محمد شانع أبو صلاح … شاعر تقليدي من زمن الحداثة

حجم الخط
0

إنه الشاعر المغربي محمد شانع أبو صلاح، الذي حبذ الكتابة في الظل، وكأني به يأبى إلا أن يجعل من صوت القريض خفيضا، لئلا يخدش كبرياء غيره ممن هم تحت الأضواء.
أن تكون في الواجهة ويقرأك الجميع معناه، أنك في كامل نجاعتك الإبداعية، وأنك حلقت مليا في علياء الشعر مغربيا وعربيا، عن طريق الانتشار والذيوع الذي تؤججه المناسبات الثقافية المختلفة هنا وهناك، لكن السؤال الذي يراودنا هو التالي: كيف يتسنى للمغمور من الشعراء أن يحقق هذا المبتغى، وهو الذي لا يملك سوى أنفته وقريحته الإبداعية التي لا تسعفه على المساومة أو التذلل للآخر، سيرا وراء الرسالة المثلى التي من الأجدر أن يتحلى بها الشاعر والشعر معا؟ ذلك أن المشاركة في إحدى المناسبات الثقافية أو المهرجانات الوازنة أضحت أملا عزيزا قد لا يسعف الجميع، لأنه لا يتأتى للكل، في ظل واقع ثقافي ـ للأسف- يقوم في أحايين كثيرة على المجاملات والعلاقات المتبادلة المبنية على المصالح، وليس بالضرورة أن تأخذ في الحسبان قيمة الشعر وجودته، التي هي من قيمة الشاعر وحضوره في المشهد الثقافي عامة، لذلك يصبح هذا المشهد قاتما في جانبه الموضوعي، لأنه يسلط الأضواء على البعض في تجن وتعسف وإجحاف على البعض الآخر الذي يشكل الأغلبية، في حين تظل الأقلية هي المستفيد من هذا الوضع اللاصحي.
وشاعرنا من هذه القلة القليلة التي أبخسها راهن الثقافة حقها المشروع في الانتشار والتواصل مع القراء، وهي أمور لا تتأتى إلا بتيسير تكاليف النشر والطباعة من جهة، والاعتراف بالجودة والاحتفاء بالتجارب الشعرية على اختلاف توجهاتها ومدارسها من جهة أخرى، لأن ذلك من شأنه أن يغني المشهد الثقافي الشعري، ويلبي ميولات شريحة كبرى من القراء في ربوع الوطن العربي .
أبو صلاح من هذه الطينة التي أخصبت شموخا في النفس وسموا في المبادئ والقيم، التي لا تبلى مع مر الزمن، أطلق العديد من الأشعار، واتكأ كما المناضلين الشرفاء على ما ملكت يداه من أجل إخراج صوته من الذات وإليها، رغم كأداء تدابيرالطباعة والنشر، كما هو معروف لدى المهووسين بالكتابة عموما.
في جعبته أضمومتان اثنتان، الأولى أخرجها عام 2006، وهي بعنوان «الطريق إلى الساحل» وتضم إحدى وثلاثين قصيدة، أما الثانية فقد انتظرت حتى سنة 2008، لكي ترى النور، وقد آثر أن تكون تحت مسمى «تلال الصمت» تحتوي على ثمان وثلاثين قصيدة.
لقد كان أبو صلاح في هذين الديوانين وفيا لارتباطه العاشق بتربته القروية التي تسمى ببلدة «أحد أولاد فرج» حوالي 50 كيلومترا جنوب مدينة الجديدة الساحلية، لذلك ألفيناه يستدعي في أغلب قصائد هذين العملين، جملة من المؤشرات الدالة على هذا الحس الإنساني العاطفي بدءا بعتبتي العنوانين معا: الساحل، والتلال، فضلا عن مؤشرات أخرى معززة لهذا المعطى، من خلال قصائد عنونت على التوالي بـ: أم الربيع، دكالة، ريح الساحل، قريتي الصامتة، السوق. كما أن الشاعر يولع أبدا بقضايا الطفولة والشباب، كونه أنفق ردحا من الزمن في تدريس الصبية، سواء في المغرب أو في السعودية، ونمثل لذلك بـ: ولدي أحمد، الطفل في قريتي، إلى طفل الحسيمة، طفولتنا، طفل وديع. كل ذلك لم يمنع شاعرنا من اجتراح قضايا ذات بعد وطني في أمدائه المحلية والعربية من خلال: ربوع بلادي، ضبابية العينين.. القدس أنت.. هذه المواضيع بأهميتها كانت تجد حضورا ذا أهمية أعمق حينما تشد الشاعر إلى الشعر وماهيته والسؤال الفلسفي حوله، يقول في هذا الصدد: «في قصيدة «ما الشعر؟»
الشعر نبع من قلوب غضة…. سكنت عوالم سرها الأشجان
الشعر إبحار الحياة بزورق… يرجى به وسط الحياة أمان
الشعر في عرق الحقول حكاية…. والتائهون بها لها عنوان
الشعر لولا ساطعات نجومه…. ماذا يكون بدونه الإنسان؟ (الطريق إلى الساحل)

هذا الدفق الشاعري ينسحب على وجدان الشاعر فتكون الوجهة ليس الشعر هذه المرة، ولكن المقصود هو الآخر ذاك الذي يشتهي صاحب الديوانين وصاله في شبه نوستالجيا، يقول أبو صلاح في قصيدة «وداعا أيها الحب»:
في طريقي إلى المدرسة
وإلى السوق
لم أعد لأرى حسنك العابر
لا ولا نكهة الحب تملأ أنفاس هذا الفضاء
ولا خبرا في تجاويف الأوجه العاشقة
لم أعد لأرى
غير تمثال مشنوق
لهوانا
وآثار غيم الدموع الساحر (تلال الصمت)

أبوصلاح من المتعصبين للشعر العمودي الذي افتقدناه في زمن الحداثة وما بعد الحداثة، رغم نظمه لقلة قليلة من قصائد النثر، أراد أن يثبت بها الذات، فالشعر العمودي في رأيه، أصبح ذكرى عابرة من الزمن الجميل الذي نهلنا من معينه الثر، وانبهرنا برواده الجهابذة، من أمثال امرئ القيس وابن الرومي والمتنبي وأبي تمام والمعري وعنترة وغيرهم كثير. لذلك ألفى شاعرنا نفسه مغردا خارج السرب، يعيش مفارقة الزمن، فهو يعيش الحداثة جسدا، أما الروح فغارقة في التقليد. لا يشكك أبوصلاح في أهمية الشعر في حياة الإنسان، ولا ينال ممن هم في اتجاه أو نمط أو مدرسة شعرية أخرى، ولكنه يحمل رؤية وتصورا فنيا في تعاطيه للشعر، إذ تجده لا يفارق عمود الشعر إلا ورتق في قالبه أبياتا تلو أخرى، مقتفيا نهج أسلافه، ومتخذا إياهم نموذجا أعلى إلى حد التعصب، ولسان حاله يهتف لماذا نهجر الشعر العمودي، ولماذا لا نحافظ على هذا الشكل الشعري الذي أنجب شعرا قويا، وأعطى شعراء لا يشق لهم غبار في ساحة القريض؟ ثم ما الذي يحول دون أن يظل الشاعر العربي حريصا على هذا التراث العظيم الذي كان صنوا لعظمة الإنسان العربي؟
فقوة الشعرالعربي من قوة الشاعر العربي، وعظمة مجتمع الشعر العربي من عظمة مجتمع الشعراء العرب، وهكذا كان حضور الشعر العربي قويا كدليل على النبوغ الثقافي للأمة العربية كذلك.
ثمة أسباب جمة أسعفت على بروز هذا النمط الشعري الحديث، يعزى بعضها للعوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع العربي في ظرفية تاريخية، ابتدأت سماتها من خلال نكبة فلسطين وحرب الجولان وما تلاهما من هزائم عربية دفعت المثقف العربي إلى التشكيك في الكثير من الثوابت ومن ثم العودة إلى الذات ومراجعتها بغية البحث عن التأسيس الفعلي لهوية ثقافية تراعي التراث والمكتسبات التاريخية من جهة، وتفتح أفق المثاقفة مع الآخر من جهة أخرى، ومن مخلفات هذه المثاقفة والتغيير، نجد ما طال القصيدة من متغير جعلها تفقد صرامة القالب العمودي، لكي تعوضه بشعر التفعيلة أو الشعر الحر، أو الشعر المطلق، أو الشعر الحديث أو شعر الحداثة، وهي أسماء لمسمى واحد.
هذا الاعتزاز بالشعر التقليدي وجزالته وقوة سمته، وما خلفه في النفس اللهفى من جمال روحي بديع، هو ما حدا بالشاعرأبو صلاح إلى الافتتان بعوالمه منذ نعومة أظفاره، وحتى عندما كان طالبا، وبعد التخرج في سلك التدريس جعلت موهبته تتقد واعتزازه يشمخ حتى أصبح سريانه من سريان الدم في مجرى العروق.
الشاعر أبو صلاح من الشعراء المعاصرين الذين يواصلون شغف الكتابة، وعادات التأمل والتملي في الوجود وما يحمله في أتونه من أسرار، وإذا كانت نزعة الرجل في شعره تستحضر القصيدة التقليدية وتنتصر لها حد التعصب كما أشرنا، فإن ذلك ينعكس على موضوعاته التي يصوغ من خلالها مادة هذا الشعر، إذ ينطلق كما الكبار من البيئة التي يحياها ويخبر أسرارها وعوائد أناسها، وله فيها الأصل والقريب والحبيب، وكل ما يألفه الإنسان في حياة الطبيعة البسيطة، مذكرا القارئ بعيش الشعراء القدامى في تعاطيهم لحياة البادية وعوالمها وما يمور فيها من معيش تتعايش فيه الكائنات في سلم وسلام لافتين للأنظار. ذلك أن دواوينه الشعرية ابتدأت بهذه الحياة البدوية في إشاعة الشعر والتغني بأهل هذا العالم المنسي أحيانا، الذي غالبا ما لا يكترث به من طرف شعراء الحداثة اليوم، إنه من شعراء الهامش الذين غبنوا مقارنة مع من هم دونه قيمة وعطاء.
فشاعرنا بناء على ما تقدم، يعيش غبن زمن الحداثة حينما تم تهميش اسمه في العديد من المناسبات، وعندما يقصى هذا الحضور فكأنما هو إقصاء للقصيدة الشعرية التقليدية ومن يتبنى قالبها، لاسيما وأن الشعر شعر مهما اختلفت أشكاله وقوالبه ومدارسه، أليس من أسس هذا الشعر أو ذاك الاعتماد على بحور الشعر العربي المعروفة على يد مؤسسها الأول الخليل بن أحمد الفراهيدي؟ أليس من باب أولى الحفاظ على التنوع الشعري الذي لازم القصيدة في أغراضها ومواضيعها وقوالبها؟ أيضا لأن القصيدة واحدة رغم هذا التنوع، ولذلك ألفيناها متخذة أسماء وفق الحقب والظرفيات التاريخية والجغرافية للمجتمعات العربية، فهناك القصيدة العمودية، وهناك قصيدة النثر، وهناك الموشحات كما هو الشأن في الأندلس القديمة، وهناك الأزجال العامية وغيرها رغم اختلاف التسميات، فهي قصائد شعرية تتغنى بالنفس الإنسانية، وبالوجود من حولها.

باحث وناقد من المغرب

نورالدين الخديري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية