار واحدة عن الجرائم المرتكبة في حق أشقائه، والحقوق المهضومة والمعاناة التي يواجهونها مع سلطات جائرة.
الصحافي الصهيوني نفسه يفضح ضيفه بتأكيد نقطة محورية وهي أن «اللقاء مع ولي العهد السعودي كان قبل أحداث العنف القاتلة الأخيرة، على حدود قطاع غزة» مضيفا «لكنني لا أعتقد أن ولي العهد السعودي كان سيغير من وجهات نظره في ضوء هذه الأحداث، لقد تعب السعوديون، مثل العديد من القادة العرب من الفلسطينيين».
المقابلة التي أجراها ولي العهد السعودي، بما حملته من رسائل جاءت ساعات بعد جلسته ولقائه الخاص الذي جمعه في زيارته الأخيرة لواشنطن باللوبي الإسرائيلي. لم ترشح تفاصيل دقيقة عن فحوى اللقاءات، لكن مقابلته الأخيرة عبرت إلى حد كبير عن ما يكون قاله، وتشي بما ينوي القيام به وهي تدعم كل المعلومات المتواترة عن ما يسمى بصفقة القرن التي تعده بلاده مع مصر والإمارات عرابها الأساسي بالتخطيط مع ترامب وصهره كوشنر.
تصريحات بن سلمان تتوافق مع تسريبات أطلقها رجالاته المقربين حول تطبيع وشيك لعلاقات المشرفين على الصفقة مع سلطات الاحتلال وجعل المسار أمرا واقعا.
السعودية في عهد رجلها الجديد الذي يطمح للوصول للعرش ولو كلفه الأمر تقديم تنازلات بالجملة لترامب وأركان حربه، واللوبيات الصهيونية، تسير وفق أجندة واضحة لترسيم تطبيع شامل للعلاقات مع الاحتلال.
السماح للطائرات الهندية المنطلقة من تل أبيب بالمرور بالأجواء السعودية تأتي في سياق التحركات التي يتنباها التيار المطبع للتدرج في خطوات فتح قنوات الاتصال المباشر.
هذه المعلومات تعيدنا إلى جمع تفاصيل سابقة كشفت عنها وسائل إعلام دولية نقلا عن مصادر رسمية. وعاد المتابعون لما نشرته وكالات أنباء، عن أنّ ولي العهد السعودي نفسه زار إسرائيل، في أيلول/سبتمبر الماضي.
وأكد مسؤولون إسرائيليون المعلومة، وتوقفوا عند مؤشرات، حدوث تطور دراماتيكي في العلاقة بين الرياض وتل أبيب.
وتأكيد الزيارة، يتزامن واعتراف رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بوجود «تطور غير مسبوق» طرأ على العلاقة بين كيانه و«دول عربية لا تقيم علاقات معها» وهو ما فُهم على نطاق واسع أنّه يقصد تحديداً دولاً خليجية على رأسها السعودية.
وأشارت وسائل إعلام غربية وإسرائيلية، إلى العديد من المظاهر التي تعكس تطور العلاقات السرية بين السعودية وإسرائيل، ضمنها: التنسيق السياسي والتعاون الأمني، وتبادل الزيارات بين المستويات التنفيذية في الجانبين.
التسريبات المتزامنة، رافقتها معلومات عن قيام الرئيس الأسبق للاستخبارات الإسرائيلية «الموساد» مئي ردغان، وسلفه تامير باردو، بزيارة الرياض وعقد لقاءات مع المسؤولين السعوديين، في حين تم الكشف عن زيارة قام بها لتل أبيب الأمير بندر بن سلطان، رئيس المخابرات السعودي الأسبق عام 2006 وعقده لقاء مع رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت.
ومؤخرا لم يعد مسؤولون وأمراء من العائلة المالكة السعودية يخشون من فضح تورطهم في أنشطة تطبيعية علنية مع إسرائيل.
وسبق وأن أعلن مدير المخابرات السعودي الأسبق تركي الفيصل، لقاءه مرات عدة، بوزيرة الخارجية السابقة تسيفي ليفني، وشارك في برامج ومناظرات إعلامية مع مستشار الأمن القومي السابق لنتنياهو الجنرال يعكوف عامي درور، ورئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلي الأسبق عاموس يادلين.
كما صافح الفيصل، على هامش مؤتمر للأمن نُظم في ألمانيا عام 2015 وزير الحرب الإسرائيلي موشيه يعلون. وطوّر علاقة حميمية بوكيل الخارجية الإسرائيلي دور غولد.
ويقابل هذه التحركات، المزيد من التنازلات التي تقدمها المملكة لنيل رضى دوائر صنع القرار الدولي والتأكيد على أحقية محمد بن سلمان في تحقيق انقلاب حقيقي في عرش آل سعود يضمن ولاء الجميع لمخططه.
ويستند حاكم السعودية في تنفيذ خطة الاستيلاء على الحكم في بلاده على دعم محوري يقدمه المخطط الاستراتيجي لمشروعه ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد عراب مشاريع التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
الأيام المقبلة ستكون حبلى بمزيد من المفاجآت التي يخطط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإطلاقها تكشف علنا عن مخططات كانت تحاك في السر، تقود إلى مد جسر مباشر بين أرض الحرمين وتل أبيب.
سليمان حاج إبراهيم