لندن ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي ألقت فيه شبكة «بي بي سي» البريطانية، قنبلة إعلامية من النوع الخادش للحياء للحكومة المصرية، بالفيلم الوثائقي عن حالات الاختفاء القسري في البلاد، على عهدة أهالي الغائبين، وأشهرهم على الإطلاق أم زبيدة، التي تدفع الآن ثمنا باهظا خلف القضبان. قامت الجهة الإعلامية ذاتها، وأيضا بلغتها الأم (الإنكليزية)، بالضرب على «الوتر الحساس» للشعب المصري، بالتغزل في بطلهم الخارق محمد صلاح، لدرجة وضعه في مقارنة مع أشهر المسلمين، الذين تركوا بصمة في بريطانيا بوجه عام، وليفربول بالتحديد، وكأن الشبكة العريقة تُريد إيصال رسالة، مفادها أنها لا تخلط الكرة أو الرياضة عموما بلعبة المشاكل السياسية.
بعيدًا عن مصيبة أم زبيدة والأزمة السياسية الطاحنة بين «بي بي سي» والنظام الحاكم في مصر، فمن سيقرأ عنوان موضوعنا قد يتسلل له شعور المبالغة أو التهويل وربما بالعامية المصرية «التطبيل» لصاحبنا أبو صلاح، لكن في حقيقة الأمر العنوان بالكاد مُقتبس من التحقيق، الذي جاء بعنوان محمد صلاح: هل نجح مهاجم ليفربول في تحسين العلاقة مع المشجعين المسملين؟
المفاجأة المدوية، أن الصحفي توسيك دين الذي أعد التحقيق، بدا وكأنه يقول بين سطور مادته الضخمة أن صاحب الـ25 عاما ينشر الجانب المُضيء من دين الإسلام بصورة لا تُصدق، سواء داخل المملكة أو في مختلف أنحاء العالم، نظرا لشعبية الريدز الجارفة في كل القارات، حتى أنه بدأ روايته بإلقاء الضوء على التغيير الجذري في معاملة المشجعين المتعصبين مع المسلمين بعد تزايد أعداد المحترفين العرب والمسلمين في بلاد الضباب، متمثلة الآن في نجوم من نوعية بول بوغبا ورياض محرز وموسى ديمبيلي ومسعود أوزيل وصلاح وآخرين. ومن الأمور التي استوقفت مُعد التحقيق، ما فعله جمهور ليفربول بتعديل كلمات أغنية «Good Enough» التي أطلقها Dodgy في منتصف التسعينات، لتتحول إلى أكثر أنشودة انتشارا على مواقع التواصل الاجتماعي الشهر الماضي، بالكلمات الجريئة التي تجاوزت «الخطوط الحمر» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يكفي أن المصدر اعتبر كلمات الأنشودة بعد التعديل «مو صلاح إذا سجل هدفاً لك فهو يسجل هدفاً لي… إذا سجل المزيد من الأهداف فسأصبح مسلما… والمسجد هو المكان الذي أريد أن أكون فيه»، دليل عملي على عودة زمن شيخ الإسلام في بريطانيا. ووضح تأييد دين لرأي أصدقاء صلاح المسلمين أبوبكر وعاصف بودي، اللذين تعرضا لعاصفة من الانتقادات الحادة في 2015، عندما انتشرت صورتهما وهما يُصليان داخل ملعب «آنفيلد» أثناء احدى المباريات، وآنذاك سخرت الأغلبية الكاسحة من عشاق النادي على «تويتر» من الصورة، ومنهم من قال: «أمس المسلمين قضوا نصف المباراة في تأدية الصلاة»، أما الآن، فيحظى كلٍ منهما بمعاملة «استثنائية» في الحياة الاجتماعية، فقط لأنهم الأصدقاء المُقربين لنجم الشباك الأول في ليفربول، بدليل الانتشار المدوي لصورهما مع صديقهما بعد كل صلاة جمعة. ويقول بودي، الذي لم يتوقع في يوم من الأيام هذا التغيير الجذري في العلاقة بينه وبين المتعصبين تجاه الإسلام، الذين وصفوا صلاتهم في «آنفيلد» بالعار: «الغريب العجيب أن أولئك المشجعين هم أنفسهم من يحتفلون الآن بأهداف محمد صلاح كل أسبوع ويرددون الأغنية الخاصة به. الأغنية تُظهر مدى التسامح والترحيب المعروف بشعب ليفربول، الذي يتمتع بسمعة الترحيب بالزوار، وتاريخيا ليفربول كانت موقعا لأول مسجد في جزر المملكة، ومن الرائع رؤية هذا الإقبال الإيجابي والمودة تجاه محمد، ولا أستطيع إخفاء فخري بتألق صلاح، ليس لأهدافه ومساهمته في انتصارات ليفربول فقط، بل أيضا لأنه أخي في الإسلام». وأضاف العضو العامل في ليفربول: «لا أحد ينكر أن نجاح صلاح ساهم في زيادة شعبية ليفربول في المملكة والعالم الإسلامي، وكان من دواعي سروري أنني التقيت بطفل يبلغ من العمر 10 سنوات، أصبح مُشجعا لليفربول بسبب صلاح بعدما كان مُشجعا لمانشستر يونايتد، وهذا في حد ذاته جيد جدًا».
وفي سياق التحقيق، حاول الكاتب «استنادا» لتصريحات بودي بالذات، عمل ربط بين الانطباع الرائع الذي يتركه صلاح عن الإسلام والمسلمين في بلاد الضباب، وبين من أشار إليه زميل صلاح «المُلتحي»، في حديثه عن أول مسجد تم بناؤه في بريطانيا، ويرجع لويليام كويليام أو عبدالله كويليام المعروف برجل الإسلام الأول في المملكة، كونه من وضع حجر الأساس لأول مسجد في البلاد عام 1878، والمفارقة أنه كان أيضا في مدينة نهر الميرسيسايد، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يستحق النجم العربي هذه المقارنة؟ أم هي مبالغة من «بي بي سي» لإرضاء المصريين بعد الصدام غير المسبوق مع الحكومة؟